الخميس 10 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • لا يمكن أن نخوض معركة وطنية بعقلية الثأر

لا يمكن أن نخوض معركة وطنية بعقلية الثأر

ما يحدث اليوم مأساة حقيقية، لأنه يؤكد أننا ما زلنا نحاول خوض معارك وطنية بعقلية لم تتحرر من رواسب الماضي.

قلناها مراراً في مقابلاتنا ولقاءاتنا: لا يمكن أن تنطلق معركة وطنية من دون توافق وطني حول أهدافها ومرجعيتها. وما حدث في الضالع، بما في ذلك اعتقال وزير الدفاع والتعامل معه بهذه الطريقة، يكشف أن جزءاً من الوعي السياسي ما زال أسير حرب 1994، وأن عقلية الثأر انتقلت إلى جيل لم يعش تلك الحرب أصلًا.
كيف لشاب كان طفلاً في 1994 أن يحمل اليوم كل هذه الكراهية تجاه الشمال؟ لأنه تلقى رواية اختزلت الحرب في أنها «غزو شمالي للجنوب». وهذه قراءة ناقصة للتاريخ.
كانت الوحدة مشروعاً وطنياً حلم بها كثير من الجنوبيين، لكن نظامين سياسيين لم ينجحا في إدارة هذه الوحدة كشراكة عادلة، فتحول الخلاف السياسي إلى صراع على السلطة وانتهى بحرب 1994، التي ارتكبت خلالها مظالم كبيرة بحق الجنوبيين، ولا يجوز إنكارها.
لكن الإنصاف يقتضي أيضًا الاعتراف بأن الجنوبيين لم يكونوا جميعًا في طرف واحد. فقد وقف جنوبيون مع طرفي الحرب، وكان لكثير منهم مواقف متراكمة من نظام الحزب الاشتراكي وصراعاته منذ 1967. كما أن عدداً من أبناء الجنوب الذين غادروا عدن في مراحل الصراع وجدوا في الوحدة فرصة للعودة إليها.
هذه حقائق تاريخية لا ينبغي أن نحذف منها ما لا يناسب روايتنا السياسية.
المشكلة أننا بعد 1994 حوّلنا الحرب من حدث سياسي وعسكري إلى ثقافة ثأر ضد الشماليين عمومًا، حتى أصبح المواطن الشمالي البسيط يُحمّل مسؤولية حرب لم يصنعها. والأسوأ أننا نقلنا هذه الثقافة إلى أبنائنا، فأصبح جيل لم يعش الحرب يحمل أحقادها وكأنها تجربة شخصية.
وهنا يجب أن نكون أكثر شجاعة مع أنفسنا:
لا يمكن أن نبني دولة بعقلية الثأر، ولا أن نستعيد وطناً ونحن نعتبر جزءًا من شعبه عدوًا بسبب جغرافيته.
والأخطر من ذلك أن يصل الأمر إلى القول: «دع الحوثي يأخذ الشمال ونحن نأخذ الجنوب». فهذا منطق كارثي؛ لأن معركتنا يجب أن تكون ضد الانقلاب ومشروع الميليشيا، لا ضد المواطن الشمالي.
هناك فرق بين الشماليين والحوثيين، كما أن هناك فرقًا بين الجنوب وقوى سياسية تتحدث باسمه.
نحن بحاجة إلى دولة عادلة تعترف بمظالم الجنوب، وتعيد الحقوق إلى أصحابها، وتضمن الشراكة السياسية والاقتصادية، وفي الوقت نفسه تحفظ حقوق أبناء الشمال كمواطنين متساوين.
الدولة أولًا، والعدالة أولاً، ثم نناقش شكل المستقبل.
أما أن ندخل المعركة ونحن منقسمون، ويحمل بعضنا ثأراً تاريخياً من بعض، فسنحوّل معركة استعادة الدولة إلى صراع جديد على الدولة.
مشكلتنا اليوم ليست فقط في قوة خصومنا، بل في غياب العقل الجمعي والرؤية الوطنية التي توحد الهدف وتحدد طريق الوصول إليه.
نريد معركة تستعيد الدولة، لا معركة تعيد إنتاج الماضي.
ونريد جنوبًا منصفاً وعادلاُ، لا جنوبًا يبني مستقبله على كراهية الشمال.
فالذي لا يتصالح مع التاريخ، سيظل أسيراً له، والذي لا يتعلم من أخطاء 1994، قد يعيد إنتاجها بصورة أخرى.