الاغتيال السياسي من الحريبي إلى كوادر الاشتراكي
في ذكرى شهيد الديمقراطية الأول، حتى لا ننسى
في العاشر من سبتمبر 1991م، اغتيل المهندس حسن علي الحريبي، القيادي في حزب التجمع الوحدوي اليمني، في جريمة سياسية هزّت الحياة العامة، وفتحت مبكرًا ملف الاغتيال السياسي في مرحلة ما بعد الوحدة.

لم يكن الحريبي وحده المستهدف؛ فقد استهدفت العملية أيضًا عمر الجاوي ورفيقه في قيادة الحزب، فاستشهد الحريبي، وأصيب عمر الجاوي، كما أصيب فهد، نجل الحريبي. وكان الحريبي ورفاقه قد حذروا من مآلات سياسية خطيرة، ومن مسار أخذت فيه الخلافات تتسع، فجاء الرد على التحذيرات بالعنف والرصاص، في واحدة من الإشارات المبكرة إلى خطورة المناخ السياسي الذي كانت البلاد تتجه إليه.

ولذلك، لم يكن اغتيال الحريبي مجرد جريمة استهدفت شخصًا بعينه، بل مثّل اعتداءً على الحق في العمل السياسي، ورسالة ترهيب لكل من يختار الكلمة والموقف والعمل السياسي طريقًا للتعبير عن رأيه.
لكن اغتيال الحريبي لم يكن نهاية المطاف.
فقد تلت ذلك سلسلة من الاغتيالات التي طالت قيادات وكوادر وأعضاء في الحزب الاشتراكي اليمني، في مناخ سياسي اتسم بالتوتر والخوف والاستهداف. وتشير تقديرات متداولة إلى أن عدد من طالتهم تلك الاغتيالات من قيادات وكوادر وأعضاء الحزب الاشتراكي اليمني يزيد على مائة وخمسين شخصًا. ومهما اختلفت الأرقام والتقديرات، فإن حجم الظاهرة ودلالتها السياسية لا يمكن اختزالهما في عدد الضحايا وحده.
وامتدت الاغتيالات إلى سنوات لاحقة، وكان من أبرز ضحاياها الرفيق جارالله عمر، القيادي البارز في الحزب الاشتراكي اليمني، الذي اغتيل في 28 ديسمبر 2002م، بعد أكثر من عقد على اغتيال الحريبي. وبذلك لم تتوقف ظاهرة الاغتيال السياسي عند حدود مرحلة التسعينيات، بل ظل خطرها حاضرًا في المشهد السياسي اليمني.
ولم تكن تلك الاغتيالات، في سياقها المتكرر، مجرد جرائم منفصلة؛ فقد خلقت حالة من الخوف والقلق، وأوجدت انطباعًا بأن ثمة رغبة في إفراغ الساحة السياسية من الخصوم والمعارضين، وإسكات الأصوات التي اختارت المعارضة والنضال السياسي طريقًا لها.

وهنا تتجلى خطورة الاغتيال السياسي؛ فالقاتل لا يستهدف جسد الإنسان وحده، وإنما يستهدف صوته وفكرته وموقفه، ويحاول أن يبعث برسالة إلى الآخرين: لا تتكلموا، لا تعارضوا، لا ترفعوا أصواتكم.
لكن التاريخ أثبت أن الرصاص قد يغتال الإنسان، ولا يستطيع اغتيال الفكرة.
لقد جاءت الاغتيالات في سياق سياسي شديد التوتر، إلى جانب الإقصاء والعنف السياسي، وأسهمت في إضعاف الثقة وتعميق الانقسام وتقويض فرص الحوار والشراكة السياسية، لتكون بذلك من أبرز مظاهر الأزمة التي أخذت البلاد نحو مزيد من التصعيد والمواجهة.
وكان من الطبيعي أن يقود هذا المناخ إلى مزيد من التصعيد، حتى وصلت البلاد إلى حرب صيف 1994م.
فالحرب لم تولد من لحظة واحدة، ولم تكن نتيجة خلاف منفرد؛ بل سبقتها سنوات من التراكمات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، كان الاغتيال السياسي أحد أكثر مظاهرها قسوة وخطورة.
إن استحضار ذكرى حسن علي الحريبي اليوم ليس استدعاءً للماضي من أجل الانتقام، وإنما هو استحضار لحقيقة سياسية ووطنية يجب ألا تُنسى. فخلف كل اسم من أسماء الضحايا أسرة فقدت عزيزًا، وأبناء كبروا وهم يحملون أسئلة عن الجريمة والحقيقة والعدالة.
الأسماء يجب أن تبقى، والوقائع يجب أن توثق، والضحايا يجب أن يُنصفوا.
إن العدالة لا تعني الانتقام، وإنما تعني كشف الحقيقة، وتوثيق الوقائع، وإنصاف الضحايا وأسرهم، وتحديد المسؤوليات السياسية والأمنية والتاريخية عن تلك الجرائم، حتى لا تضيع الحقيقة مع مرور الزمن.
فموت بعض المسؤولين عن تلك الجرائم، أو خروجهم من السلطة، لا يعني سقوط الحقيقة، ولا يسقط المسؤولية التاريخية عن الجرائم التي ارتُكبت؛ فالذاكرة الوطنية لا تنتهي بانتهاء أصحابها، والتاريخ لا يمنح أحدًا حصانة من الحقيقة.
حسن علي الحريبي كان صوتًا دفع حياته ثمنًا لموقفه، ولم يكن وحده؛ فقد سقط بعده كثير من القيادات والكوادر والمناضلين، وظلت أسئلة الاغتيالات وأسبابها وملابساتها معلقة في الذاكرة الوطنية.
المجد والخلود لحسن علي الحريبي، ولجارالله عمر، ولكل ضحايا الاغتيال السياسي.
لا نريد ثأرًا، وإنما نريد حقيقة. ولا نريد كراهية، وإنما نريد وعيًا يحول دون تكرار المأساة.
فالديمقراطية لا تستقيم مع الخوف، والتعددية لا تعيش تحت تهديد الرصاص، والسياسة لا يمكن أن تكون ساحة للقتل.
حتى لا ننسى... وحتى لا تتكرر المأساة.



