باب المندب في قلب الصراع على الممرات البحرية
لا يمثل التصعيد الراهن في الساحل الغربي لليمن مجرد جولة جديدة من القتال في حربٍ استنزفت البلاد لأكثر من عقد، بل يعكس استراتيجية أوسع تربط الساحة اليمنية بالمواجهة الإقليمية المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها. وفي قلب هذه الاستراتيجية يبرز الترابط بين مضيقي هرمز وباب المندب، باعتبارهما شريانين بحريين يشكلان معًا إحدى الركائز الأساسية لأمن الطاقة والتجارة العالمية.
وجاءت الشرارة المباشرة لهذا التصعيد مع إصرار الحوثيين على استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين طهران وصنعاء بالقوة. ولم تكن هذه الخطوة مجرد قضية تتعلق بالطيران المدني، بل حملت رسالة استراتيجية تهدف إلى تكريس الترابط بين مضيق هرمز وباب المندب. كما أن إصرار الحوثيين على إعادة تشغيل هذا الخط الجوي، وهو الملف ذاته الذي أسهم في إشعال الحرب عام 2015، يعكس سعيهم إلى تأكيد أن مجال نفوذ محور المقاومة بقيادة طهران يمتد بصورة متصلة من الخليج العربي حتى البحر الأحمر.
وحملت هذه الخطوة أيضًا رسالة إقليمية أوسع، تمثلت في محاولة استدراج المملكة العربية السعودية إلى قلب المواجهة الدائرة بين إيران والولايات المتحدة، وهو السيناريو الذي حرصت الرياض على تجنبه طوال الفترة الماضية . وفي هذا السياق، فإن الحديث عن “الحصار” ليس جديدًا. فقبل انخراط الحوثيين في الحرب المرتبطة بغزة، كان مطار صنعاء الدولي قد استأنف تشغيل رحلات تجارية محدودة، حيث كانت الخطوط الجوية اليمنية تسيّر رحلات منتظمة بين صنعاء وعمّان، مع وجود مباحثات لتوسيع الرحلات إلى وجهات أخرى. غير أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بما في ذلك قصف اسرائيل لمطار صنعاء والطائرات التي رفض الحوثيون إخراجها من البلاد في مايو 2025، أعادت عزل المطار وأوقفت أي آفاق لتوسيع حركة الطيران التجاري.
ورغم تعدد الأسباب التي دفعت الحوثيين إلى إعادة إشعال الجبهات الراكدة واستئناف الهجمات العابرة للحدود، فإن رواية “الحصار” أصبحت المبرر الداخلي الرئيسي للتصعيد الجديد. فقد بدأت الحملة بإعلان حصار بحري على السعودية، في محاولة الى جرّ المملكة إلى المواجهة الإقليمية الأوسع. وأعقب ذلك هجمات على مواقع القوات الحكومية في مأرب وحضرموت، في ما بدا محاولة استباقية لإحباط أي هجوم حكومي محتمل، قبل أن ينقل الحوثيون ثقل عملياتهم إلى مدينة المخا الاستراتيجية على البحر الأحمر، غربي محافظة تعز. وشكل الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية ضد قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، وضد ميناء المخا، أكبر تصعيد تشهده جبهة الساحل الغربي منذ هدنة عام 2022.
ويحتل باب المندب موقعًا محوريًا في الاستراتيجية الإقليميّة القائمة على توظيف الممرات البحرية الاستراتيجية كورقة ضغط جيوسياسية. فأي تعطيل لحركة الملاحة في مضيق هرمز سيكون أكثر تأثيرًا إذا ترافق مع تهديد الملاحة في باب المندب، الذي يراد تحويله الى ورقة تفاوضية مهمة في الصراع الاقليمي الراهن. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، دفع الحوثيون بنحو 140 الف مقاتل ، و بعدد كبير من نخبة مقاتليهم وأكثرهم خبرة إلى الساحل الغربي، في محاولة للتقدم نحو أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يمر عبره نحو 12 في المئة من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا. ويتسق هذا التوجه مع تصريحات الحرس الثوري الإيراني في منتصف يوليو عقب استئناف الضربات الأمريكية، والتي توعد فيها بإرباك أسواق الطاقة العالمية.
وفي جوهر الأمر، تم اختيار توقيت هذه المعركة ومسرحها بعناية. فالساحل الغربي يوفر فرصة لتحقيق عدة أهداف استراتيجية في آن واحد. ويتمثل الهدف الأول في تعزيز الوجود بالقرب من باب المندب بما يخدم الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية الأوسع. كما يهدف الهجوم إلى تقويض أي عملية حكومية مستقبلية لاستعادة مدينة الحديدة الاستراتيجية، عبر استنزاف وإضعاف القوات الحكومية هناك، التي يُرجح أن تتولى قيادة أي هجوم من هذا النوع. وقد تحولت هذه القوات إلى أحد أبرز خصوم الحوثيين، لا سيما بعد نجاحها في اعتراض عدد من السفن التي كانت تهرب أسلحة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.
في المقابل، قد يؤدي قرار القوات الحكومية توسيع عملياتها العسكرية إلى محافظتي البيضاء والجوف، وهما من المحافظات ذات الأهمية الاستراتيجية، إلى تعقيد قدرة الحوثيين على مواصلة هجومهم المركز في الساحل الغربي. فإدارة عدة جبهات في آن واحد ستفرض على الجماعة توزيع قواتها ومواردها، بما قد يقلل من قدرتها على الاحتفاظ بزخم عملياتها، ورغم الانتكاسات الأولية التي تعرضت لها القوات الحكومية في مناطق مثل حيس جنوبي الحديدة وأجزاء من غربي تعز، فإنها تمكنت من استعادة عدد من المواقع التي خسرتها. وستكشف الأسابيع المقبلة ما إذا كان الحوثيون قادرين على الحفاظ على زخمهم الهجومي في الساحل الغربي، مع مواجهة الضغوط المتزايدة في جبهات أخرى.
وقد تعيد هذه المرحلة من الصراع رسم موازين القوى العسكرية داخل اليمن، كما قد تؤثر في معادلة مواجهاتهم مع السعودية، خاصة مع استئناف الغارات الجوية التي يتهم الحوثيون الرياض بشنها، فيما تقول القوات الحكومية انها من تنفذها. وفي الوقت نفسه، يبرز الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة من قبل القوات الحكومية باعتباره متغيرًا مهمًا في ساحة المعركة. فقد مثلت المسيّرات، طوال سنوات الحرب، إحدى أبرز نقاط القوة العسكرية لدى الحوثيين، إلا أن توسع القوات الحكومية في استخدامها وتطوير قدراتها قد يحول إحدى أهم مزايا الحوثيين إلى واحدة من أبرز نقاط ضعفهم.
كما أن عودة الطيران العسكري لتنفيذ غارات ضد أهداف الحوثيين تمثل متغيرًا آخر قد يكون له تاثيره هذه المره في المعادلة العسكرية، وهو متغير يبدو أن الحوثيين لم يأخذوه في الاعتبار بصورة كاملة عند التخطيط لهجومهم الحالي. فقد بُنيت هذه العملية على افتراض استمرار تحييد الغطاء الجوي عن ساحة المعركة. وإذا استمرت الضربات الجوية بالتوازي مع فتح جبهات جديدة، وتزايد استخدام القوات الحكومية للطائرات المسيّرة، فإن ميزان القوى قد يشهد تحولًا ملموسًا، بما يغير مسار الحملة العسكرية الحالية ونتائجها.
وفي المحصلة، فإن معركة الساحل الغربي تتجاوز بكثير حدود السيطرة على مواقع أو تحقيق مكاسب ميدانية؛ فهي معركة ترتبط بمستقبل أمن باب المندب، وبموازين القوى داخل اليمن، وبالاستراتيجية الإيرانية الهادفة إلى ربط مضيق هرمز بالبحر الأحمر ضمن منظومة ردع بحرية وورقة تفاوض موحدة. وما ستسفر عنه هذه المواجهة لن يحدد مستقبل الحرب في اليمن فحسب، بل سيترك بصماته أيضًا على أمن أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
كما أن الاضطرابات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب تفرض إعادة تعريف العلاقة التقليدية بين دول المنطقة، والانتقال بها إلى مستوى من الشراكة الاستراتيجية التي تمليها اعتبارات الأمن القومي العربي. ومن هذا المنطلق، فإن استقرار باب المندب يظل رهينًا باستقرار اليمن، فيما يبقى استقرار اليمن مرهونًا باستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها.



