حرب عبثية
الحرب في بلادنا ليست حربًا تحمل أهدافًا تحقق الحرية والعدالة والوحدة والعيش الكريم. إنها حرب عبثية لم يجنِ منها الشعب غير الدمار والتشريد والجوع والفقر والمرض.
إنها حرب تأكل الأخضر واليابس. لا تفرق بين حجر وشجر، ولا بين كبير وصغير.
الشعب فيها ليس طرفًا، وإن كان هو الضحية الأولى والأخيرة. يدفع الثمن بماله، وبأولاده، وبمواشيه، وبكل ما يملك.
حرب حوّلت القرى العامرة إلى خراب، وسكان القرى إلى مشردين، وأرضهم الزراعية إلى صحراء.
حوّلت أهلها من مزارعين وتجار وأصحاب بيوت إلى أشباه بدو رحّل يبحثون عن الأمن والأمان.
يغادرون قراهم مجبرين، يحملون أطفالهم على أكتافهم، ويقتادون ما تبقى لهم من مواشٍ وحمير وجمال. ولا يجدون من يستقبلهم.
رأيت صورًا لنازحين من الكدحة تهز القلب.
خرجوا لا يحملون إلا وجعهم وأملهم بالنجاة.
لكن المأساة لم تتوقف عند النزوح.
وفي مناطق النزوح لا يجدون أبسط مقومات العيش، بل يجدون من يستغل حاجتهم وضعفهم.
حولهم التفّ تجار جشعون بسياراتهم، ليس لمساعدتهم، بل لاستغلال حاجتهم.
يعرضون أثمانًا زهيدة على مواشيهم وما يملكون، التي هي مصدر رزقهم الوحيد.
يبيع الفلاح بقرة عمرها سنين، أو غنمًا كان يعتمد عليها، بثمن لا يكفي حتى لشراء خيمة.
يُجبرون على بيع كل ما يملكون من أجل خيمة تسترهم، ولقمة خبز تسد جوعهم.
هكذا تحوّل النازح من صاحب أرض وكرامة إلى من يُساوَم على لقمة عيشه.
هكذا تحوّلت الحرب إلى تجارة، وتحوّل الوجع إلى فرصة.
هذه ليست حربهم.
هذه حرب فُرضت عليهم، وحُرقت بنارها بيوتهم ومستقبلهم.
لكن رغم كل هذا، لم يموتوا، بل سيعودون يومًا ليبنوا ما هُدم، ويستصلحوا ما تصحّر، ويحاسبوا تجار الحرب والدمار. سيعودون.
لأن الأرض أرضهم، والحق حقهم، ولن يضيع حقهم ما داموا عايشين.
اللهم فرّج عنهم، وردّهم إلى ديارهم آمنين مطمئنين.



