القيادة الاستراتيجية والبحث العلمي بين الكفاءة والولاء: ضرورة وطنية لبناء الدولة في اليمن
مقدمة
في الدول النامية والأقل نموا، لا تقاس خطورة شغل الوظائف ذات الطابع الاستراتيجي بحجم السلطة المرتبطة بها فحسب، و إنما بحجم الأثر الذي يمكن أن تتركه قرارات شاغليها في مستقبل الدولة والمجتمع. فالمسؤول الذي يعمل في التخطيط الاستراتيجي، أو الدراسات والبحوث، أو مراكز المعلومات، أو الوزارات السيادية، أو الجامعات، أو الهيئات العامة، لا يؤدي وظيفة إدارية تقليدية؛ بل يتعامل مع مستقبل الدولة، وتخصيص مواردها النادرة، وتحديد أولوياتها، وتفسير مخاطرها، وصناعة بدائل القرار أمام قيادتها.
ومن هنا، فإن اختيار الأشخاص لشغل هذه المواقع يجب أن يقوم أساسا على قاعدة واضحة: الكفاءة والنزاهة والقدرة التحليلية أولاً، ثم تأتي الثقة والانسجام المؤسسي في إطار القانون والمعايير المهنية. أما قاعدة: «أهل الولاء أولآ والخبرة ثانياً»، فإنها قد تنتج، في البيئات الهشة، مؤسسات تبدو مستقرة شكليآ لكنها تفتقر إلى القدرة الحقيقية على التفكير و التوقع والتكيف.
وتزداد أهمية ذلك في اليمن، حيث تتداخل الحرب والانقسام المؤسسي والضغوط الاقتصادية وتعدد مراكز القوة والتأثير الخارجي وضعف الموارد. وتشير دراسات حديثة إلى أن اليمن يعاني من هشاشة مؤسسية وتشتت في آليات الحوكمة والتعلم المؤسسي، وأن استمرار الهياكل الرسمية لا يعني بالضرورة امتلاكها القدرة الوظيفية على الاستعداد للأزمات أو التعلم منها أو التحول لمواجهتها.
وسنسلط الضوء أدناه على جوانب أساسية لا بد من الإهتمام بها:-
(أولاً): الوظائف الاستراتيجية ليست مواقع إدارية بل مواقع لصناعة المستقبل
هناك فرق جوهري بين إدارة العمل اليومي وإدارة المستقبل. المسؤول الإداري قد ينجح في تنفيذ الإجراءات واللوائح، لكن المسؤول الاستراتيجي يجب أن يكون قادراً على الإجابة عن أسئلة أكثر عمقآ:
- إلى أين تتجه المؤسسة أو الدولة؟
- ما المخاطر التي قد تظهر قبل أن تتحول إلى أزمة؟
- ما السيناريوهات المحتملة؟
- ما البدائل المتاحة أمام صانع القرار؟
- ما تكلفة القرار والخطأ وعدم اتخاذ القرار؟
- كيف يمكن تحويل المعلومات المتفرقة إلى معرفة استراتيجية؟
- وكيف يمكن تحويل نتائج البحث العلمي إلى سياسات قابلة للتنفيذ؟
ولهذا، فإن شاغل الوظيفة الاستراتيجية يحتاج إلى مزيج من الرؤية بعيدة المدى، والقدرة على التحليل المنهجي، وفهم البيئة الداخلية والخارجية، وإدارة عدم اليقين، وبناء السيناريوهات، والتفكير النقدي، والقدرة على الاستفادة من الأدلة والبيانات.
فالدول لا تنهض بكثرة التقارير، بل بقدرتها على إنتاج تفكير صحيح قبل القرار، وقرار رشيد قبل التنفيذ، وتعلم مؤسسي بعد التنفيذ.
(ثانيا): لماذا تُعد القدرات البحثية ضرورة لشاغلي المواقع القيادية؟
البحث العلمي ليس مجرد نشر أكاديمي أو الحصول على ترقية وظيفية، بل هو منهج في التفكير. والقيادي الذي يمتلك مهارات بحثية حقيقية يكون أكثر قدرة على:
1. التمييز بين الرأي والحقيقة:
فكثير من القرارات العامة تبنى على الانطباعات أو الشائعات أو الولاءات أو المعلومات الانتقائية. أما العقلية البحثية تسأل دائمًا: ما الدليل؟ وما مصدره؟ وما مدى موثوقيته؟
2. تشخيص المشكلات من جذورها:
إذ إن معالجة الظواهر دون فهم أسبابها الحقيقية يؤدي إلى تكرار الفشل. و الباحث الجيد لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يبحث في بنيتها وأسبابها وعلاقاتها.
3. بناء بدائل للقرار:
المسؤول الاستراتيجي لا ينبغي أن يقدم لصانع القرار خيار واحد، و إنما سيناريوهات متعددة تتضمن المنافع والتكاليف والمخاطر واحتمالات النجاح.
4. التعلم من التجارب السابقة:
الدولة التي لا تمتلك ذاكرة مؤسسية محكومة بتكرار أخطائها. وتكشف بعض الدراسات الحديثة في اليمن عن ضعف في التقاط الدروس وتحويلها إلى تعلم مؤسسي دائم، وهي مشكلة تؤدي إلى إعادة إنتاج الاستجابات الارتجالية عند كل أزمة جديدة.
5. ربط البحث بالسياسات العامة:
فالمعرفة التي لا تتحول إلى حلول تظل معرفة معزولة. وتواجه الجامعات اليمنية، وفق دراسات حديثة، تحديات في توجيه البحث نحو القضايا التنموية وفي تحويل نتائجه إلى تطبيقات عملية وسياسات عامة.
(ثالثاً): خطورة تقديم الولاء على الكفاءة
لا يعني الحديث عن أولوية الكفاءة أن الولاء الوطني أو الالتزام بالمؤسسة غير مهمين؛ بل على العكس، تحتاج الدولة إلى أشخاص مخلصين. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الولاء الشخصي إلى بديل عن الكفاءة، أو عندما يصبح الانتماء إلى شبكة النفوذ أهم من القدرة على أداء الوظيفة.
الولاء الأعمى قد ينتج شخصًا لا يقول الحقيقة لصانع القرار، والجهل المقترن بالسلطة قد يكون أخطر من المعارضة. إن المسؤول غير المؤهل، إذا كان يفتقر إلى الاستقلال المهني، قد يقدم ما يرغب المسؤول الأعلى في سماعه، لا ما يحتاج إلى معرفته.
ومن أخطر نتائج قاعدة «أهل الولاء أولا والخبرة ثانيا»:
1-إضعاف مبدأ الجدارة وتكافؤ الفرص.
2-هجرة الكفاءات أو تهميشها.
3-تحول المؤسسات إلى شبكات علاقات بدل أن تكون نظم مهنية.
4-انخفاض جودة التحليل وصناعة القرار.
5-تسييس الوظائف العلمية والبحثية.
6-الخوف من النقد والمراجعة والتقييم.
7-إنتاج تقارير هدفها إرضاء المسؤول لا كشف الواقع.
8-تراكم الأخطاء الصغيرة حتى تتحول إلى أزمات وطنية كبرى.
وفي السياق الأكاديمي، تشير دراسة منشورة عام 2025 حول اليمن إلى أن المحاباة والتدخل في التوظيف وتخصيص الموارد البحثية يمكن أن تقوض الجدارة والشفافية وتؤثر سلباً في جودة المخرجات والقدرة المؤسسية.
(رابعاً): اليمن يحتاج اليوم إلى «عقل استراتيجي مؤسسي»
إن المشكلة اليمنية ليست فقط في نقص الموارد، فبعض أخطر الأزمات تبدأ أصلًا من سوء إدارة الموارد المحدودة. واليمن اليوم يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى بناء عقل استراتيجي مؤسسي داخل الوزارات والأجهزة السيادية والجامعات والهيئات والمؤسسات العامة.
هذا العقل يجب أن يقوم على خمسة مرتكزات:
1. الاستشراف
الانتقال من انتظار الأزمة إلى توقعها والاستعداد لها.
2. البحث والتحليل
إنشاء وحدات قادرة على جمع البيانات وتحليلها وإنتاج تقديرات مهنية مستقلة.
3. السيناريوهات
عدم بناء السياسات على افتراض واحد، بل دراسة أفضل وأسوأ وأكثر السيناريوهات احتمالا.
4. التقييم والمراجعة
قياس نتائج السياسات والبرامج بانتظام، والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها.
5. الاستمرارية المؤسسية
حفظ المعرفة والخبرات وعدم ربط المؤسسة بشخص أو جماعة، بحيث تستمر الدولة في التعلم حتى مع تغير القيادات.
وهذا يتسق مع التحليلات الحديثة التي تؤكد أن إصلاح المؤسسات اليمنية وبناء القدرات في المؤسسات المحورية يجب أن يكون أولوية، خصوصًا في ظل الهشاشة والانقسام وضعف الحوكمة.
(خامساً): الجامعات ومراكز البحوث يجب أن تكون خزانات للعقول لا مخازن للشهادات
في الدول المتقدمة، تشكل الجامعات ومراكز الدراسات أحد روافد صناعة القرار. أما في الدول النامية، فكثيراً ما ينحصر دورها في التدريس ومنح الدرجات العلمية، بينما تبقى السياسات العامة بعيدة عن البحث العلمي.
واليمن بحاجة إلى إعادة تعريف وظيفة الجامعة لتصبح:
1-مصدرًا للمعرفة الوطنية.
2-مرصدًا للمشكلات المستقبلية.
3-بيتًا للخبرات المتخصصة.
4-شريكًا في صناعة السياسات.
5-حاضنة للابتكار والحلول.
6-جهة مستقلة لتقييم البرامج العامة.
وتؤكد الدراسات المتعلقة بالجامعات اليمنية وجود عوائق كبيرة أمام التحول نحو نموذج الجامعة البحثية، كما تشير دراسات أحدث إلى أن الأزمات المركبة، بما فيها الحرب والانقسام المؤسسي والضغوط الاقتصادية، أثرت بعمق في الأداء والقدرة على الإصلاح المؤسسي.
ومن هنا، فإن تعيين قيادات البحث العلمي و العمداء ومديري المراكز والوحدات الاستراتيجية يجب أن يخضع لمعايير أكثر صرامة من مجرد الأقدمية أو العلاقات أو الانتماء.
(سادساً): ما المهارات المطلوبة لشاغلي الوظائف الاستراتيجية والبحثية؟
ينبغي أن تتوافر في شاغلي هذه الوظائف مجموعة متكاملة من المهارات، أهمها:
أولاً: التفكير الاستراتيجي
القدرة على رؤية الصورة الكلية وربط المتغيرات قصيرة المدى بالنتائج بعيدة المدى.
ثانيآ: التفكير النقدي
القدرة على مساءلة الافتراضات وعدم قبول المعلومات دون فحص.
ثالثاً: المنهجية البحثية
إتقان تصميم الدراسات وتحليل البيانات وتقييم جودة الأدلة.
رابعاً: تحليل السياسات و السيناريوهات
القدرة على تقديم بدائل واضحة لصانع القرار.
خامساً: إدارة المخاطر والأزمات
فهم المخاطر قبل وقوعها ووضع خطط للاستجابة والتعافي.
سادساً: الاستقلال والنزاهة المهنية
القدرة على تقديم التقدير الحقيقي حتى لو كان مخالفًا لرغبات أصحاب السلطة.
سابعاً: التواصل الاستراتيجي
تحويل البحث المعقد إلى رسائل وبدائل يمكن لصانع القرار فهمها واستخدامها.
ثامناً: العمل متعدد التخصصات
أزمات اليمن السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية لا يمكن فهمها بعقل تخصصي ضيق.
(سابعآ): من «الولاء للأشخاص» إلى «الولاء للمؤسسة والوطن»
البديل الصحيح ليس إقصاء الولاء، بل إعادة تعريفه.
فالدولة الرشيدة لا تحتاج إلى موظف موالي لشخص، بل إلى مسؤول موالي للدستور والقانون والمصلحة العامة. ولا تحتاج الجامعة إلى باحث يوافق القيادة في كل شيء، بل إلى عالم قادر على قول الحقيقة وفق الدليل.
الصيغة الصحيحة يجب أن تكون:
الولاء للوطن أولآ، والنزاهة المؤسسية ثانيآ، والكفاءة المهنية شرط لازم لشغل الوظيفة.
أما الثقة الشخصية، فيجب ألا تتحول إلى معيار تعيين مستقل، بل تكون عنصرآ مكملآ بعد تحقق الكفاءة.
(ثامناً): نحو نموذج وطني جديد للاختيار والتعيين
يحتاج اليمن إلى تبني ميثاق أو إطار وطني لشغل الوظائف الاستراتيجية والبحثية، يقوم على:
1-توصيف دقيق للوظائف يحدد المهارات الاستراتيجية والبحثية المطلوبة.
2-منافسة شفافة على الوظائف القيادية والبحثية.
3-لجان اختيار مستقلة ومتعددة التخصصات.
4-اختبارات للحالة الاستراتيجية تقيس القدرة على تحليل المشكلات واتخاذ القرار.
5-تقييم حقيقي للسجل العلمي والمهني، وليس مجرد عدد الشهادات.
6-قياس النزاهة والاستقلال المهني.
7-عقود أداء واضحة مرتبطة بنتائج قابلة للقياس.
8-مراجعة دورية للأداء وإمكانية إعفاء غير الكفء.
9-حماية الخبراء والباحثين من التدخل غير المهني.
10-إنشاء وحدات للتفكير الاستراتيجي داخل المؤسسات الرئيسية.
11-ربط الجامعات ومراكز البحوث رسميًا بصناعة السياسات العامة.
12-بناء قاعدة بيانات وطنية للكفاءات والخبرات، للاستفادة من العقول اليمنية في الداخل والخارج.
خاتمة:
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدولة اليمنية في هذه المرحلة ليس فقط نقص المال أو استمرار الصراع، بل أن تُدار التحديات الكبرى بعقول غير مؤهلة، وأن تُسند المواقع التي تحتاج إلى أعلى درجات التفكير الاستراتيجي والبحثي إلى أشخاص اختيروا أساسًا لأنهم «أهل ولاء».
فالدول الخارجة من الأزمات لا تُبنى بتوسيع دوائر المحاباة، بل بإطلاق طاقات الكفاءة. والمؤسسات لا تصبح قوية بكثرة المناصب، وإنما بقدرة شاغليها على التفكير والتحليل والتعلم واتخاذ القرار الصحيح.
واليمن، وهو يواجه مرحلة شديدة التعقيد، يحتاج إلى ثورة هادئة في معايير الاختيار: ثورة تنقل الوظيفة العامة من الغنيمة إلى المسؤولية، والولاء من الأشخاص إلى الوطن، والبحث العلمي من رفوف المكتبات إلى قلب صناعة القرار.
المراجع:
-القريشي، نجوان، والزريقي، محمد، وعلي، جمال عبدالمجيد، وآخرون. (٢٠٢٥). مكافحة الفساد الأكاديمي في اليمن: إصلاحات من أجل النزاهة والشفافية والتنمية الوطنية. Journal of Academic Ethics، ٢٣، ٢٥٨٥–٢٥٩٨.
-السبعي، ماجد محمد عمر. (٢٠٢٥). معوقات تطبيق الجامعات اليمنية لمقومات الجامعة البحثية. مجلة جامعة صنعاء للعلوم الإنسانية، ٤(٤)، ٥٦١–٥٨٨.
-قشاش، فهمي أحمد علي محمد. (٢٠٢٥). تحديد معوقات الاستفادة من البحث العلمي في التنمية الاجتماعية والاقتصادية في الجامعات اليمنية واقتراح سبل التغلب عليها. المجلة الإلكترونية لجامعة عدن للعلوم الإنسانية والاجتماعية، ٦(٤)، ٤٢٢–٤٣٣.
-منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة – اليونسكو. تقرير اليونسكو للعلوم: نحو عام ٢٠٣٠ وما بعده.
-البنك الدولي – World Bank. تقارير الحوكمة وبناء المؤسسات والتنمية في الدول الهشة والمتأثرة بالصراعات.
-منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – OECD. دراسات الحوكمة العامة والاستشراف الاستراتيجي والقيادة وبناء القدرات المؤسسية.
-برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – UNDP. تقارير التنمية البشرية والحوكمة وبناء القدرات والتنمية المؤسسية.



