الجمعة 4 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • من مقيل النهار إلى سهر الفجر: كيف يُضيِّع شبابنا أنفسهم؟

من مقيل النهار إلى سهر الفجر: كيف يُضيِّع شبابنا أنفسهم؟

تقف المجتمعات عاجزة أمام ظواهر سلبية تتسلل إليها بهدوء، فتكبر وتستفحل حتى تتماهى معها وتصبح قدراً لا يُسأل عنه. ومن أبرز هذه الظواهر اليوم: هجرة شبابنا من النهار إلى الليل، ومن الإنتاج إلى السهر.

لم يعد الأمر مجرد "عادة سيئة" أو "تضييع وقت". لقد تحوّل سهر الليل في مجالس القات إلى نمط حياة كامل، قلب موازين الشباب وقلب معه سنة الحياة. فكيف وصلنا إلى أن يصبح جيل كامل، أو شطر كبير منه، حارساً لنومه بدل أن يكون حارساً لحاضر وطنه ومستقبله؟
لقد انقلبت موازين الحياة عند كثير من مراهقينا وشبابنا، فصدق فيهم انقلاب الآية. إذ قلبوا سنّة الله في الكون فجعلوا الليل معاشاً والنهار لباساً.
تبدأ أمسياتهم مع غروب الشمس، حيث ينتهي دوام الناس ويبدأ دوامهم. مجالس القات لا تُفتح أبوابها إلا بعد العشاء، وتمتد بلا وعي ولا غاية حتى يبزغ الفجر. وساعات طويلة تُقتل في أحاديث مفرغة، ونكات مكررة، وغيبة ونميمة، وثرثرة لا تسمن ولا تغني من جوع، وقد تنتقل من الواقع الحقيقي إلى العالم الافتراضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وفي المقابل يُستنزف المال على قلته أو محدوديته، وتُهدَر الصحة، ويُباع العمر بثمن بخس.
ومع أول خيط للنهار، يبدأ دورهم الآخر، وهو النوم. نوم ثقيل عميق لا يوقظه أذان ولا مسؤولية. ينامون حتى تزول الشمس. فإذا سألتهم عن السبب جاءك الرد الجاهز: "الفراغ"، "الطفر"، "مافيش شغل"، "التسلية"، "الضيق والهموم"... إلخ.
لكن الحقيقة أنهم لم يعودوا عاطلين. لقد اخترعوا لأنفسهم وظيفة جديدة، شبيهة بوظيفة "العسَس" في التاريخ الإسلامي.
فقد كان "العسَس" قديماً رمزاً لليقظة والمسؤولية. كانوا يجوبون الحارات في جنح الظلام لحماية البيوت من اللصوص، وحراسة أمن الناس وهم نيام. كانوا يبذلون راحتهم لأجل راحة المجتمع.
أما شباب اليوم فقد تحولوا إلى نسخة مشوهة منهم. صاروا "عسس الداخل". يحرسون جدران بيوتهم، وغرفهم المستأجرة، ويحرسون صمت البيوت، ويحرسون نوم آبائهم وأمهاتهم الطويل. والأدهى من ذلك أنهم يحرسون ساعات ضياعهم بإتقان!
لم تعد القضية مجرد عادة فردية، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية مزمنة، ومرضٍ قد ينتقل من جيل إلى آخر.
وأتذكر قبل عقدين تقريباً أن هذا المشهد كان شبه معدوم. فقد كان القات مقيل نهار، ومجلس رجال بعد العمل. وكان الليل مقدساً للنوم والراحة كما أراده الله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا}. وكان الناس يستيقظون مع الفجر إلى مدارسهم وأعمالهم وحقولهم وأداء مختلف التزاماتهم.
حقاً، شر البلية ما يُضحك ويُبكي. فبدل أن تكون سواعد الشباب وقود البناء، صارت أثقالاً على كاهل الزمن والأسرة والمجتمع.

فإن لم نوقظهم اليوم، فمن سيوقظ الغد؟