المثقف... من هو؟ وما رسالته ودوره في إحلال السلام والوئام في يمننا؟
في زمن تتداخل فيه الأصوات وتختلط فيه الرؤى، ويصبح الوطن ساحة لصراعات الهوية والمصالح، يبرز سؤال قديم جديد: أين المثقف من كل هذه الاختلافات؟
هل نحن بحاجة اليوم إلى من يصف لنا الخراب؟ فقد أتقن الجميع الوصف.
ولسنا بحاجة إلى من يبرر لنا الانقسام، فقد كثر المبررون.
نحن بحاجة إلى من يوقد شمعة في العتمة، إلى عقل يفكر بدلًا من أن يردد، وإلى ضمير يختار الحق بدلًا من أن يصفق للقوة.
فمن هو المثقف الحقيقي في هذا الزمن؟ وما الرسالة التي يُفترض أن يحملها على عاتقه؟
منذ أن عرف الإنسان الكلمة، وُلد دور المثقف. فالثقافة ليست كثرة معلومات، ولا حفظًا للنصوص، ولا جمعًا للشهادات، وإنما هي وعيٌ بالواقع وتسخير هذا الوعي لتغيير الواقع السلبي إلى واقع إيجابي.
فالمثقف هو الذي يعي ويدرك حركة التاريخ، و هو القادر على تحويل المعرفة إلى موقف يخدم الإنسان والوطن.
فمن هو المثقف؟ هل كل متعلم مثقف؟ وهل كل حامل شهادة عليا مثقف؟
ليس بالضرورة أن كل صاحب شهادة عليا، نطلق عليه مثقف، فكم من أميٍّ امتلك من الحكمة وبُعد النظر ما جعله أقرب إلى روح الثقافة من أصحاب الألقاب العلمية، وكم من متعلمٍ حبس علمه في حدود ذاته، فلم ينتفع به مجتمعه ولا وطنه.
المثقف الحقيقي هو من يحمل هموم الناس، ويقرأ الماضي ليستوعب دروسه، ويعيش الحاضر بعينٍ ناقدة، ويستشرف المستقبل بعقلٍ منفتح. لا يكتفي بوصف الأزمات، بل يبحث عن أسبابها، ويقترح الحلول، ويؤمن بأن إصلاح الفكر هو بداية إصلاح المجتمع. وهو لا يقف عند حدود التنظير، بل يشارك في بناء مشروع تاريخي للتغيير، ويحوّل الأفكار إلى فعل يلامس حياة الناس.
والتاريخ يعلمنا أن النهضات الكبرى والتغييرات المصيرية لم تنجح بالاندفاع الشعبي وحده. فلكل تحول جذري في حياة الأمم نخبة تمتلك رؤية واضحة وتنظيمًا قادرًا على قيادة المجتمع حين تعجز المؤسسات التقليدية عن القيام بدورها. من هنا كانت العلاقة بين المثقف والثورة علاقة تكامل لا انفصال. فلا ثورة ناجحة دون مشروع فكري يتبناه مثقفين يحدد ون فيه بوصلة التوجه، والتي هي عبارة عن مشروع فكري يحمله المثقفون وينقلونه من الورق إلى الواقع، ومن النقاش إلى الميدان.
لكن أكبر أزمة تواجهنا اليوم هي أزمة النخبة قبل أن تكون أزمة الجماهير. فحين ينعزل المثقف عن مجتمعه، أو يرتهن للسلطة، أو يتحول إلى بوق لأيديولوجيا جامدة، يفقد دوره التاريخي، ويصبح جزءًا من المشكلة لا من الحل.
ورسالة المثقف تتجاوز النقد إلى البناء. هي بناء الوعي والدفاع عن الحقيقة، وحماية الهوية الوطنية وتعزيز قيم العدالة والحرية والمواطنة. وهي تجديد الفكر على أسس علمية وتاريخية تتجاوز الضيق القطري والإقليمي، وصياغة مشروع نهضوي قائم على العقل والعلم والتنظيم.
وفي المجتمعات التي تعصف بها الحروب والانقسامات، يصبح المثقف أمام اختبار حقيقي. فإما أن يكون صوتًا للعقل والحكمة ولمّ الشمل، وإما أن يتحول إلى أداة لتبرير الانقسام وإشعال الصراع. وهنا يظهر الفرق بين مثقفٍ يحمل رسالة، وآخر يبيع قلمه لمن يدفع أكثر.
إن الأمم لا تنهض بالسلاح وحده، ولا بالاقتصاد وحده، بل تنهض بالعقول التي تصنع الوعي، وبالأقلام التي تدافع عن الحقيقة، وبالضمائر التي ترفض المساومة على مصالح الوطن. وأي مشروع نهضوي لن ينجح ما لم تتشكل نخبة فكرية مستقلة، قادرة على قيادة التغيير التاريخي وتنظيمه.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: هل المثقف هو من يصنع الوعي الذي يحقق السلام والوحدة والانسجام، أم هو من ينتج ثقافةً تزيد المجتمع انقسامًا وضياعًا وتجهيلًا؟



