الجمعة 4 سبتمبر 2026

هل تحتاج الشعوب إلى أعداء؟

ظلَّ العدو حاضرًا في التاريخ السياسي بوصفه طرفًا في الصراع، ومصدرًا للخطر، وأحيانًا وسيلةً لتعبئة الجماهير وتوحيدها. غير أن تحويله إلى حاجة دائمة يفتح سؤالًا أكثر عمقًا: هل تحتاج الشعوب فعلًا إلى أعداء كي تحافظ على وحدتها وتماسكها؟

فالسياسة لا تقوم على الصراع وحده، وإنما على إدارة المصالح المتعارضة، وتنظيم الاختلاف، والبحث عن مساحات التوافق. وقد يؤدي وجود خصم حقيقي إلى تعزيز الشعور بالخطر المشترك، ودفع المجتمع إلى مزيد من التقارب والتماسك. وهنا يكون العدو واقعًا سياسيًا ينبغي التعامل معه بوعي وحساب، لا مادةً لصناعة الخوف.
المشكلة تبدأ عندما يصبح وجود العدو حاجة سياسية مستمرة، وعندما يتحول الخطر من واقعة تحتاج إلى معالجة إلى خطاب يُعاد إنتاجه باستمرار. عندها لا يعود السؤال: كيف نواجه التهديد؟ بل يصبح: كيف نحافظ على صورة التهديد حيّة في وعي الناس؟
وهنا تظهر إحدى أخطر أدوات السلطة: صناعة العدو.
قد يكون العدو خارجيًا أو داخليًا، وقد يكون حقيقيًا ثم يجري تضخيمه، أو خطرًا محدودًا يُقدَّم بوصفه تهديدًا وجوديًا. وفي جميع هذه الحالات يستطيع الخطاب السياسي والإعلامي التأثير في طريقة إدراك الجمهور للواقع؛ فحين تتكرر الرسالة نفسها، وتُربط المخاوف بشخص أو جماعة أو دولة، يمكن أن تتحول الصورة الذهنية إلى قناعة راسخة، حتى لدى من لم يختبر الخطر بنفسه.
والأخطر من ذلك أن المجتمع قد يبدأ في النظر إلى الاختلاف باعتباره عداءً، وإلى المعارضة باعتبارها خيانة، وإلى النقد باعتباره تهديدًا، وإلى الخصومة السياسية باعتبارها معركة وجود. وعندما تصل الأمور إلى هذه المرحلة، تضيق مساحة الحوار، ويصبح الاختلاف سببًا للانقسام بدل أن يكون وسيلة لتصحيح السياسات وتطوير المجتمع.
لقد أثبت التاريخ أن الخوف قادر على حشد الجماهير بسرعة كبيرة؛ فالإنسان عندما يشعر بالخطر يبحث عن الأمان، وقد يتنازل في لحظات الخوف عن جزء من حريته أو حقوقه أو قدرته على السؤال مقابل شعوره بالحماية. ولهذا يمكن أن يتحول الخوف، إذا أُدير سياسيًا بطريقة غير مسؤولة، إلى وسيلة للتأثير في الجمهور وتوجيه مواقفه.
لكن المجتمع الواعي لا يسأل فقط: من عدونا؟ بل يسأل أيضًا: من يحدد لنا هذا العدو؟ وعلى أي أساس؟ وما الأدلة؟ ومن المستفيد من تضخيمه؟ وهل الخطر حقيقي، أم جرى تحويله إلى وسيلة للتعبئة؟
هذه الأسئلة ضرورية لحماية الوعي العام من التلاعب، وكشف الفارق بين الخطر الحقيقي والتهديد الذي يُصنع أو يُضخَّم لخدمة أهداف سياسية.
ولا يعني ذلك إنكار وجود أعداء حقيقيين أو تهديدات فعلية. فالدول والمجتمعات قد تواجه أخطارًا أمنية وسياسية واقتصادية حقيقية، وقد تحتاج إلى وسائل مشروعة لحماية مصالحها وأمنها. لكن التعامل الرشيد مع الخطر يبدأ بتحديده بدقة، وقياس حجمه، ومعرفة أسبابه، واختيار الوسائل المناسبة لمواجهته، بدل تحويله إلى حالة خوف دائمة.
وفي الداخل، تزداد الخطورة عندما يُستخدم «العدو» لإلغاء التعدد السياسي والاجتماعي. فالوطن الذي يضم آراءً واتجاهات ومصالح مختلفة لا يحتاج إلى القضاء على الاختلاف، بل يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تنظيمه. والمنافس السياسي ليس بالضرورة عدوًا، والناقد ليس بالضرورة خصمًا، والمعارض ليس بالضرورة خطرًا على الوطن.
إن تحويل كل مختلف إلى عدو يقتل السياسة قبل أن يقتل الخصومة؛ لأن السياسة في جوهرها مساحة للتنافس والتفاوض والتسوية، بينما العداء المطلق لا يترك مجالًا إلا للإقصاء والمواجهة.
كما أن الإعلام يتحمل مسؤولية كبيرة في هذه المسألة. فالكلمة قد تكشف الخطر، لكنها قد تصنعه أيضًا في وعي الجمهور إذا انفصلت عن الدقة والموضوعية. والصورة قد تنقل الحقيقة، لكنها قد تتحول إلى أداة لتوجيه المشاعر عندما تُنتقى وتُعرض بطريقة تخدم رواية واحدة. ولذلك فإن الإعلام المسؤول لا يكتفي بإثارة السؤال، بل يساعد الجمهور على فهمه، ولا يكتفي بعرض الخصومة، بل يكشف جذورها ومصالح أطرافها ونتائجها.
والمجتمعات التي تُربّي أبناءها على التفكير والسؤال والتحقق لا يسهل دفعها إلى كراهية الآخر أو قبول صورة جاهزة عنه. أما المجتمع الذي يُحرم من المعرفة ويُغرق في الخوف والشائعات، فيصبح أكثر قابلية لتصديق الروايات التي تقدم له عدوًا جاهزًا لكل أزمة.
لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست دائمًا مع العدو الذي يُشار إليه بالإصبع، بل قد تكون مع الجهل الذي يمنع الإنسان من التحقق، والخوف الذي يمنعه من السؤال، والدعاية التي تمنعه من رؤية الصورة كاملة.
الأوطان لا تصبح أقوى بكثرة أعدائها، وإنما بقوة مؤسساتها، ووعي شعوبها، وعدالة قوانينها، وقدرتها على إدارة خلافاتها دون تحويلها إلى حروب. والقوة السياسية الحقيقية ليست في إبقاء الناس خائفين من عدو لا ينتهي، بل في منحهم ما يكفي من الوعي لكي يميزوا بين الخطر الحقيقي والعدو المصنوع.
فحين يصبح العدو ضرورة لبقاء الخطاب السياسي، يتحول الصراع من وسيلة لمعالجة مشكلة إلى غاية تستمر من أجلها المشكلة. وحين يدرك الناس ذلك، تبدأ الأسئلة الأصعب:
هل نحارب عدوًا حقيقيًا، أم نحارب صورة صُنعت لنا عنه؟
إن المجتمع الذي يمتلك القدرة على طرح هذا السؤال يمتلك بداية الطريق نحو وعي سياسي أكثر نضجًا؛ وعيٍ لا يُقاد بالخوف، ولا يُستدرج إلى الخصومة لمجرد الاختلاف، ولا يمنح أحدًا حق صناعة أعدائه نيابةً عنه.
فالشعوب لا تحتاج إلى أعداء كي تتماسك؛ إنها تحتاج إلى وعيٍ يحمي وحدتها، وعدالةٍ تنظم اختلافها، وإرادةٍ تجعل الخلاف وسيلةً للبناء لا ذريعةً للصراع.