الأجنبية تخاف على اليمني… واليمنية تبحث عن خريطة الحرب!

في مشهد سياسي يختصر مأساة اليمن كلها، جلست امرأتان أمام الكونغرس الأمريكي تتحدثان عن اليمن: أليسون ماينر الأمريكية، وندوى الدوسري اليمنية.
والمفارقة، أن الأجنبية بدت وكأنها تسأل: كيف ننقذ اليمنيين؟ بينما بدا الخطاب الآخر وكأنه يسأل: كيف نكسب الجولة القادمة من الحرب؟
هذه ليست مسألة جنسية أو وطنية، ولا مزايدة على أحد، بل مقارنة بين رؤيتين سياسيتين خرجتا في جلسة واحدة أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي يوم 1 سبتمبر 2026.
ماينر قالت، بوضوح يستحق أن يُعلّق على أبواب كل عواصم الحرب: القصف لم ينهِ قدرات الحوثيين، والضربات الأمريكية والإسرائيلية لم تغيّر استراتيجيتهم، وكلما تعرضوا للهجوم استثمروا ذلك في التجنيد وحشد الأنصار. ودعت إلى تسوية تفاوضية قابلة للحياة تعالج أزمة الحكم والجذور التي غذّت الصراع لأكثر من عقد.
أما ندوى الدوسري، فقد اتفقت معها في نقطة أساسية: الضربات الجوية وحدها لا تكفي. لكنها ذهبت إلى وصفة مختلفة: دعم الحكومة اليمنية عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، وتدريب الشركاء، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والأهم بالنسبة لها: استعادة الأراضي من الحوثيين باعتبار الأرض مصدر النفوذ الحقيقي.
وهنا يبدأ السؤال الذي يخشاه الجميع:
ألم نجرب الحرب أصلًا؟
جرّبنا القصف.
جرّبنا التحالف.
جرّبنا العقوبات.
جرّبنا الحصار.
جرّبنا الضربات الأمريكية.
وجرّبنا الضربات الإسرائيلية.
ثم استيقظ اليمني بعد أكثر من عقد ليجد نفسه في نفس المكان، لكن بعدد أكبر من المقابر، ومدن أكثر خرابًا، وأطفال أكثر جوعًا، وقيادات أكثر سمنة في فنادق الخارج!
المشكلة ليست في أن ندوى الدوسري تريد مواجهة الحوثيين، فالحوثيون طرف مسلح يفرض واقعًا بالقوة، وانتقادهم ضرورة. لكن المشكلة أن اليمن ليس لوحة ألعاب استراتيجية يمكن تحريك جنودها من واشنطن والرياض وأبوظبي ثم انتظار النتيجة.
كل حرب تبدأ تحت شعار «الحسم»، تنتهي في اليمن تحت شعار: اجتماع لمناقشة مستجدات الاجتماع السابق!
وهنا تبدو أليسون ماينر أكثر واقعية، لا لأنها تعرف اليمن أكثر من اليمنيين، بل لأنها تحدثت عن حقيقة أثبتتها السنوات: لا يمكنك قصف فكرة حتى الموت، ولا تستطيع إنهاء جماعة مسلحة بالطائرات وحدها إذا كانت الحرب نفسها تمنحها الوقود السياسي والبشري للتجدد.
أما نحن اليمنيين، فلدينا موهبة وطنية عجيبة:
كلما فشلت الحرب قلنا: نحتاج حربًا أفضل!
وكلما فشل القصف قلنا: نحتاج قنابل أكثر!
وكلما توسعت الكارثة شكلنا لجنة!
وكلما مات الناس عقدنا مؤتمرًا!
ثم يخرج المواطن من تحت الركام ليسأل:
طيب… وأنا؟ متى أستعيد حياتي؟
الخاتمة:
ربما كانت أكبر مفارقة في جلسة الكونغرس أن امرأة ليست يمنية تحدثت عن ضرورة كسر دائرة الحرب، بينما يمنيون ما زالوا يناقشون أفضل طريقة لإدارة جولة جديدة منها.
اليمن لا يحتاج مزيدًا من الجيوش التي تأتي لإنقاذه فتزيده غرقًا، ولا مزيدًا من الطائرات التي تقصفه باسم حمايته، ولا مزيدًا من السياسيين الذين يرسمون خرائط المعارك من خلف الزجاج المضاد للرصاص.
اليمن يحتاج مشروعًا ينقذ الإنسان قبل الأرض، والمواطن قبل الميناء، والحياة قبل النفوذ.
لأن الأرض التي تستعاد بالدبابات ثم يُترك أهلها للجوع…
ليست دولة.
والحرب التي تستمر عشر سنوات ثم يقال لنا إن الحل هو عشر سنوات أخرى…
ليست استراتيجية.
إنها ببساطة:
إعادة تشغيل للفشل… لكن هذه المرة بجثث يمنية جديدة!



