اليمن بين الشيخوخة وجيل فقد الوجهة
لقد بات اليمن عاجزًا عن أن يجد لنفسه مكانًا في خارطة العالم الحديث، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وما هو قائم فيه اليوم ليس سوى رؤية شاخت، وأصبحت تمشي على عكازين، عاجزة عن الوصول إلى مسافة أبعد.
ساستنا ما زالوا كما هم؛ تتبدل مناصبهم من وزارة إلى أخرى، ومن موقع إلى آخر، دون أن يتمكنوا من صناعة حضور حقيقي لليمن المعاصر، أو تقديم مشروع قادر على إخراجه من أزماته المتراكمة.
وفي الوقت نفسه، تعيش الأحزاب السياسية حالة من التآكل والصراع الداخلي. بعض الأحزاب فقد أهميته، وبعضها اختفى، وبعضها تلاشى، بينما تبدلت هويات بعضها الآخر بصورة مثيرة؛ من علماني إلى متدين متشدد، ومن متدين متشدد إلى ليبرالي، ومن ليبرالي إلى براغماتي. وهذه التحولات، في غياب مشروع واضح، لا يمكن أن تكون أساسًا لبناء دولة مستقرة وحديثة.
وللأسف الشديد، فإن جزءًا كبيرًا من الجيل القديم من السياسيين أصبح متهالكًا فكريًا وجسديًا ومعنويًا، ولم يعد قادرًا على اتخاذ القرار أو إنتاج رؤية جديدة. ظلت صناعة القرار تدور داخل دوائر مغلقة من المشاورات، بينما غاب جيل كان يمكن أن يكون قادرًا على الإمساك بزمام المرحلة، كما يحدث في الدول التي تمتلك مشروعًا وتريد أن يكون لها شأن في العالم.
هذا الجيل الجديد لم يُمنح الفرصة الكافية. فقد نشأ قرابة ثلاثة عقود وأكثر في حالة من التيه والتوهان، وسط ضعف التعليم، وتراجع فرص المشاركة، والاستبعاد من كثير من الأنشطة السياسية والثقافية والعامة. وما يظهر اليوم في المشهد العام من ناشطين وإعلاميين ومهتمين بالشأن العام لا يتجاوز في كثير من الأحيان قلة محدودة؛ بعضهم يقلد الآخر بحثًا عن الظهور، وبعضهم لا يستطيع إيصال رسالته أو فرض حضوره لأنه يدور في حلقة مفرغة.
اليمن اليوم بحاجة إلى إعادة تأسيس حقيقية لكوادره السياسية، على أساس الحنكة والمهارة والمهنية، وإلى إعادة بناء مفهوم الإدارة وصناعة القرار. ولا ضير في أن تستفيد اليمن من بعض التجارب والمعايير والمفاهيم الإدارية والسياسية في دول أخرى، سواء كانت غربية أو آسيوية، ما دامت ستُوظف بما يتناسب مع خصوصية اليمن وحاجاته.
نحن بحاجة إلى شكل جديد للإدارة، يسمح بقدر أكبر من المهنية والاستقلالية، بحيث تعرف كل مؤسسة مسؤولياتها، وتستطيع كل إدارة أن تقوم بعملها، وأن يتحرك البلد ضمن مسار نظامي وقانوني يعيد جمع هذا الشتات، ويعيد الروح إلى جسد الدولة.
لقد طال أمد الصراع، وما زال اليمن يدفع ثمنًا باهظًا، فيما لم يظهر حتى الآن تدخل إيجابي قادر على إنهاء هذه المعضلة. وهنا تبرز مسؤولية دول الجوار، التي كان ينبغي عليها أن تنظر إلى اليمن بوصفه جزءًا أصيلًا من تاريخ هذه المنطقة وحاضرها ومستقبلها؛ فهو جزء منها تاريخيًا، وجزء منها اجتماعيًا وإنسانيًا، وما يحدث فيه لا يمكن أن يبقى معزولًا عن محيطه.
ومن خلال ما رأيت وسمعت وقرأت ولمست عن قرب، يبدو أن هناك من يريد إعادة تشكيل الأحزاب وتغيير مفاهيمها وإعادتها إلى الواقع، لكن بعض هذه المحاولات لا يخلو من غرض سياسي مباشر. وفي المقابل، فإن بعض القيادات القديمة داخل هذه الأحزاب ترفض هذا التغيير، أو تنظر إليه باعتباره مدخلًا إلى صراع وإشكالية سياسية جديدة.
المشكلة ليست في التغيير ذاته، وإنما في غياب قراءة حقيقية للمرحلة. فاليمن بحاجة إلى أن تقرأ مستجداتها بوعي، وأن تعيد النظر في برامجها وأدواتها ومفاهيمها، وأن تدرك أن ما كان صالحًا بالأمس قد لا يكون صالحًا اليوم.
إن إعادة بناء اليمن لا تبدأ فقط من تغيير الأشخاص، وإنما من تغيير طريقة التفكير، وإعادة تأسيس الحياة السياسية على أساس الكفاءة، وتجديد النخب، وإتاحة المجال أمام جيل جديد يمتلك القدرة على التفكير وصناعة القرار وإدارة الدولة، بدل أن يبقى اليمن أسيرًا بيد زمن تائه..



