الخميس 3 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • أبكار السقاف.. العقل الذي مشى وحيداً

أبكار السقاف.. العقل الذي مشى وحيداً

امرأة في منتصف القرن الماضي تكتب عن العقل والإنسان والحرية. حضور هادئ في الكتابة، يتحول إلى صفعة على خد مشهد ثقافي يجيد الغفلة. دخلت المعبد ففتحت النوافذ، وأطفأت المصابيح القديمة، ثم ذهبت إلى الفكرة تهزها حتى تعترف بإنهاكها.

هكذا تظهر أبكار السقاف في صورتها الأولى. تدفعك قراءة سيرتها لمحاولة فهم كيف تجرأت امرأة على التصرف، كأن المجتمع لم يوزع بعد لائحة الأسئلة المسموح للنساء بطرحها. وُلدت في القاهرة عام 1913، لأب يمني-حضرمي مهاجر وأم تركية-مصرية، ونشأت في بيت أرستقراطي أتاح لها من التعليم ما جعلها تقف بين التقليديين والمجددين، وتتوجه إليهما بالسؤال نفسه: لديّ سؤال!!.
عاشت أبكار في زمن كان المشي في حقل الأديان المقارنة، يشبه المشي في حقل الغام، ومع ذلك مشت. أتقنت العربية والإنجليزية والفرنسية، ففتحت لنفسها أبواب التاريخ والأديان والفلسفة، وأعادت تركيب ما تقرؤه، وسرعان ما تجاوزت صورة القارئة النهمة. كانت ظاهرة قراءة تمشي بين الناس. قرأت في الأدب والسياسة والفلسفة، ثم كتب التاريخ الديني وموروثات مصر القديمة وبلاد الرافدين والصين. كأنها كانت تستعد لمناظرة مع الحضارة كلها.
انشغلت بتأليف كتب عن الأديان، وتركت للقارئ مهمة البحث عن خلاصه. اقتربت من النصوص الجامدة لتفتح فيها احتمالات جديدة، وطرحت الأسئلة الصعبة بطريقة تستفز عقل القارئ، وتدفعه إلى مواجهة مفارقات ربما لم تخطر له من قبل. في سطورها تهكم رقيق يهز جذور القداسة الموروثة. كانت تحلل الأساطير وتفكك الطقوس، بمهارة تظهر احتراماً عميقاً للعقل البشري وقدرته على التفكير الحر.
مؤلفات أبكار السقاف
مؤلفات ابكار السقاف
كل كتاب لها يحمل رؤية فلسفية، يقف فيها العقل ليبتسم ساخراً ممن يحوّل الإيمان إلى تكرار وطقوس عمياء. كانت ترى أن حرية التفكير تبدأ حين يسقط وهم المعرفة المطلقة، وأن امرأة مفكرة تستطيع، في مجتمع اعتاد ندرتها، أن تزعزع يقيناً واسعاً بابتسامة هادئة.
عندما كتبت "نحو آفاق أوسع - المراحل التطورية للإنسان" لم يكن همها ابتكار نظرية جديدة، بقدر ما كان توجيه نقد إلى مخيال عربي يخشى السؤال أكثر مما يخشى الجهل. في ثلاثة أجزاء ترسم رحلة الإنسان من الحيوان إلى الوعي، في وقت كان بعض المعترضين يرون أن الانتقال من الجهل إلى السؤال هو الخطر الحقيقي. نشرت مكتبة الأنجلو الجزءين الأول والثاني، ثم جاء الرقيب مرتبكاً من الأبجدية فصادر النسخ، كما لو أنه ضبط محاولة لتهريب عقل. احتاجت الفكرة نصف قرن كي تعود إلى النشر عام 2004؛ وكأن التطور نفسه انتظر خمسين عاماً ليُسمح له بالتنفس.
في "الدين في شبه الجزيرة العربية" أجرت جراحة معرفية بلا مخدر. قرأت الديانات الجاهلية بعيداً عن الانفعال. قرأتها كظاهرة إنسانية تستحق الفهم. وكان هذا كافياً لإزعاج من يصرّ على قراءة الماضي بورقة توبة أو بورقة إدانة، كأن التاريخ نفسه ترف لا ينبغي الاقتراب منه.
ثم جاءت مغامرتها "إسرائيل وعقيدة الأرض الموعودة" عام 1965. كتبت بجرأة معرفية تخفض حرارة الحماسة، وتستفز أعصاب المتوترين من دون أن تستعير لغة الخطب والشعارات. حاولت تفكيك الفكرة الصهيونية من جذورها النصية والرمزية، بينما كان رفع الصوت، عند آخرين، يبدو أسهل من رفع وعي القارئ. أعادت مكتبة مدبولي نشر الكتاب عام 1997، بعد ثلاثة عقود تقريباً من صدوره الأول، وكأن الوعي احتاج كل تلك العقود، ليستعد لقراءة كتاب كتبته امرأة بلا مكبرات صوت.
وفي "الحلاج" 1996 نسجت صلة بين الصوفية والفلسفة والتاريخ والعقل البشري. قرأت الحلاج قراءة وجودية، وابتعدت عن الأحكام الجاهزة التي ترفعه إلى مقام التقديس أو تدفع به إلى دائرة الهجوم الانفعالي. فتحت قصته كما يُفتح صندوق أسئلة قديمة، بحذر وفضول. فالحقيقة كانت في الطريقة التي قرأ بها الناس الحلاج، وليست في الرجل نفسه.
عندما نطالع قوائم مخطوطاتها غير المنشورة، ندرك أن الثقافة العربية لا تزال تمارس هوايتها بحجز الكتب في الأدراج. مخطوطات عن النبي محمد، والمسيح، وموسى، والسهروردي، و"مقدمة اللغات"، وديوان "الليل والقلم"، وكتاب "همسة في أذن إسرائيل" بالإنجليزية. بقيت جميعها في المنطقة الأكثر أماناً. بقيت في الظل.
أما سيرتها "أصداء متفرقة" فهذه حكاية أخرى. كُتبت عام 1962 ثم اختفت لعقود، ربما لأن العالم يضيق بامرأة تعرف ما تقول. ظهرت عام 2001 بمقدمة مهدي مصطفى، الذي وصف مشروعها بأنه ينتمي إلى مدرسة البناء من الداخل. أسئلة توضع تحت الأرض وتُترك لتتخمر، إلى أن تهز البنية من حيث لا يسمع أحد صوت الانفجار.
لم تكن أبكار السقاف مفكرة بالمعنى الأكاديمي. أسئلتها كانت أسبق من الألقاب والتصنيفات. جلست إلى كرسيها وقرأت التاريخ، وفككت ما أمامها ثم أعادت تركيبه، من دون أن تفقد اتزانها. قوة هادئة لكنها قادرة على زلزلة يقين ألف شيخ في مقالة واحدة.
أبكار السقاف وعباس العقاد
أبكار السقاف وعباس العقاد
عرفت أن أخطر ما في العقل العربي استقالته. كتبت ضد التبجيل الأعمى، وقمع الإرادة باسم المقدس، وواجهت الصور التي تحاصر المرأة بين تعريفات جاهزة. وأعلنت أن الحرية شرط للحياة الفكرية، وأن الإنسان الذي يخاف السؤال، يعيش في سجن حتى لو كانت قضبانه من ذهب.
صنع خصومها ضوضاء حول الأسئلة، كي يبقى صوت الإجابة بعيداً. فبينما كانوا يحرسون الماضي، كانت أبكار السقاف منشغلة بحراسة الإنسان من استسلامه لنفسه. امتلكت رفاهية الشك وشجاعة السؤال ومهارة استخدام اللغة، من دون أن تساوم على الحقيقة. وكانت الدليل على أن أخطر الثورات، قد تبدأ في رأس امرأة قررت فتح نافذة لم يمنحها أحد إذناً بفتحها. كتبت لأن العقل عندها وظيفة، ولأن الحرية شرط للحياة الفكرية. والمجتمع الذي يرتبك من نافذة واحدة، يحتاج ضوءاً أوسع لا أبواباً أكثر.