عبدالله البردوني: طفرة الزمان من كوكب المعاناة إلى متنبي العصر الحديث

تمر بنا الذكرى السابعة والعشرون لوفاة المؤرخ والأديب، طفرة الزمان الذي قل أن يجود بمثله، شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني. فمن الصعب على كاتب في بداية مشواره العلمي أن يكتب عن قامة أدبية سجلت حضوراً طاغياً، ليس على مستوى اليمن فحسب، بل حلّق شاعرنا في سماء الإبداع العربي بثوب متنبي العصر، فكان نجماً ساطعاً مشعاً وإضافة نوعية في عالم الأدب العربي، الذي تربع على عرشه منفرداً بجمله ونثره وقوافيه ومدلولاته الشعرية العميقة، التي عبرت عن الواقع العربي تارة، وعن أحوال اليمن ومعاناته وآهاته تارة أخرى.
لقد كان أديباً ومؤرخاً وثائراً مستنيراً، جعلته فطرته يذهب بعيداً في عالم الإبداع، صنع اللحظة وطار في فضاء الحرف والكلمة، ومنها أوجد ذاته بكل عنفوان، رغم قدومه من كوكب المعاناة والألم ومرارة العيش، فاختصر شكله الخارجي متاعب الحياة، وبعثت حروفه الروح في جسد الأمة الذي كاد أن يذبل.
والسؤال الجديد الغريب هنا: من أين جاء عبدالله البردوني بكل هذا التجلي العظيم في الأدب والفكر والتاريخ واللغة والفلسفة، على الرغم من كونه شاعراً كفيفاً؟
إن إمعان النظر في حياة الأديب عبدالله البردوني، نجد أنه طفرة مختلفة حلقت منفردة في سماء اليمن. فالرجل لم يأتِ مشبعاً بالعلم والمعرفة التي تلقاها في جامعة يمنية مرموقة، فمثل ذلك لم يكن موجوداً في اليمن قاطبة، وهنا تأتي تجليات الطفرة، لأن خلفية الرجل جاءت من تعليم ديني بسيط، لكنه لم يمنعه من أن يكون الشاعر والمفكر والناقد والفيلسوف والمؤرخ النهم.
لم يكن الأدب الميدان الوحيد لعبدالله البردوني، بل كانت له مساهمة فاعلة في كتابة تاريخ اليمن بصورة محايدة وموضوعية. وأجمل ما في كتاباته أنه على الرغم من دوره كثائر مناهض للحكم الإمامي، إلا أنه أنكر ذاته في كتاباته رغم ما تعرض له من سجون وغيرها، وهنا تكمن المفارقة الجميلة في شخصيته، على عكس ما نجده في كتابات المذكرات التي يدونها بعض الطارئين على الأحداث الذين يزيفون أدواراً لم يقوموا بها. في حين نجد البردوني المؤرخ الحصيف الذي أنكر ذاته في رصد وتوصيف الأحداث ونقدها وتحليلها التي شهدها وعاصرها، فكان يرى بقلمه ما لم تره عيناه، ويهتدي بشعوره ليرى "الشهب الخوافي" بين النجوم التي لم يرها قط.
إن الشيء الجميل والمضحك المبكي في شخصية عبدالله البردوني أنه كان قارئاً نهماً للمشهد اليمني طوال حياته، وبعد مماته أيضاً، فهناك العديد من كتاباته التي تركها لنا وفيها استشراف للمستقبل. فكانت جل كتاباته، سواء الأدبية أو الشعرية أو حلقاته الإذاعية التي خطها بقلمه مثل "مجلة الفكر والأدب" التي تعد موسوعة زاخرة بالأفكار المرصعة بزخارف الفكر والفلسفة، والمتنوعة في مختلف جوانب الحياة بين ثقافة وسياسة ومفاهيم اجتماعية متنوعة، طرحها على هيئة موضوعات جزلة الكلام واللغة، بصورة تجعل القارئ يحتاج إلى حديقة من المعاجم لترجمة ما جادت به قريحته ذات يوم.
وفي ختام الحديث، مهما قيل في شخصية الأديب الكبير الأستاذ عبدالله البردوني، أجد أنه لم يبلغ مرحلة الإجادة الوافية والضافية، لأننا ببساطة مجرد عابرين أمام شخصيته الكبيرة، فرحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار



