دفعة النقع وأكثر من سيرة ذاتية «شَآم أنت المجد لم يغب» (2-2)

في «الفصل السَّادس»، يتناول الطَّالِب صالح أبو بكر الرِّحلَة إلى دمشق، والتحاقه بالجامعة. وعلى مَضَض التحقَ بِكلِّيَّة التِّجَارة؛ ليتحول إلى الآداب؛ قسم الدِّرَاسات الفَلسَفِيَّة والاجتماعية، وَيُدوِّن وضع الجامعة، وزملاءه اليمنيين، والدكاترة، بقدر من الحُبِّ، والإنصاف، والثَّنَاء العاطر على أساتذته؛ مُشيدًا بحراك إحياء العقلانية في الفكر العربي الإسلامي الوسيط.
ويداوم على زيارة المكتبات؛ مكتبة دمشق؛ مُحبِّذًا الانفتاح على الفكر عكس (الحزب القائد)، وسينما الكندي، والمقاهي. والمقاهي في دمشق منتديات حقيقية.
يقدم المُفَكِّر الماركسي إلياس مرقص نَقدًا مَريرًا للعقلانية العربية. ويدرس بذهنية نقدية أوضاع ما قبل حرب 1967، وما بعدها، ويلاحظ التغيرات التي طرأت على الأوضاع.
ولم يعرفوا عن قيام الحرب إلا من خلال إذاعة دمشق، وانضمامهم في صفوف المقاومة كأعضاء حزب.
ويتحدث بأسى شديد عن الهزيمة الدبلوماسية والعسكرية، ويتناول انقلاب 23 شباط 1966 ضِدَّ يمين الحزب؛ كما قيل حينها.
ويأتي بالتَّفصيل على قيام «الاتحاد العام لطلبة اليمن»، والخلاف بين الحكومة الأردنية، والمنظمات الفلسطينية، وخروج المقاومة من الأردن، وَشَيئًا من شعبوية نايف حواتمة.
ويفصل المهمة التي كلفه بها الزعيم علي عقيل بن يحيى، عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، ورحلته المضنية، والتقائه برفيقه أحمد قائد الصايدي، وتسليمه رسالة القيادة القومية، وَالرَّد عليها.
ويتناول لقاء القاهرة؛ لتوحيد الحركة الطلابية، وتصاعد دعوات التَّوحيد، منذ العام 1969.
يأتي على تناول بداية التَّفكير في تغيير المسار، بعد أن ضاق ذَرعًا بالكثير من التَّصرُّفَات في الحياة الحِزبية.
ويورد قصة اقتراح أحد القياديين العرب تعيين حافظ الأسد في وزارة التموين، بدلًا من الدِّفَاع. وقد نسب الاقتراح لعلي عقيل. والاقتراح محاولة لحل الأزمة داخل الحزب.
وينفتح على ازدهار الثقافة حينها في دمشق، ونقد الدِّكتاتورية الحِزبِيَّة لدى الاتجاهات المختلفة.
وفي «الفصل السَّابع»، يتناول وقع نشيد الهجرة مع جوته، ورحلته غير المخطط لها إلى ألمانيا التي عاد إليها بعد التَّخرُّج.
ويتناول العودة إلى سوريا، والإقامة المؤقتة في العراق، والعمل مع اتحاد الشبيبة الألمانية.
ويتندر بـ«صَانُونَة الموز»؛ قصة الشَّاعر الكبير محمد سعيد جرادة الذي ذهب ليشتري الخضار، فلم يجد غير الموز الأخضر؛ فاشتراه، وطلب من عائلته طباخته «صانونة موز».
ويُقَدِّم وَصفًا دَقيقًا للحالة البائسة في عدن؛ عام 1975، ومعاناة النَّاس الشَّديدة من فقدان أهم الضروريات؛ إضافةً إلى تكميم الأفواه، ومصادرة مُجمَل الحُريَّات.
ويتناول ضيافة الماركيز: محمد حسين شعبان. والحقيقة أنَّ الدكتور الباحث والأكاديمي شديد الانتقاد لكل المظاهر السَّيئة في الحياة العامة في البلدان التي عاش فيها، ولكنه شديد الحب لِكُلِّ زملائه ومعارفه، ويتلمس لهم الأعذار في الأخطاء. ولكن حبه، وعمق ارتباطه بالماركيز شاهد عمق صداقة الزميلين.
وقد عرفت العزيز الفقيد محمد حسين شعبان، واستضافنا غير مرة. وكل أصدقائه يرون فيه ما رآه صديقه الحميم الدكتور صالح أبو بكر.
ويأتي على وظيفته في «مركز البحوث التَّربويَّة». ويكون انتسابه لفترة لحزب البعث سَببًا في منعه من الالتحاق بالتَّدريس في جامعة عدن، أو التعيين رَئيسًا لجامعة حضرموت؛ مُشيدًا بدور حسن أحمد السلامي الذي عُيِّنَ مُديرًا عَامًا لمركز البحوث التربوي. وَكَانَ حَريصًا على البعد العلمي التربوي للمركز، وَنقَّبَ عن الكوادر العلمية؛ بغضِّ النَّظر عن أيِّ اعتبار أمني، أو سياسي.
والاستبداديون والشّمولِيُّون يختلفون ويتقاتلون، وتبقى السِّمات واحدة. ففي صنعاء مُنِعَ الدكاترة الآتون من اليسار من العمل في الجامعة، وَوُضِعُوا في «مركز الدِّرَاسات والبحوث»: علي محمد زيد، ويحيى صالح، وأحمد سلطان، ومحمد المخلافي، وطاهر مجاهد الصالحي، وآخرون.
ويقرأ نزعات الصِّراع في الثَّورات؛ ابتداءً من الثَّورة البَلشَفِيَّة؛ مُرورًا بثورة 23 يوليو بمصر وأخواتها العربيات.
ويأخذ البحث عن السكن مساحة في البحث والمعاناة، وتمنعه كبرياؤه من تقديم طلب للزَّعيم سالم ربيع علي؛ رغم تشجيع رئيسه حسن أحمد السلامي.
ويشيد بدور المركز، ومعاناة كوادره؛ مِمَّا يعيق العطاء. ويشير إلى قضية في غاية الأهمية، ولم يُشِرْ إليها كثير؛ وهي لقاء الزعيمين: سالم ربيع علي، وإبراهيم الحمدي، في المؤتمر الإسلامي، عام 1977، في كوالالمبور، واتفاقهما على قضايا تتعلق بأمن البحر الأحمر، والوحدة.
كَلَّفَ الرئيس رُبَيِّع حسنَ السَّلامي، وفريقه، بإعداد كتابين عن التَّاريخ اليمني؛ يُدَرَّس في الشَّطرين في مدة لا تتجاوز العام 1977، وَشُكِّلَت لجنة؛ كما يشير.
يسمي أعضاءها من الشمال والجنوب، وَيُكَلِّف الدكتوران: صالح أبو بكر، ويوسف محمد عبدالله بالصِّياغَة، بعد عدة اجتماعات في عدن وصنعاء، وكلف صالح ويوسف بطباعة الكتابين في بيروت بعد إقرار الرئيسين؛ وطبع الكتابان.
والسؤال: أين الكتابان الآن بعد أن ضاع التَّعليم؟ واللافت أنَّ العام 1977 هو العام الذي قُتِلَ فيه الرئيسان (الكاتب).
وقد جرى اغتيال الرئيس الحمدي أثناء الطِّبَاعة وحصل الدكتور على توجيه من السفير محمد عبدالقوي في لبنان باستمرار الطِّباعَة.
يورد قصة سمجة ودالة: مدام إزرائيل، ومسيو صهيون. فقد قامت منظمة الأمم المتحدة للثَّقَافة والتربية والعلوم (اليونسكو)، بتطوير مشروع للتَّربية السُّكانِيَّة داخل وخارج المدرسة، وَطُرِحَ المشروع على جمهورية اليمن الدِّيمقراطية الشَّعبية.
بعثت المنظمة بأحد خبرائها، وكان الدكتور صالح النظير. اضطر الدكتور الورديني؛ الخبير الأممي إلى إجراء مكالمة إلى مقر اليونسكو في باريس من الهاتف الأرضي، وطلب الموظفة؛ واسمها: مدام إزرائيل، وطلب منها التَّوَاصُل مع السيد صهيون في دمشق؛ وهو سوري. فما كان من النَّائِب عند سماع الاسمين: إزرائيل، وصهيون، إلا أن صاح بلهجة لحجية: «شوذا الخبر يا صالح؟ مشي يقع يا خواني نِتَّصِل مع إسرائيل، والصّهيونية، من اليمن الديمقراطية. لا تحنبوا لنا! والله شعوني بابَطِّلْ أبوه المشروع حقكم».
قَامَ الدكتور الورديني بالاعتذار للنَّائب، وأوضح له أنَّ إزرائيل اسم موظفة فرنسية في اليونسكو، وصهيون مواطن سوري مسلم يعمل في اليونسكو في دمشق.
كارثة 13 يناير 1986
ينقل عن علي عقيل بن يحيى على لسان صديق له: إنها صراع فِيَلَة، وَأنَّ الضَّحية هو الشَّعب، وأنَّ انتهاج العلم أساس، والابتعاد عن صنع القرار بالموقوذة، والنَّطيحة، والمتردِّيَة، وَأنَّهُ صراع أجنحة تفرزها مراحل، وأنَّ نسبة الوعي متدنية في صَفِّ المسؤولين؛ ناهيك عن المحكومين، وتتجرع البلد خلافاتهم.
تتفجر الأحداث، والدكتور وعائلته في ألمانيا. ويعرب عن الحزن الشديد لاعتقال الوزير حسن السَّلامي. ويصف نزوج «الزَّمرة» إلى الشَّمَال، وبروز مآسي 13 يناير؛ ومنها سرقة سيارته.
ويصف الثالث عشر من يناير بنهاية حكم اليسار. ويُوصِّف بِدقَّة محنة المدنيين في عدن، وحضرموت، وقصة فواز طرابلسي، وعبدالله الأشطل؛ وهما يمتحان من بئر واحدة، واستطاعا التَّجَاوُز.
ويحيل الدكتور إلى كتابه: «كلام عن المكلا وأهلها». ويتناول عودته للعمل في صندوق الأمم المتحدة للسكان؛ مُنتقدًا عزوف الاتجاهات اليسارية عن العمل في هذه المنظمات.
ويقف مطولًا عند جماعات الرأي من المهنيين والمثقفين؛ مُشيدًا بدورهم. ويعود مُجدَّدًا إلى لوبي الماركيز (توأمه الرُّوحي): محمد حسين شمسان، ولوبي «حافون».
ويكتب عن المفكر القومي علي عقيل بن يحيى تحت عنوان «الاختلاف الذي لا يفسد الود، والمعارضة بالفكر»؛ متناولًا سيرة أستاذه الجليل، وأستاذ من أساتذة الاتجاه القومي، والذي قَبِلَ بأدنى المناصب؛ نائب مدير عام مركز البحوث والدِّرَاسات اليمنية بعدن.
ويتناول عمله لمدة ربع قرن في هيئة الأمم المتحدة. وَيُقدِّم قراءة نقدية زاكية للوحدة، ومفهوم الوحدة التي لا تعني بحال استعادة شمر يهرعش، أو المكرب آل وتر، ولا حتى السيدة أروى بنت أحمد الصليحي.
وينتقد غياب التَّفكير العلمي، واستقلال الرأي في الشُّؤون الحياتية. ويعتبر الدكتور أنموذج مستعمرة عدن أكبر دافع للدعوة للوحدة.
ويدرس المراحل المختلفة التي مَرَّ بها الأنموذج «عدن للعدنيين»، والجنوب العربي، ونشأة الأحزاب القَوميَّة: البعث، وحركة القوميين العرب، والنَّاصريين؛ مُؤكدًا أنّ شيخان الحبشي، وعلي عقيل هما أول بعثيين في اليمن.
ويذكر مزايدة الإمام على الجميع بالذهاب إلى الوحدة العربية. ويدرس الوحدة بين الانضواء، وَالضَّمِّ؛ مُنتقدًا الرؤية الزَّائفة «إنَّ ما تراه الطليعة هو ما يجب أن يراه الشَّعب».
ويقرأ الظُّرُوف العَربِيَّة والدَّولية التي قامت في ظلها الوحدة؛ ويتساءل: هل العِلَّة في اليمنيين، أم في الوحدة؟
ويفسر مُحِقًّا فرح النَّاس بالوحدة؛ كتعبير عن الرَّغبة في خلاص الكُلِّ ممَّا هو في نظامِهِ، وليأتِ بعده الطوفان.
وَيُعوِّل كثيرًا على مرجعية الأستاذ فواز طرابلسي. ويُذَكِّر بما كتبه الدكتور محمد علي الشهاري في صحيفة «الثَّوري»، عن نفق الوحدة، وَأنَّ ذلك تحقق باتفاق علي عبدالله صالح وعلي سالم البيض في «نفق جولد مور».
ويتناول الانتقال إلى صنعاء (المدينة المفتوحة)، وحرب الوحدة والانفصال، وقصة ترشيحه لرئاسة الوزراء.
الخاتمة؛ وهي «الفصل الحادي عشر»، من الكتاب؛ بحاجة إلى قراءة أخرى متأنية؛ فهي قَضيَّة القضايا، وقَضيَّة السَّاعة، ويقدم فيها الدكتور الباحث والحريص رؤية عميقة ومتبصرة تحتاج إلى مزيد من الكشف عن دلالتها وأبعادها.



