نصوص وهوامش حول عمل كتاب "حكايات واساطير يمنية" لعلي محمد عبده

نص (1)
كنت قد سمعت من شفةِ جدَّتي وأنا صغير عددًا لا بأس به من الحكايات الشَّعبيَّة؛ لأسمعها مرةً أخرى، بعد أربعة أعوام؛ عبر الإذاعة (إذاعة عدن 1984) من خلال عمل مُسلسل إذاعي بعنوان " حكايات وأساطير يمنيَّة". ..
في الحقيقة كنت اسمع عمل المسلسل الاذاعي يوميًا.
- ولكن -
حينما يأتي ذكر الكاتب علي محمد عبده، في مقدمة عمل المسلسل الاذاعي، اَشِب له ما يشبه عِداء السرُاق.-– لأنه أسرع إلى اِختلاسِ كتابة حكايات الجدة مني.
..
ومرَّت الأيام والأعوام، بلا تصفُّحٍ أو قراءةٍ لِكتابِ "حكايات وأساطير يمنيَّة " إلى أن جال في خاطري كتابة نص مادَّةٍ حول العمل؛ فتصفَّحت عناوين اسماء الحكايات وقرأتُ البعض منها؛ لأجد معظمها - إن لم يكن جميعها - ذات الحكايات الشَّعبيّة التي حكتها لنا جدَّتي ونحن صغار، عدا حكاية واحدة لم يتضمَّنها العمل، وكانت قد حكتها جدَّتي لنا مرَّات ومرَّات.
زِدْ على ذلك أنِّي لم أجدها مُسجَّلةً أو مدوَّنةً بالاسم نفسه أو غيره في أعمال خَصَّت أدب الحكاية الشعبية بالتسجيل والتدوين كأعمال أروى عثمان أو سواها.
..
تلك الحكاية كانت حكاية "حٌمَيْد حَيْ .. حُمَيْد مات"(حكاية منفك معناها من ثنائية الخير والشر، ومن ثنائية الحياة والموت.. وتتابع احداثها في لحظات عبثٍ ضاحك).
وهي حكاية تتشابه وتتلاقي مع أسطورة سيزيف اليوناني، وتتأتَّى مع حرص علي محمد عبده الهادف إلى إبراز الحكايات الشَّعبيّة اليمنيَّة المُتشابهة والمتوافقة مع الأدب العالمي.– كما يرد ذلك في مقدمته لعمل حكايات واساطير يمنية.
- فهل تجاهل عمل حكايات واساطير يمنيَّة تلك الحكاية؟ أو كانت حكايةً خانتها ذاكرة الكاتب بالنسيان؟.
...
أول مرَّة اسمع اسم "دون كشوت" كان أيام دراستي الجامعية، أي خلال مرحلة الشَّباب الأولى (العشرينيَّات من العمر).
لم أسمع الاسم من فَم أستاذ جامعي أو خلال محاضرة جامعيَّة، بل سمعته في جملةٍ إثر نهايةِ حوار ونقاش، جرى بين طالبين، يُشبَّه فيها أحدهما الآخر بأنَّه كدون كشوت محارب طواحين الهواء.
- صَمَتُّ حينها ولم أبدِ تعليقًا غير أنَّي قلتُ بيني وبين نفسي "وكأنَّ اسم محارب طواحين الهواء هذا قد مرَّ عليَّ من قبل"..
بعد ذلك وفي مناسبات متشابهة، تكرر وسمعت اسم " دون كشوت ".
وخلالها عرفت أنه اسم بطل قِصَّة، لكاتبٍ إسباني يسُمى "ثيرفانطيس".
..
إلى أن شبَّه صديق حديثي حول الحرب بأن فيه القليل، من حرب دون كشوت.
- حينها انفجر حديث ضاحك بيننا.
- أهو أنتَ أم أنا؟.
- ألم تقرأ رواية "دون كشوت"؟
- لا..
ألا يُشبه بطل الحكاية الشَّعبيّة اليمنيَّة "أحمد شوربان"؟.
- مُمكن ذلك؟!.
- إذا كان ذلك مُمْكِن، فأُشبه مَلِكِ اللحظة: أحمد شوربان.
..
- "أحمد شوربان": حكاية يمنية شعبية؛ وردت في عمل" حكايات واساطير يمنية" باسم "حسن سيف".
- شوربان: اسم طائر في لغات شفوية محكية في اليمن، وفي لغة الكاتب المحكية يُسمى "شارب الريح".
وهو طائر أصغر في الحجم من الحدأة، ويُحلِّق على ارتفاع منخفض وللحظةٍ يقف في الهواء وهو فاردٌ جناحيه شاربٌ للريح.
- بان: معناه الرِّيح. وهو في الاساطير الشرقية اله الريح ورب الرُّعاة والقُطعان؛ وعند اليونان هو ابن الإله مركور (إله ورسول البلاغة ولص الطرقات).
..
ولعلَّ اسم الحكاية الشَّعبيّة اليمنيَّة (أحمد شوربان) وبخاصَّة الاسم الأخير (شوربان).. مُنسَلٌ من زمنِ أدبٍ أقدم، خاصةً إذا ما أخذنا في الاعتبار ما تقوم به الحكايات الشَّعبيَّة من تَحوير وتحرير للزَّمن وللأسماء، إضافةً إلى عملها في النَّقل والدَّمج بين الثَّقافات واللغات، وكذلك بين الكتابات– حيث تبدو الحكايات الشعبية وكأنها كتابة هيروغليفية.
...
كان عبدالفتاح كليطو في كتابه "التخلي عن الأدب" قد خَلُص إلى اللاجدوى، في بحثه عن اسم صاحب المخطوطة العربية الاصلية لعمل "دون كشوت": احمد سيد الآيلي. والذي أورد اسمه ثيرفانطيس في مقدمة عمله "دون كشوت" 1605 و 1615.
حيث تبخر أمله، ولم يعثر على اسم احمد سيد الآيلى او اسم مشابه له في الادب العربي الرسمي المكتوب.
حتى أنه لم يعثر على اسم أحمد سيد الآيلي وحكايته في أدب الحكاية الشعبية المغربية، والذي اقتصر عليه بحث كليطو.
ليختم حَكْيّه حول دون كشوت وثيرفانطيس والآيلي؛ انهم متشابهون وواحد، ويأتون من كتابة أدب واحدة، من بين كتابات الأدب اللامحدودة.
أي أن هناك اثر كتابة أدب قديم، في أدب الحكاية في القرون الوسطى؛ حيث يتداخل ويتماهى فيه الراوي مع الحكاية وبطلها.
ولا يزال اثر تلك الكتابة موجود في الكتابات الأدبية المعاصرة؛ حيث يتماهى الكاتب احيانًا مع لحظة كتابة (كلمة أو جملة أو عمل كتاب) وكذلك القارئ ايضًا..
..
لكن- مع دون كشوت صارت اللحظة بلا مُلْك.. ومنفلتة وهاربة..
بل أصبحت لحظة بداية أدب الحداثة؛ أي لحظة كتابة مفارقة-– ما تفتأ بالمعاودة والمفارقة في كتابات أخرى.
فصارت لحظة عمل دون كشوت، لحظة أخرى في عمل زرادشت- لاستعادة ضحك الآلهة.
غير أن كتاب "هكذا تكلم زرادشت" لم يحظ بالتفاعل لا من الصحافة ولا من القراء؛ زمن نشره 1888.
لِيلف نيتشة منه خيبة أمل الكتابة. فأصبحت الكتابة عند نيتشة لحظة في غير اوانها..
وعند هيدجر لحظة مخفية في جملة لم يأت بعد..
وعند دولوز لحظة لغة كتابة لم نتملكها بعد..
وعند دريدا لحظة دمع كتابة وحيدة منفلتة لاستعادة صديق.
وعند المعري لحظة استعادة وديعة الصديق من الموت..
وعند التوحيدي لحظة كتابة حُرْقَة قلب طفل.
وعند سيوران صارت الكتابة- لحظات نحيب.
..
عمل جميع الكتاب متشابه- انهم مُطارِدِيّْ اللحظات؛ غير أنهم مُطارَدون من اللحظات.
لذلك الكتاب يتشابهون، والكتابات تتشابه.
ومع ذلك
كل كتابة لا تشبه سوى نفسها.



