أسباب تشرذم النخب اليمنية وتعدد ولاءاتها للخارج
يتطلب فهم تشرذم النخب اليمنية وتعدد ولاءاتها للخارج، قراءة ممتدة في البنية الهيكلية للدولة والمقومات الاجتماعية والسياسية عبر العقود الماضية.
إن هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل هي حصيلة تداخل عوامل تاريخية، واقتصادية، ومؤسسية مركبة، وتشمل أبرز العوامل التي أدت إلى هذا التشرذم والارتهان للخارج ما يلي:
1. هشاشة الهوية الوطنية وضعف الدولة الجامعة، والتي تتجلى في:
- فشل مشروع المواطنة المتساوية:
لم تتمكن الدولة اليمنية (سواء قبل الوحدة أو بعدها) من بناء مؤسسات وطنية جامعة تعلو فوق الانتماءات الضيقة، مما أبقى الولاءات الأولية (القبيلة، المنطقة، المذهب) هي الملجأ الأساسي للأفراد والنخب لحماية مصالحهم.
- البنية العصبوية للسلطة:
اعتمدت أنظمة الحكم المتعاقبة على المحاصصة والشبكات العصبوية لبسط نفوذها بدلًا من بناء دولة القانون، مما أدى إلى تحويل النخب السياسية إلى "وكلاء نفوذ" محليين يبحثون عن حلفاء خارجيين لتعزيز مواقفهم في الصراع الداخلي.
2. اقتصاد الريع والاعتماد المالي الخارجي، وتمثل ذلك في:
- غياب التنمية المستدامة:
أدّى ضعف الإنتاج المحلي والاعتماد التاريخي على المساعدات والهبات إلى تشكيل نخب قائمة على "اقتصاد الريع".
- المال السياسي:
أصبحت المساعدات والتمويلات الخارجية -سواء الموجهة للأحزاب، أو القيادات العسكرية، أو المكونات الاجتماعية- أداة رئيسية لاستقطاب وولاء هذه النخب، مما جعل البقاء السياسي للعديد منها مرتبطًا بدعم العواصم الإقليمية بدلًا من القواعد الشعبية الوطنية.
3. أزمة الأحزاب والمؤسسات السياسية، والتي تمثلت بـ:
- التكلس الفكري والشخصنة:
تعاني الأحزاب السياسية والمكونات الحديثة من غياب الديمقراطية الداخلية، وغياب رؤية وطنية جامعة لمستقبل البلاد، وارتهان قرارها لشخصيات نافذة أصبحت مصالحها الشخصية متقاطعة مع أطراف إقليمية.
- الفراغ القيادي:
أدى استنزاف القيادات التاريخية وغياب تجديد الدماء في المكونات السياسية إلى فقدان القدرة على إنتاج مبادرات وطنية مستقلة تتجاوز الاستقطابات الإقليمية.
4. الجغرافيا السياسية وتدخلات الفاعلين الإقليميين، والمتمثلة بـ:
- الموقع الإستراتيجي:
يقع اليمن في منطقة تقاطع مصالح إقليمية ودولية حيوية (باب المندب، البحر الأحمر، الجوار الخليجي)، مما جعل الشأن المحلي دائمًا عرضة للتأثيرات والتوازنات الإقليمية.
- استراتيجية "الوكالات":
اعتماد القوى الإقليمية المتنافسة على تجزئة الصراع المحلي ودعم أطراف يمنية متعددة لضمان نفوذها، وهو ما أدى بالمقابل إلى تسابق النخب اليمنية نحو البحث عن كفيل إقليمي يعزز مواقعها ميدانيًا وسياسيًا.
5. تداعيات صراع 2011 وانقسام المؤسسة العسكرية، والتي نجم عنها:
- تفكك مركز الدولة:
أسفرت أحداث عام 2011 وما تلاها من انقسام حاد في المؤسستين العسكرية والأمنية، عن فتح الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية المباشرة إلى؛
- الاستقطاب الحاد:
تحول الصراع السياسي إلى صراع مصيري على السلطة والوجود، مما دفع كل طرف إلى استدعاء الدعم الإقليمي والدولي لحسم معركته أو الحفاظ على توازنه، وصولًا إلى الوضع الحالي المتسم بوجود مراكز نفوذ متعددة ومتضاربة.
الخلاصة: إن الخروج من حالة التشرذم والارتهان هذه يتطلب بالضرورة إعادة بناء الكتلة الوطنية الواعية القائمة على رؤية جامعة، وتغليب المصلحة الوطنية العليا فوق الحسابات الفئوية والإقليمية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على قواعد المواطنة والسيادة الحرة.



