الإثنين 31 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • نريد أوروبا… ونكره ما جعل أوروبا أوروبا!

نريد أوروبا… ونكره ما جعل أوروبا أوروبا!

تنتشر صور فتيات مسلمات في أوروبا وهن يحتفلن بالتخرج، في مشهد جميل تختصر فيه الصورة أشياء كثيرة: علم، فرح، حرية، مستقبل، وفتاة تقف أمام العالم لتقول: «أنا هنا لأنني تعبت ونجحت».

لكن خلف هذه الصورة الجميلة سؤال أكثر إزعاجًا من كل التعليقات التي تقول: «ما شاء الله… أي جمال هذا؟»
لماذا نحتفل بنجاح المرأة في أوروبا، بينما لا نتوقف طويلًا أمام السؤال: لماذا لم نستطع أن نصنع لها البيئة نفسها في بلادنا؟
تخرج فتيات في اوروبا
تخرج فتيات في اوروبا
المشكلة ليست في الحجاب، ولا في كون الخريجات مسلمات، ولا في أوروبا التي فتحت لهن أبواب جامعاتها. المشكلة في المجتمعات التي تريد للمرأة أن تتعلم، بشرط ألا تفكر؛ وأن تعمل، بشرط ألا تستقل؛ وأن تنجح، بشرط ألا تتجاوز الخطوط التي رسمها لها المجتمع منذ ولادتها.
وهنا تبدأ الكوميديا السوداء.
نحن نريد جامعة أوروبية، ومستشفى أوروبيًا، وقانونًا أوروبيًا، وجواز سفر أوروبيًا، وراتبًا أوروبيًا، وحرية أوروبية… ثم نقف عند باب أوروبا ونقول لها: «لكن لا تتدخلي في شؤوننا، نحن لدينا عاداتنا وتقاليدنا!».
يا سلام!
نريد السيارة، لكن لا نريد المصنع.
نريد الهاتف، لكن لا نريد العقل الذي صنعه.
نريد الديمقراطية، لكن لا نريد مساءلة المسؤول.
نريد القانون عندما يحمي حقوقنا، ونريد العُرف عندما يخدم مصالحنا.
نحن لا نريد الغرب كله؛ نريد فقط النسخة التي تناسب رغباتنا.
نفسيًا… عقدة الهروب من المرآة
المشكلة أعمق من السياسة والاقتصاد.
هناك آلية نفسية شهيرة: عندما يعجز الإنسان عن مواجهة فشل مجتمعه، يبحث عن عدو خارجي يحمّله المسؤولية.
بدل أن يسأل: لماذا جامعاتنا ضعيفة؟
لماذا اقتصادنا منهار؟
لماذا المرأة تخاف من المجتمع أكثر مما تخاف من الفقر؟
لماذا القانون لا يحمي الضعيف؟
لماذا يهاجر شبابنا؟
نقول ببساطة: الغرب مؤامرة!
وهكذا تصبح المؤامرة مهدئًا نفسيًا جماعيًا، تمنحنا راحة مؤقتة من مواجهة المرآة.
فبدل إصلاح البيت، نكسر المرآة.
اجتماعيًا… المرأة هي المتهم الدائم
في كثير من مجتمعاتنا، المرأة مطالبة بأن تكون «شرف العائلة» و«واجهة القبيلة» و«عنوان الأخلاق»، لكنها عندما تنجح يصبح نجاحها أحيانًا مشروطًا بموافقة عشرات الأقارب والجيران والمجتمع.
أما في المجتمعات التي تحترم الفرد، فالإنجاز يُنسب أولًا إلى صاحبته.
هناك، قد تكون الفتاة ابنة عامل أو لاجئة أو مهاجرة، لكنها تستطيع أن تصل إلى الجامعة، ثم إلى سوق العمل، ثم إلى موقع قيادي، دون أن يطلب منها أحد أن تقدم كشف حساب عن ملابسها وحياتها وطموحاتها كل صباح.
وهنا السؤال القاسي:
هل نخاف على المرأة فعلًا… أم نخاف من المرأة عندما تصبح مستقلة؟
اقتصاديًا… القمع ليس مجانيًا
كل مجتمع يمنع نصف طاقته البشرية من المشاركة الكاملة يدفع ثمن ذلك من اقتصاده.
المرأة المتعلمة ليست مجرد «خريجة جميلة في صورة».
هي طبيبة، مهندسة، باحثة، معلمة، رائدة أعمال، موظفة، منتجة، وصاحبة قرار.
حين تمنعها من التعليم أو العمل أو الاستقلال الاقتصادي، فأنت لا تحاصر امرأة فقط؛ أنت تحاصر اقتصادًا كاملًا.
ثم نستغرب لماذا بلادنا فقيرة، ولماذا شبابنا يهاجرون، ولماذا الكفاءات تتكدس في المطارات أكثر مما تتكدس في المختبرات.
نطرد العقول بأيدينا، ثم نشتري الخبرات من الخارج ونشتكي من المؤامرة!
هذه ليست مؤامرة.
هذه فاتورة.
سياسيًا… الدولة التي تخاف من مواطنيها
الدولة الحديثة لا تقوم على كثرة الخطب الدينية ولا على عدد الأعلام والصور والشعارات.
الدولة تقوم على القانون والمؤسسات والمساءلة والتعليم والاقتصاد والحقوق.
عندما يصبح المواطن مضطرًا للهجرة كي يحصل على حق كان يفترض أن يحصل عليه في وطنه، فالمشكلة ليست في المواطن الذي هاجر.
المشكلة في الوطن الذي لم يعد قادرًا على إقناعه بالبقاء.
والدولة التي تجعل المواطن يبحث عن الأمان خارج حدودها ثم تطلب منه أن يكره الخارج، تشبه شخصًا طرد عائلته من منزله ثم غضب لأنها وجدت سقفًا آخر.
ثقافيًا… التقاليد ليست وحيًا
هناك فرق هائل بين الدين والثقافة والعُرف.
التقاليد نتاج بشري قابل للنقد والتغيير، والعادات ليست قوانين مقدسة، والمجتمع ليس معصومًا من الخطأ لمجرد أنه ورث شيئًا عن الأجداد.
أخطر جملة في المجتمعات المغلقة هي:
«هكذا وجدنا آباءنا يفعلون».
لأنها تستطيع أن تحول الخطأ إلى تراث، والظلم إلى عادة، والقمع إلى فضيلة.
المشكلة ليست أن نحترم تراثنا؛ المشكلة عندما نجعل التراث سجنًا للمستقبل.
والمفارقة الكبرى
نحن نرى فتاة مسلمة متخرجة في أوروبا فنقول:
«انظروا إلى جمال الإسلام!»
وفي اليوم نفسه قد تجد فتاة مسلمة في بلد عربي ممنوعة من أبسط حقوقها باسم العادات أو التقاليد أو سلطة الأسرة أو تفسير متشدد للدين.
ثم نحتار:
لماذا يهاجرون؟
يا جماعة… الناس لا تهاجر بحثًا عن الغربة.
الناس تهاجر بحثًا عن الحياة.
تبحث عن جامعة محترمة، وظيفة عادلة، قانون يحميها، مستشفى يعمل، راتب يكفي، وشارع تستطيع أن تمشي فيه دون أن تتحول حياتها إلى استفتاء اجتماعي مفتوح.
أوروبا ليست جنة
ولنكن واقعيين: أوروبا ليست مدينة فاضلة، ولديها عنصرية وأزمات اقتصادية وسياسية ومشكلات اجتماعية، ولها أخطاؤها وتناقضاتها.
لكن الفرق أن هناك مؤسسات وقوانين وآليات تسمح للمجتمع بمقاومة الخطأ وتصحيحه.
أما المشكلة عندنا فليست فقط في وجود الأخطاء؛ بل في تحويل الأخطاء إلى مقدسات ممنوع الاقتراب منها.
الخلاصة
لا أريد من أحد أن يكره دينه أو وطنه أو ثقافته.
بل العكس.
إذا كنا نحب أوطاننا فعلًا، فلنسأل لماذا يهرب منها أبناؤها.
وإذا كنا نحترم ديننا، فلنثبت أن قيمه تستطيع أن تتعايش مع العلم والحرية والكرامة الإنسانية.
وإذا كنا نحب المرأة، فلنتوقف عن معاملتها باعتبارها مشروع وصاية دائم.
أما أن نركب الطائرة إلى أوروبا، ونبحث عن الأمن والتعليم والقانون والحرية، ثم نعود لنشتم أوروبا لأنها وفرت لنا ما عجزنا عن توفيره لأنفسنا…
فهذه ليست غيرة على الدين ولا دفاعًا عن الهوية.
هذه ببساطة محاولة للهروب من السؤال الحقيقي:
لماذا أصبح الغرب مكانًا يهرب إليه أبناؤنا… بدل أن يكون وطننا مكانًا يريد أبناؤنا البقاء فيه؟
والأكثر سخرية أن بعضنا يذهب إلى الغرب بحثًا عن الحرية، ثم يحنّ إلى القمع!
كأننا نريد أن نعيش في أوروبا…

لكن بعقلية القرية التي هربنا منها.