الإثنين 31 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • القاضي الإرياني: حين تكون السلطة مسؤولية لا امتيازاً

القاضي الإرياني: حين تكون السلطة مسؤولية لا امتيازاً

تلقيت رسالة كريمة من الأخ العزيز الأستاذ يحيى الإرياني، سعدت بها أيما سعادة، ليس لأنها جاءت من رجل عزيز ينتمي إلى أسرة رجل عزي على اليمنيين فحسب، وإنما لأنها أعادتني إلى سيرة واحد من أبرز رجال الدولة اليمنية في تاريخها الجمهوري، وإلى مرحلة كان فيها لمنصب الرئاسة معنى مختلف، وللسلطة مفهوم آخر، وللاستقلال الوطني قيمة لا تقبل المساومة. لقد أعادتني رسالة الأستاذ يحيى سيرة القاضي عبدالرحمن بن يحيى الإرياني، رحمه الله، ذلك الرجل الذي أرى أنه كان من أعظم من تولوا رئاسة الدولة اليمنية، ليس بمعنى العصمة من الخطأ، فذلك ليس من طبيعة البشر، وإنما بمعنى أنه حافظ، في حدود ما أتيح له، على استقلال موقع الرئاسة عن أن يكون تابعاً لإملاءات الخارج أو رهينة لمراكز القوى في الداخل.

ولعل أهمية هذه المسألة تتضح أكثر حين نستحضر طبيعة البيئة السياسية التي تولى فيها القاضي عبدالرحمن رئاسة الدولة. فلم يكن الرجل محاطاً بفراغ سياسي، ولا كان يجلس على كرسي محمي من المنافسين وأصحاب النفوذ؛ بل كان في قلب شبكة شديدة التعقيد من مراكز القوى: شيوخ قبائل، وضباط عسكريون، وسياسيون ذوو اتجاهات مختلفة، وشخصيات وطنية وقومية ويسارية، إلى جانب رجال دولة من اتجاهات متعددة، بل وحتى أبناء وأقارب القاضي نفسه الذين كانوا منخرطين في احزاب سياسية محظورة حينذاك، وقد وجهها القاضي برفع شعارين:

الاول نرفض الحزبية سواء اتتنا بثياب الرهبان او بقرون الشيطان" و الثاني: "الحزبية تبدأ بالتأثر وتنتهي بالعمالة" ولعله لو حكم اليمن فأنه سيشجع العمل الحزبي البرامجي التنافسي.

لان زمنه كان يتطلب وحدة الصف ووحدة الكلمة في ظل تنافس الأحزاب الممولة والمدعومة من الخارج. ومع ذلك ظل موقع الرئاسة، في عهد القاضي عبد الرحمن ، أقرب إلى أن يكون مركزاً لإدارة التوازنات الوطنية منه إلى أن يكون أداة لإخضاع الدولة لإرادة شخص أو جماعة أو جهة خارجية.

وهنا تحديدا تكمن أهمية استعادة سيرة القاضي عبدالرحمن الإرياني اليوم، لا باعتبارها مناسبة للمديح أو استدعاء الماضي بحنين عاطفي، وإنما باعتبارها تجربة سياسية وأخلاقية يمكن أن نتعلم منها شيئاً نحن في أمسّ الحاجة إليه: كيف يمكن لرجل أن يصل إلى أعلى موقع في الدولة، ثم لا يسمح للكرسي بأن يتحول إلى ملك شخصي، ولا يسمح للسلطة بأن تصادر استقلاله الداخلي، ولا يجعل من بقائه في الحكم غاية تبرر التضحية بالدولة أو إراقة الدماء.

وتجدر الإشارة ان القاضي عبد الرحمن ممن انخرط إلى الحركة الوطنية في مستهل حضورها، وقد ونشأ في بيئة علمية وقضائية، وتلقى تعليماً دينيا واسعا ثم أصبح قاضيا وعالماً وأديباً، قبل أن ينخرط مبكراً في الحركة الوطنية المناهضة للحكم الإمامي. وقد ارتبط اسمه بالحركة الوطنية وحركة الأحرار، ودفع ثمن مواقفه سجنا وملاحقة واضطهادا، ثم أصبح بعد قيام الجمهورية واحداً من أبرز رجال الدولة فيها. وفي نوفمبر 1967 تولى رئاسة المجلس الجمهوري، وظل في هذا الموقع حتى يونيو 1974. وتجمع المصادر على أن تجربته اتسمت بمحاولة بناء صيغة جماعية لممارسة السلطة، وأن مجلس الرئاسة في عهده لم يكن مجرد غطاء شكلي لحكم فرد، بل كان إطاراً لاتخاذ القرار بصورة جماعية.

ولذلك فإنني لا أستطيع أن أتعامل مع القاضي عبدالرحمن باعتباره مجرد رئيس جمهورية سابق، فقد كان قبل الرئاسة وبعدها واحداً من رجال الحركة الوطنية، وعالماً وقاضياً وأديباً وسياسياً، وعاش مراحل الصراع اليمني من داخلها، وعرف طبيعة السلطة ورجالها ومراكز نفوذها قبل أن يصبح هو نفسه في قمة هرم الدولة.

وفي عهده صدر الدستور الدائم للجمهورية العربية اليمنية في 28 ديسمبر 1970، ونص على مجلس شورى بوصفه هيئة تشريعية عليا تضطلع، من بين وظائفها، بمراقبة أعمال السلطة التنفيذية، ثم جرت انتخابات مجلس الشورى سنة 1971. وكان النظام الرئاسي نفسه قائماً على مجلس جمهوري، لا على حاكم فرد يحتكر جميع السلطات.

وقد تبدو هذه التفاصيل للبعض مجرد وقائع دستورية، لكنها في الحقيقة تحمل دلالة سياسية عميقة؛ فالرجال لا يُعرفون بما يقولونه عن السلطة فقط، وإنما بما يفعلونه حين تصبح القوة بين أيديهم. والقاضي عبدالرحمن، حين أصبحت السلطة في يده، لم يحول الجمهورية إلى شخصه، ولم يجعل الدولة امتداداً لذاته، ولم يتعامل مع الدستور والمؤسسات باعتبارها قيوداً ينبغي التخلص منها، بل مارس الحكم في إطار جماعي ودستوري، وهو ما جعل تجربته مختلفة عن النمط الذي ساد لاحقاً في المنطقة، حيث تحولت الرئاسة في كثير من البلدان إلى مركز تتجمع حوله كل السلطات، ثم يصبح الحفاظ على الكرسي أهم من الحفاظ على الدولة.

ولعل أكثر ما يستوقفني في هذه التجربة هو مفهومه للسلطة. فقد كان يرى، كما فهمت من مواقفه وما سمعته من جيله أن الكرسي ليس ملكاً لصاحبه، وأن الدولة لا ينبغي أن تدفع ثمن رغبة الحاكم في البقاء. ولقد نقلت إلينا عبارته المشهورة "أنه ليس مستعداً للبقاء في السلطة ولا يرضى بإراقة دم طائر ".

قد تبدو العبارة بسيطة، لكنها في الحقيقة تختصر فلسفة كاملة في الحكم: السلطة وسيلة لخدمة الدولة، وليست الدولة وسيلة لحماية السلطة.

ولذلك لم يكن خروجه من الحكم في 1974 مجرد نهاية مرحلة سياسية، بل ظل موضع نقاش تاريخي حول ما إذا كان قد استقال طوعاً أم أُخرج من السلطة في ما عُرف بالانقلاب الأبيض. والمهم هنا، بصرف النظر عن اختلاف الروايات في توصيف تلك النهاية، أن الرجل غادر موقعه السياسي واستقر في دمشق، ثم انصرف إلى التأليف والتوثيق، وترك مذكراته التي أصبحت مصدراً مهماً لتاريخ الثورة والجمهورية في اليمن. وقد توفي في دمشق عام 1998.

وهذا الانتقال من قصر الحكم إلى عالم الكتب والأوراق يستحق التأمل أيضاً. فالحاكم الذي تصبح السلطة جزءاً من هويته لا يستطيع أن يتصور نفسه خارجها، أما الذي ينظر إليها باعتبارها مسؤولية مؤقتة، فإنه يستطيع أن يغادرها ويبقى هو هو. ولعل هذا هو الفارق بين من يملك السلطة ومن تملك السلطة روحه.

أما ما أثاره الأخ العزيز الأستاذ يحيى الإرياني في رسالته، فقد دفعني إلى توضيح أمر لا أريد أن يظل ملتبساً. أنا لم أقل إنني أتذكر النص الحرفي لكل كلمة قالها القاضي عبدالرحمن، ولم أدع امتلاك تسجيل أو وثيقة تثبت اللفظ الذي صدر عنه قبل عقود. ما قلته بوضوح هو أنني سمعت منه ذلك بالمعنى، وأن المعنى الذي بقي في ذاكرتي كان واضحاً ومتماسكاً مع شخصيته وطريقته في التفكير ونظرته إلى السلطة والنفس البشرية.

ومن هنا فإن شهادتي ليست نقلا حرفيا ، وإنما شهادة رجل كان حاضرا وسمع الحديث في حينه، ثم بقي أثره في ذاكرته ووجدانه. وهذا التفريق مهم، لأن الأمانة تقتضي ألا نحول الذاكرة الشخصية إلى وثيقة حرفية لمجرد أننا نريد الانتصار لرأي أو موقف.

بل إنني كلما استعدت ذلك الحديث اليوم، ازددت اقتناعا بأن القاضي عبدالرحمن لم يكن يتحدث عن نفسه بوصفه إنساناً فوق الطبيعة البشرية، وإنما كان يمارس شيئا أعمق وأندر: الصدق مع النفس.

وهذه، في تقديري، واحدة من أهم فضائل الرجل.

فالسلطة لا تفسد الإنسان فقط بما تمنحه من قدرة على إصدار الأوامر، وإنما قد تفسده أيضاً بما تضعه حوله من مرايا كاذبة؛ مرايا يصنعها المادحون والمتملقون وأصحاب المصالح، فيرى الحاكم نفسه من خلالها أعظم مما هو عليه، وأعلم مما هو عليه، وأحق مما هو عليه، ثم لا يلبث أن يصدق الصورة التي صنعها الآخرون له.

وهنا تكمن خطورة الإطراء السياسي. فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى التقدير والاعتراف والقبول، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الاحتياج الإنساني الطبيعي إلى منظومة سياسية تحيط بصاحب السلطة وتحجب عنه النقد والحقيقة. عندها لا يعود المديح مجرد كلمات، بل يصبح أداة لإعادة تشكيل وعي الحاكم بذاته.

ولهذا فإن الحاكم الذي يعرف أن من حوله يمدحونه، ثم يستطيع أن يقول لنفسه إن بعض هذا المديح قد يكون نفاقا، ومع ذلك يعترف بأن الإنسان يمكن أن يتأثر به، هو في الحقيقة أكثر وعيا بذاته من ذلك الذي يدعي أنه محصن تماماً ضد تأثير الآخرين.

وهذا بالضبط ما فهمته من حديث القاضي عبدالرحمن.

لم يكن في كلامه، كما فهمته، افتخار بقدرته الخارقة على مقاومة الإطراء، وإنما كان فيه اعتراف شجاع بأن النفس البشرية تظل نفسا بشرية حتى عندما يسكن صاحبها قصر الحكم، وحتى عندما يكون عالما وقاضيا وفقيها وزاهدا. وهذا الاعتراف لا ينتقص من الرجل، بل يرفعه؛ لأن الصدق مع النفس هو أن تعرف نقاط ضعفك قبل أن تتحول إلى نقاط ضعف في الدولة.

قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، وهذه الآية، في نظري، تضع قاعدة عميقة في فهم الإنسان لذاته؛ فأخطر ما يمكن أن يصيب المرء أن يتحول إلى شاهد زور على نفسه.

ومن هنا أفهم أيضاً نفور النبي صلى الله عليه وسلم من مظاهر التعظيم المبالغ فيها، وما ورد من النهي عن رفع الأصوات في حضرته. فالمسألة لا تتعلق بالأدب في مخاطبة النبي فحسب، وإنما تحمل، في بعدها الإنساني والسياسي، معنى أوسع: كلما ارتفعت أصوات التبجيل حول صاحب المكانة، ازدادت احتمالات أن تنخفض أصوات الحقيقة من حوله.

حين يبدأ الناس في رفع أصوات المديح، يبدأ صاحب السلطة في فقدان أصوات الحقيقة، ولعل هذا ما جعل النبي عليه الصلاة والسلام ان يقول:

(لا تُطْروني كما أَطْرَتِ النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُ الله ورسولُه).

وتخيلوا رجلاً في موقع رئاسة الدولة، يدخل عليه أصحاب النفوذ من مشايخ وضباط وسياسيين وحزبيين وأصحاب مصالح، وكل واحد منهم يعرف كيف يخاطب السلطة، ومتى يمدح، ومتى يصمت، ومتى يقترب، ومتى يبتعد. إن بقاء الإنسان في مثل هذه البيئة محتفظاً بقدرته على رؤية الحقيقة ليس أمراً سهلاً.

وهنا لا تكمن العظمة في أن يدعي الحاكم أنه لا يتأثر، وإنما في أن يعرف أن الإنسان يمكن أن يتأثر، ثم يبحث عن الحقيقة خارج دائرة المادحين.

ولهذا أرى أن ما سمعته من القاضي عبدالرحمن كان دليلاً على إنسانيته، لا انتقاصاً من مكانته. بل أذهب أبعد من ذلك: إن الحاكم الذي يخاف على نفسه من المديح قد يكون أكثر أماناً على الدولة من الحاكم الذي لا يخاف إلا من النقد.

ولعل سيرة القاضي عبدالرحمن تقدم شواهد عملية على هذا الفهم. فقد كان رئيساً في زمن شديد التعقيد، كان محاطا بمراكز قوى قبلية وعسكرية وسياسية، ومع ذلك ظل يحاول أن يحافظ على استقلال القرار الوطني، وأن يدير التناقضات لا أن يجعل الدولة رهينة لها. وتشير الدراسات التي تناولت تجربة المجلس الجمهوري في عهده إلى أنه كان يأخذ رأي أعضاء المجلس الآخرين في الاعتبار ولا يتخذ القرارات بصورة فردية، وأن صيغة الحكم الجماعي ارتبطت بشخصيته وخبرته في مؤسسات الدولة.

وهنا أتذكر واقعة الضابطين التي سبق أن أشرت إليها، ولا أرى حاجة إلى ذكر اسميهما. فقد تكررت زيارتهما إلى المملكة، فلما استدعاهما القاضي عبدالرحمن قال لهما، بمعنى ما أتذكر: (الأبناء النبلاء يستأذنون أباهم عندما يخرجون من بيت أبيهم). وهي رسالة واضحة المغزى.

ولا أورد هذه الواقعة لإدانة أشخاص بأعيانهم، ولا لفتح خصومة سياسية مع أحد، وإنما لأنها، في نظري، تكشف جانبا من تصور الرجل للسيادة والاستقلال. فالدولة، مهما احتاجت إلى علاقات مع الخارج، لا ينبغي أن تتحول علاقاتها الخارجية إلى وصاية على قرارها الوطني.

وقد كنت حاضراً في تلك الزيارة التي سمعت فيها ذلك الحديث، وكان معنا الأخ محسن اليوسفي المحافظ، والأخ عبدالكريم عبدالإله، والأخ أحمد الحلالي مدير الأمن، والقاضي محمد عقيل، وآخرون، وكان الأخ أحمد الإنسي حاضراً كذلك. وقد كتبت عن ذلك في عهده الأخير، ولم يكن ما كتبته آنذاك انتقاصاً من مقام القاضي عبدالرحمن، وإنما شهادة على ما رأيته وسمعته وعرفته.

أما انا فافتخر انني دخلت مكتبه لاقتي الشخصية أيام كنت فيها طالباً. فقد توفي والدي، رحمه الله، وكانت لي مراجعة تتعلق بإستمرا.ر راتبه كاملا فذهبت بمعية اللواء محمد يحيى الشوكاني إلى رفيق نضاله، أديب اليمن العم أحمد الشامي، عضو المجلس الجمهوري، فكتب التوجيه عليها، ثم اصطحبني معه إلى مكتب القاضي عبدالرحمن، ودخلت عليه وهو رئيس الجمهورية، فوقع الأمر.

وكلما استعدت تلك اللحظة اليوم، لا أتذكر فقط أنني دخلت مكتب رئيس الجمهورية وأنا طالب، وإنما أتذكر أنني كنت أمام رجل كان يمكن للسلطة أن تصنع منه شخصا آخر، لكنه ظل، في جوهره، ذلك القاضي الذي عرف بتواضعه وهيبته ووقاره. وقد كنا نسمع انه كان إذا حضر مؤتمر عربيا او دوليا ممثلا لبلاده فلا يخرج بعد القاء كلمته إلا وهو محل احترام وتقديري الرؤساء، وقد روى لنا السفير عبدالوهاب جحاف انه بعد الثورة وفي أول مؤتمر قمه حضره السلال وكان القاضي احد اعضاء الوفد فلما دخل الملك سعود قال له السلال: "ما في بطوننا لم ياسعود حتى تحارب اليمن " فاشار الرئيس جمال لسامي شرف وطلب من السلال ان يعطي كلمة اليمن للقاضي عبدالرحمن الإرياني الذي كان على معرفة به حين زار مصر ضمن وفد ملكي برئاسته. وقد سمعت هذه الرواية بحضور أصدقاء كثيرين منهم الأخ أحمد جحاف والاخ مطهر تقي..

وهذا، في رأيي، هو الفارق بين من يملك السلطة ومن تملك السلطة روحه.

الأول يستطيع أن يغادر القصر ويبقى هو هو، أما الثاني فإذا غادر القصر فقد يغادره كل شيء، لأن السلطة تكون قد أصبحت جزءاً من هويته، لا مسؤولية عابرة في حياته.

ومن هنا أيضاً فإنني لا أرى في استعادة القاضي عبدالرحمن اليوم محاولة لصناعة رجل مثالي أو أسطورة سياسية. الرجل كان بشراً، وله ما له وعليه ما عليه، ويمكن أن تُناقش تجربته السياسية وأن تُقرأ قراءة نقدية، بل إن الإنصاف الحقيقي يقتضي ذلك. لكن النقد شيء، وإعادة تشكيل صورة الرجل بما يناقض سيرته وشخصيته شيء آخر.

ولهذا فإنني لم أستشهد بما سمعته منه عن الإطراء والنفس البشرية لكي أقول إنه كان رجلاً معصوماً من تأثير الآخرين، بل على العكس تماماً؛ استشهدت به لأقول إن الحاكم الذي يعترف بإنسانيته، ويعرف أن السلطة قد تؤثر فيه، يكون أقرب إلى الوعي بخطرها من الحاكم الذي يتوهم أنه محصن ضدها.

إن الاعتراف بالضعف قد يكون أحيانا دليلا على القوة، والاعتراف بحاجة النفس إلى التقدير قد يكون أصدق من ادعاء التحرر الكامل منها.

والإنسان القوي ليس من يقول: لا يؤثر فيَّ المديح، وإنما من يعرف أن المديح قد يؤثر فيه، فيبحث عن الحقيقة خارج دائرة المادحين.

ولذلك فإنني أرى أن القاضي عبدالرحمن كان أكبر في عيني بعد أن سمعت منه ذلك الحديث، لا أصغر. لقد كان كبيراً في علمه وقضائه، وكبيراً في نضاله، وكبيراً في موقعه، لكنه كبر أكثر في نظري حين تحدث عن الإنسان الكامن داخله، وعن النفس التي يمكن أن تتأثر بما يتأثر به سائر البشر.

وهذا هو الصدق مع النفس الذي نفتقده كثيراً في الحياة السياسية.

فأخطر ما يمكن أن يصيب الحاكم ليس أن يكذب على الناس، وإنما أن يبدأ بالكذب على نفسه؛ لأن من يكذب على الناس يمكن أن يكتشف الناس كذبه، أما من يكذب على نفسه فإنه يفقد القدرة على اكتشاف الحقيقة.

ومن هنا فإنني أرى أن تجربة القاضي عبدالرحمن الإرياني تستحق أن تُقرأ اليوم لا بوصفها جزءاً من التاريخ اليمني فحسب، وإنما بوصفها درساً في أخلاق السلطة واستقلال القرار الوطني: كيف يمكن لرجل أن يصل إلى أعلى موقع في الدولة دون أن يجعل من الموقع ملكاً شخصياً، وكيف يمكن أن يعيش وسط المديح دون أن يفقد وعيه بحقيقة نفسه، وكيف يمكن أن يغادر الكرسي دون أن يشعر أن الدولة قد غادرت معه.

وإذا كان الأستاذ يحيى الإرياني قد كتب إليّ مستنكراً أن أكون قد نسبت إلى القاضي ما لم يسمعه هو لانه قاله اثناء زيارة محافظ تعز وقيادات فروع الوزارات والمؤسسات والبنوك في تعز، ثم انني سمعت من القاضي عبدالعزيز البغدادي انه سمع الأستاذ مطهر يروي برواية بمعنى مختلف في الصياغة. وحاشاي ان اقصد بتلك الرواية الإساءة ، رغم انني اقدر غيرته ولذلك أقول له إنني أتفهم هذا القلق تماماً، وأحترمه، بل أجد في رسالته فرصة لتوضيح ما أردت قوله أصلا: أنا لا أقدّم روايتي عن القاضي عبدالرحمن باعتبارها نصاً مقدسا، ولا أدعي أن ذاكرتي بعد هذه العقود الطويلة تستطيع أن تستعيد الألفاظ حرفياً، وإنما أقدم شهادة شخصية عن معنى بقي في الذاكرة.

وإنما أردت ألإستشهاد بأن النفس البشرية تميل إلى الإطراء فمن الطبيعي ان يقول القاضي انه في مستهل توليه السلطة كان يحدد موقفا ضدا على المنافقين ثم لما وجد مراكز القوى لا تضع له مكانته فقد أصبح ميالا لمن يطريه وهذا امر ليس فيه ما يعيب واتفق معه ان الحديث بدون ذلك ألإستشهاد لا يزيد الموضوع ولا ينقصه.

والأهم من ذلك أنني لا أرى في هذا المعنى ما ينتقص من الرجل، بل أراه منسجما مع واحدة من أعظم خصاله: أنه كان يعرف أن الحاكم إنسان، وأن السلطة امتحان للنفس قبل أن تكون امتيازاً لصاحبها.

وأنا أعتز بذكرى مقابلتبي وأنا طالب، كما انني واسرتي أكثر إمتنانا لما اكرمنا بإستمرار والدنا كما كان يتقاضاه حيا كاملا دون نقصان طيب الله ثرهما في الجنة، وافتخر بما عرفت عنه وعن جيله من رجال الحركة الوطنية، وأرى أن واجبنا اليوم ليس أن نقدس الأشخاص ولا أن نهدم الرموز، وإنما أن نقرأ تجاربهم بعين نقدية منصفة، فنحتفظ بما فيها من قيم، ونتعلم من أخطائها، ونستخلص منها ما يمكن أن يفيد اليمن في حاضرها ومستقبلها.

لقد عرفت اليمن، في مراحل مختلفة، رؤساء كثيرين، وعرفت أيضا مراكز قوى كثيرة، لكن استقلال منصب الرئاسة عن الإملاءات الخارجية، واستقلال قرار الدولة عن إرادات الأفراد والجماعات، يظل معيارا لا ينبغي أن يغيب عن قراءة أي تجربة سياسية. وفي هذا الجانب تحديداً تبدو تجربة القاضي عبدالرحمن جديرة بإعادة القراءة؛ لا لأنه كان فوق التاريخ، وإنما لأنه كان جزءاً من تاريخ صعب، واستطاع، وسط ذلك التعقيد، أن يترك نموذجاً مختلفاً لعلاقة الحاكم بالدولة.

رحم الله القاضي عبدالرحمن الإرياني، ورحم الله العم أحمد الشامي، ورحم الله كل رجال ذلك الجيل الذين حملوا همّ الدولة والوطن في زمن بالغ الصعوبة.

والشكر موصول للأستاذ يحيى الإرياني على رسالته التي أعادت فتح هذه الذاكرة، وأتاحت لي أن أقول شيئاً كنت أعتقد أنني قلته من قبل، لكنني أجد أن إعادة قوله اليوم أكثر ضرورة: ليست عظمة الحاكم في أن يملك السلطة، وإنما في أن يظل مالكاً لنفسه وهو يمارسها؛ وليست قيمة الرئيس في طول بقائه على الكرسي، وإنما في أن يخرج منه والدولة ما تزال أكبر منه.