الأحد 30 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • عدن.. من صراع الأعلام إلى استعادة الدولة

عدن.. من صراع الأعلام إلى استعادة الدولة

تعيش عدن اليوم صورة مصغرة للصراع الذي تخوضه بعض القوى السياسية بين الماضي والمستقبل؛ صراع لا يريد البعض من خلاله تجاوز مآسي الماضي، بل إعادة إنتاجها بكل آلامها وثاراتها وأحقادها.

وبعد 2015، دخلت قوى سياسية مدعومة من الخارج على خط المشهد، وكل طرف حاول أن يعيد تشكيل الجنوب وفقا لمشروعه. والنتيجة؟ تمزيق الجنوب إلى مشاريع صغيرة وكانتونات سياسية، حتى وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها البعض يحلم بدولته الخاصة، والبعض بإمارته الخاصة، والبعض الآخر يريد أن يعيد لنا مشاريع ما قبل ثورتي سبتمبر وأكتوبر!

وفي عدن تحديدا، أصبح الصراع السياسي في بعض الأحيان أقرب إلى مسابقة: من ينزل العلم؟ من يرفع الصورة؟ من يلغي النشيد؟ ومن يضع شعاره مكان شعار الدولة؟

يا جماعة الخير، الدولة ليست صورة معلقة على جدار حتى ننزعها متى غضبنا، وليست علما نتعامل معه بمنطق "أنا بنزله وأنت ارفعه". هناك عقد اجتماعي ودستور وسلطة دولة، وهذه الدولة هي المسؤولة عن إدارة المرحلة وحماية مؤسساتها، إلى أن يقرر الشعب، بإرادته الحرة، شكل الدولة ومستقبلها.

نحن اليوم ما زلنا تحت سلطة الجمهورية اليمنية، والدستور القائم هو المرجعية، والقرارات الصادرة عن رئيس الدولة والحكومة والمحافظين هي قرارات صادرة عن مؤسسات الجمهورية اليمنية. ولذلك لا داعي لأن نحول كل إجراء إداري إلى معركة وجود، ولا كل صورة إلى قضية وطنية، ولا كل علم إلى مشروع حرب جديدة.

نحن بحاجة أولا إلى استعادة الدولة، وبعدها يقرر الشعب شكل الدولة. وعندما يحين وقت تقرير المصير، فليكن ذلك عبر استفتاء عام، لا عبر منشور في فيسبوك، ولا عبر تهديد من ناشط، ولا عبر قوة سلاح.

المشكلة أن هناك من لا يزال يعيش بعقلية سلطة الأمر الواقع؛ يريد أن يفرض ما اعتاد فرضه بالسلاح، ويرفض أي تغيير لا يأتي من بوابته. وكأن الجنوب ملكية خاصة، ومن يدخلها يحتاج إلى تأشيرة من أصحاب النفوذ!

لكن قبل أن نتحدث عن المستقبل، هناك ملفات من الماضي يجب أن تفتح. هناك ضحايا وانتهاكات واعتداءات ونهب وسلب، وهناك قضايا كثيرة ما زالت معلقة ولم تصل إلى القضاء. افتحوا هذه الملفات، ودعوا كل واحد يعرف ماذا فعل، وماذا فعلت يداه، ومن يتحمل المسؤولية.

أما قضية العلم والنشيد والصور والرموز الوطنية، فهي ليست ملكا لفرد ولا لجماعة ولا لناشط غاضب. هذه مسائل وطنية تحسمها الدولة والقانون والعقد الاجتماعي الذي يتوافق عليه الشعب.

أما أن يخرج لنا كل يوم شخص يقول: "أنا بنزل العلم"، وآخر يرد: "وأنا برفعه"، وثالث يتوعد ويهدد، فهذه ليست سياسة ولا مشروع دولة؛ هذه فوضى ميكروفونات.

وعندما تستعيد الدولة عافيتها، لن تحتاج إلى مطاردة هذه الأصوات؛ سيكون القانون وحده في المرصاد لكل من يعتقد أن السلاح أو التهديد أو الفوضى تمنحه حق فرض إرادته على الآخرين.

عدن بحاجة إلى دولة تحكمها المؤسسات، لا إلى كانتونات يحكمها الغضب. والجنوب بحاجة إلى مستقبل يتسع للجميع، لا إلى ماضٍ يعيد إنتاج الثأر والانقسام.