الأحد 30 أغسطس 2026

تكريم لشيخ توجته محافظة إب بأكملها

كنت في زيارة تلبية لدعوة من صديق عزيز وهو إبراهيم المنتصر، رجل الأعمال والمطور العقاري الذي أقام المدارس العربية ودور العبادة، وأسهم في تنوير وتطوير وتعليم أبناء الجالية اليمنية في أمريكا، وامتد خير أفعاله إلى مهاجرهم وإلى قراهم وإلى بعض البلدان العربية.

شددت الرحال وذهبت لحضور إحدى الفعاليات الصيفية التي تبناها شخصيًا لشباب اليمن بالمهجر، وكانت انعقدت بولاية تنسي وسط أمريكا، وكنت مدعوًا لإلقاء محاضرة توعوية بعنوان "بالعلم وحده نرتقي"، أشد فيها من عزم الشباب، بل وأربط بين أواصرهم فيها، وبين مستقبل أبناء الجالية اليمنية في تجمعهم الكروي الشبابي، والتي شارك فيها الشباب من 13 ولاية حيوية يتركز فيها المهاجرون اليمنيون.
الكاتب وإبراهيم المنتصر
الكاتب ومرتضى المنتصر
والحقيقة أنني انبهرت بذلك التنظيم والاستعداد للدورة، فأنا أعرف جيدًا بفعل علاقتي الوطيدة بإبراهيم، وأعرف إمكانياته وجهوده، ولكني كنت حائرًا بأن يدًا واحدة لا تصفق، فالدورة هي الأكبر من كل سابقاتها التي دأبت على حضورها، مما أثار فضولي دون أن أسأل من هذا الذي يقف وراء هذا التنظيم العظيم للدورة مديرًا ومنسقًا ومرتبًا لكل الفعاليات والأنشطة، إذ لا بد من وجود عقل مدبر أكبر دهاء ممن في الصورة أمامي، فأثار فضولي شخص لم أكن أعرف من هو ولا صورته، فقلت لإبراهيم من هذا الذي أراه يشرف على كل شيء، وأجده أمامي أينما وليت وجهي بلحيته الخفيفة وبلباسه الرياضي غير المميز في هذه الفعالية، ولم يقدم لي نفسه بأنه أخ لإبراهيم، فسألت إبراهيم من هذا الشخص الذي يصول ويجول في الملتقى وفي الميدان، ويشرف على تحركات الأفراد والضيوف، ويهتم أكثر بالشباب القادمين للمشاركة من كل الولايات بكل نشاط وحيوية مثلى لا تكل ولا تمل، بل إن حاولت أن أتتبعه ببصري لا أجد له مستقرًا. فاجأني إبراهيم وعلى عجل هو أخي مرتضى أبو عمر أبو حيدر. فقلت لا يهمني إلا أنه مرتضى، أما كلمة أبو أو الشيخ فقد كثرت استخداماتها لأن كل واحد وفي كل الجاليات قد تحول إلى شيخ دون مسوغ يعطيه تلك الصفة التي لا أحبها، لأني قد عهدت مشايخ كثيرين لا هم لهم إلا استغلال غيرهم من المواطنين أو تنصيب أنفسهم وهم عديمو المنفعة للغير وحتى لرعيتهم من المواطنين، والذي يتعامل معهم معاملة السيد للعبيد، وهو وضع أمقته كثيرًا، لأنه وضع غير سوي يذكرني باستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.
نعم عرفني به وقال لي هذا هو أخي وسندي وأعتمد عليه كثيرًا، بخاصة في إدارة المواقف والبرامج والحشود بكفاءة عالية، فإمكانياته الشخصية تفوق غيره، بالذات في قدراته التنظيمية، والأكثر من ذلك خلق المشاريع والمبادرات التي لا يمكن لك تصورها. فابتسم مرتضى بكل تواضع تعلوه ابتسامة خجل مخفية مخففة وأدب جم، دليلًا على رفعة الذوق والشأن والاحترام للغير والشعور بهم، بخاصة وأنه كان في حركة دائمة وتلفونه لا يكف عن الرنين، فاستأذن بكل أدب لأن هناك مهام وأعمالًا لا بد من إنجازها.
وكذا التقيته في نيويورك، وفي فعالية رياضية أخرى لأبناء الجاليات، ولكنها لم تكن بنفس الإدارة والتنظيم، وتناولت معه أطراف الحديث، ووجدت أنه رجل أعمال ناجح أيضًا، ولكنه عميق وغير عادي، يذهلك بأفكار مشاريعه وهمومه المجتمعية، واستنتجت أنه يريد أن يعمل شيئًا فريدًا لم يخطر على بالي على الإطلاق، لكن أن تكون بعيدًا عن بلدك وعقلك حاضر فيه وبخاصة في ظل ظروف الفقر والجوع وغياب الخدمات المعاشة في بلادك. وكان منه السؤال الذي يعرف به يا ترى ماذا يمكن أن أقدم لبلد ترعرعت فيه رغم أن أموري وأسرتي في حالة طيبة هناك؟
غادرت وأنا في حيرة من الإجابة، وبعد أقل من عام مر عليّ بالشاشة توجيهه شخصيًا لنداء هام ومناشدة كبرى بأنه قرر أن يتبنى مبادرة لم يسبق لها أحد من قبل، لا سيما وأن هناك أكثر من 13 قرية معزولة طال عذابها وعانت الويلات بسبب صعوبة الوصول إليها على الرغم من أنها تعيش في عهد الثورة والجمهورية، إلا أن أيًا من المشاريع الخدمية لم يصلها، وهي في أرض ناحية الشعر التي تنعم بوجود رجالها في المهجر، ومازالت تعاني.
لم أكن متأكدًا وأنا أنظر إلى بعض الصفحات والمواقع على النت بأن هناك عشرات المحتويات تذكر شخصًا، فأنا أعرفه بأنه أبو عمر، وإذا بي أفاجأ بأنه أبو حيدر، والكل يشهد بمناقبه، وترتفع الأغاني الصادحة باسمه وقصائد الشعر التي تصفه بكل ما يحمد ويبجل ويشكر، حتى امتلأت المحتويات بكلمات ومن أبسط الناس الذين شعروا بأن شخصًا ما من بعيد قد سمع صرختهم، ونهض ملبيًا متجاوبًا من مشاعر أنينهم بكلمات صادقة معبرة عن ذي فضل لم أعهدها في مزايا أحد، وذلك لما قدمه من عمل كان فيه المبادر، والذي تداعت لندائه العديد من شخصيات التجار في المهجر، مؤيدين للمبادرة، ومسارعين للتبرعات بجانبه استشعارًا للمسؤولية أيضًا.
ولم تقف حدود عطائه عند طريق عزلة المفتاح، ولكنها انفجرت ممتدة إلى عزل مديرية الشعر الأخرى في محافظة إب، بل أراها تأخذ طريقها كعدوى إيجابية محمودة إلى كل المحافظة ومديريات أخرى كان مسكوتًا عنها، لنرى اليوم محافظة إب تنتفض مشاريع طرقات وملاعب شبابية ومراكز حديثة، فالجميع يتحدث عنها ليس في المهجر فحسب، ولكن في كل أرجاء اليمن..
وبإيجاز إن مبادرة أبو حيدر كانت الشرارة الأولى في العام 2025م، كانت مركزة على المصلحة العامة لا الشخصية كما يذهب البعض، والتي بدورها وبحشد طاقاته لنجاحها أيقظت مسيرة نهضة وكسر عزلة سكان لم يعرفوا بثمار الجمهورية، على الرغم من أن أبناء هذه المناطق كانت لهم مراكز حكومية وعسكرية عليا، وكانوا مقربين من السلطات، وهم أسماء كبيرة ومعروفة، ولها ثقلها، ومنهم مشايخ القهر للرعية والتسلط عليهم، ولكنهم -وهذه هي الحقيقة- لم يشعروا بآلام ومتاعب أهلهم، فاقتنصوا المناصب وشيدوا القصور في العاصمة، واستفاد أبناؤهم من نفوذهم، ولم يعيروا مناطقهم أقل اهتمام، بل تم إجبار السكان أصحاب المصلحة الحقيقية على دعمهم وانتخابهم وإعادة انتخابهم، لا ليخدموهم، ولكن ليتسلطوا عليهم أيضًا.
شكرًا أبو حيدر، يا من قام في لحظة فارقة بتشكيل وعي قوة الدفع التنموية نحو التغيير، وليتعرف الجميع على كل هذه الأدوار الحقيقية التي تبنيتها في كل المشاريع الجبارة والملموسة التي أسهمت وتسهم بها في سبيل تنمية المناطق المحرومة على أرض إب الخضراء، ودون من، فأنت أصبحت اليوم أيقونة، بل علمًا يشار له بالبنان، وذلك تقديرًا واحترامًا وعرفانًا بدورك الريادي في حركة التنمية، وأصبحت مثار إعجاب للجميع يتغنون باسمك، فليعتبر أولئك الذين فوتوا الفرص على نهضة مناطقهم، فأنت اليوم منارة وقدوة لمن يحمل علم الريادة في تطوير مناطقهم، وعلى الجميع في كل أرجاء اليمن أن يقتدوا بك، وبخاصة في هذه الأوقات العصيبة التي توقفت فيها عجلة التنمية في ظرف غياب الدولة.
نعم أبو حيدر يا مرتضى المنتصر، أصبحت أهزوجة محافظة بكاملها، وتعرفت على أعمالك اليمن كلها أيضًا. لقد أثبت بما لا يدع للشك مجالًا أو مكانة أن المغترب اليمني المسؤول هو من يحق له وحده أن ينعته الآخرون من البسطاء بالشيخ، شيخ التنمية، شيخ النهضة، شيخ الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين الذين تُركوا على قارعة الطريق، أو بالأحرى على هامش المجتمع، دون الالتفات إليهم عنوة وفي غفلة من الزمن.
إنها وبحق تجربة رائدة كنت أنت مشعلها ومن خاضها، بل قائدها وداعمها، فأثبتت حضورًا إنسانيًا نادرًا تغلغلت آثارها الإيجابية في سائر محافظتك، وكم أرجو أن تنتقل عدواها الإيجابية إلى المحافظات الأخرى، ليسد كل من له انتماء حقيقي للوطن تلك الفجوة التنموية الكبيرة، وندعو شيخًا كل من عمل على ردم تلك الثغرات التنموية في مناطقهم، وبخاصة ما ينبغي تقديمه للخدمات الإنسانية الأساسية التي مازال المجتمع في أمس الحاجة إليها، فمن الواجب، وفي الختام، وكلمة حق علينا، تكريمك، ولك التحية والتقدير والاحترام. حياك يا مرتضى يا مرتضى المنتصر يا شيخنا كلنا.

فيرفاكس فرجينيا