ملاحظات على تحقيق البستاني لديوان السري الرَّفَّاء(2)
ضَبَطَ «المحقق»، و«الشَّارح» كرم البستاني، (العمر)؛ في البيت التَّالي، ص 13، بِضَمِّ العين، وسكون الميم. قاصِدًا به عمر الإنسان!
أبالعُمْر خَيَّمَ أم بالحَشَاءِ
قَريبٌ إذا هَجَعَ الرَّكبُ نائي؟
والذي يبدو لي أنَّ في اللفظة تصحيفًا. وصوابها: الغَمْر. بفتح الغين، وسكون الميم. وهو اسم موضع، وعلم لعدة أماكن. ويترجح للقارئ أنه يقصد «غَمْر كِندَة». ويحدد موضعه ياقوت في كتابه (معجم البلدان)، بِأنَّهُ وراء وَجْرَةَ، بينه وبين مكة مسيرة يومين.
ولعلَّ نسبة هذا الموضع إلى كندة لنزولها فيه. وهذا شأن أهل اليمن؛ فإنَّ كَثيرًا من أسماء مواضعهم تنسب إلى أصحابها؛ كخيوان، ونجران؛ كما يقول الهمداني في (صفة جزيرة العرب).
وقد يرجج هذا الاحتمال نسبة السَّري الرَّفَاء إلى هذه القبيلة المشهورة. فهو كندي النَّسَب. وقد ازدهى بنسبه هذا في كثيرٍ من قصائده. وفي قصيدة رثى فيها أباه، يقول فيها:
وملوك كندة حَطَّ عن
تلك الأسِرَّة والقَرَابِسْ
إني لمن قَومٍ مَضَوا
شُمَّ المَآثرِ وَالمَعَاطِسْ
وقوله:
إذا هبطت أنسابُ قَومٍ فموطني
ذُرَا نَسَبٍ بين التباببعِ عالي
وقد يؤكد هذه القراءة المُقتَرَحة قوله بعدها: (خَيَّم). والتخييم لا يكون إلا في الأماكن.
وقوله أيضًا: (قريب)؛ يَدلُّ على أنَّ من أحبها كانت على صلة قرابة به. هذا إذا رجحنا المعنى الحقيقي للقُرب. وهي قرابة النَّسب. لا القرب النَّاشئ عن العلاقة، وإن كان يتناوله أيضًا.
وَجَعلُ «المحقق»، و«الشَّارح» العُمرَ محلاً للتخييم، يبعد من جَعْلِ الحشاء في مُقَابِلِه. وعلى تقديره؛ يكون معنى البيت تَافهًا ساقطًا؛ وعلى هذا النحو: هل خيم المحبوب في عمري، أم في أحشائي؟!!
وإنَّمَا حمل المحقق على اعتبار مفردة «العُمْر» هو الإسقاط، والتعبير الشَّائِع المُتَداول؛ كأغنية أم كلثوم الشهيرة (أنت عمري!).
وإذا ما تجوزنا في جعل (العمر) مكانًا التَّخييم؛ فلا نحتاج بعد هذا أن نعرف بأي مكان حلت منه في حشاه، أو بأي مكان آخر؛ فهي ملازمة له طوال العمر. فأيُّ فائدة من المقابلة إذًا بين «العمر»، و«الحشا»؟!
وضبط: (دواء) في البيت:
وأبقت أسى ليس يقضي الأسَى
عليه وداء بعيد الدواء
= بتنوين الضَّم. والصَّوَاب فتحه؛ لأنه معطوف على أسى. فحبيبته غادرته، وتركت بقلبه حُزنًا، وداءً يصعب علاجه إلا بالوصل.
وضبط (جعد) المياه، و (سبط) الهواء في البيت:
وجعد المياه إذا صافحت
جداوله الريح سبط الهواء
= ضبطه بالضَّمّ. والصواب: بالكسر. بتقدير دخول (رُبَّ) عليه. ولم يتعرض المحقق لشرح معنى البيت.
وهو هنا يصف مَكانًا، ويشبه مياهه في حال سكونها بالشَّعر الجعد. فإذا ما هبت عليه الريح تَموَّجَ واسترسل.
وضبط البيت:
تقابلنا الوحش في روضة
كما قابلتك نجوم السماء
=ضبط (روضة)بالتَّاء المربوطة؛ بتنوين الكسر فيها. والذي يترجح للقارئ أنه: (تقابلنا الوحش في روضه). وهاء الضمير تعود للمكان الذي سبق وصفه.
وضبط (الرخاء). بتشديد الرَّاء المفتوحة، في البيت التالي:
فهل من سبيلٍ إلى نشره
إذا ركضت فيه خيل الرخاء
وَالصَّوَاب: بِضَمِّ الرَّاء المشددة. والرِّيح الرُّخاء: اللينة. وقد ورد وصفها في القرآن الكريم؛ عند الحديث عن النبي سليمان -عليه السلام؛ وذلك في قوله تعالى: (فسخرنا له الريح تجري بأمره رُخَاءً حيث أصاب). [ص: 36].
وركض خيل الرخاء استعارة للنسيم الرقيق الذي يهب على الروض؛ فيتأرج.
وضبط: (أقماره) بِضَمِّ الرَّاء، و(محاسنها) بالضَّمِّ، وضبط (الصُّبح) أيضًا بالضَّمِّ في البيت التالي:
وأقماره حين تبدي له
محاسنها الصبح سلم المساء
وَالصَّواب أنَّ أقماره معطوفة على نشره. فالشَّاعِر يتساءل عن إمكانية تنسم عبير هذا الرَّوض، وأن يحظى برؤية أقماره (نسائه الجميلات) حين تجلو محاسنها له.
فـ (محاسنها): مفعول به منصوب بالفتحة لـ (تُبدِي). وفاعل تبدي مستتر تقديره (هي). العائدة على الأقمار.
والصَّبح -بالضم- خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي؛ الضمير العائد على الأقمار. والمبتدأ المحذوف وخبره، في محل جر، مقول قول واقع محل الصِّفَة لـ (أقماره). والتقدير: وأقماره المقول فيها: (هي الصبح).
وسلم: حال من الصُّبح، منصوب بالفتحة. وهو مضاف، والمساء مضاف إليه.
وأنا على شك في ضبط (تبدي)، وأنه مُصحَّفٌ عن (يبدي). ويكون الصبح فاعل يبدي.
والمعنى أنه يشتاق إلى أقماره اللواتي يبدي محاسنهن الصبحُ. إلا أنَّه سيظل معنى (سلم المساء) كصفة للصبح مشكلاً وغير مفهوم. فيراجع. وهذا قد يجعلنا نرجح القراءة الأولى.
ولم يتعرض المحقق لشرحه (سلم المساء)، وضبط (سلم) المساء. بضمَّ ميم سلم. وهي حال منصوبة من الصبح.
ولعلَّ معنى البيت أنَّ وجوههنَّ المسفرة في الظلام؛ كأنها صباح يظهر في عتمة الليل، لا الصباح الذي يعقب الليل، ويأتي بعده، ولا يتفق وجوده معه في آنٍ واحد. فهذا معنى سلم الصبح للمساء.
أمَّا البيت التَّالي؛ فضبطه هكذا:
وتجديدهن بجر الذيول
وجر الزَّقاق أديم الفضاء
ويبقى المعنى مُستَغلقًا لا يظهر للناظر والمتأمل فيه على كثرة تقليبه. ولعلَّ (تجديدهن)، مُصَحَّفَة عن (تحديدهن).
أي أنهن يخططن وجه الأرض حين يمشينَ عليها بذيول ثيابهن التي يسحبنها، ويجرجرنها خلفهن، وبثيابهن الرَّقيقة. فتكون (الزقاق) مصحفة عن الرِّقَاق.
وأورد البيت التالي هكذا، ولم يتعرض له بشرح:
وتشتيتنا شمل سرب الظبا
بمدمجة مثل سرب الظباء
وهو مشكل. فإنَّ الظباء لا تفر من نظيراتها الظباء. ولعلَّ (الظباء) الثَّانية محرفة عن القضاء. ويقصد الشاعر بسرب القضاء المفترسات كالأسود والذئاب وغيرها التي تطارد الظباء وتصيدها. ويقصد بالمدمجة الخيل التي يلحق فرسانها بها الظباء؛ لاصطيادها.
وضبط (طلبن)، بالبناء للمفعول. بضَمِّ الطَّاء، وكسر اللام.
إذا ما طلبن فخيل السباق
وإما طلبن فسفن النجاء
وَالصَّواب: أنها بالبناء للفاعل. فـ (طلبن) الأولى: بفتح الطَّاء واللام. وهو يقول: إنَّ ما نطلب به طرائدنا: هي الخيل السَّابقة التي لا يفوتها شيء؛ فبها ندرك مطلوبنا من أعدائنا، أو الصيد الذي نطرده.
أمَّا في حالة طَلَبِ عدونا لنا، فإنَّا نركبها؛ فننجوا بها. فهي -بالنسبة لنا- كسُفُن النَّجَاة. كسفينة نوح التي نجا بها كُل من ركبها.
وضبط (تمزج) بالبناء للمفعول؛ بضم التَّاء، وفتح الزَّاي
وحمراء تمزج في خدرها
بماء الصبابة ماء البهاء
والصَّواب: أنه بالبناء للفاعل. بفتح التَّاء، وضَمِّ الزَّاي.
وقد تكون من يصفها الشَّاعر هنا امرأةً؛ مِنْ نعتها أنها بيضاء مشربة بحمرة. وقد يكون هذا معنى مزجها ماء الصَّبابة والاشتياق؛ المعُبَّر عنه بـ (الحمرة)، بماء البهاء (البياض).
وإذا ما مشينا مع المحقق في هذره هذا؛ لَصارَ البيت الذي يليه مُقطَّعَ الأوصال عن سابقه؛ وهو البيت التَّالي:
تحذرني أجلي في السُّرَى
وهل كنت آمَنُهُ في الثَّوَاء؟
فإنك لو سألته: من هي التي تحذره؟ ومن أين سقطت إلينا؟؛ لما حَارَ جَوابًا.
وضبط (ذكاء) بفتح الذَّال؛ في البيت التالي، ص 15:
كأن سجاياه من نشرها
وإشراقها عَبَقٌ في ذكاء
والصواب أنه بضم الذَّال. والذُّكاء -بالضم-: الشَّمس. وهذا معنى تشبيه نشر رائحته، وإشراق وجهه بالعَبَق الفواح، والشَّمس.
وضبط (رخاء)، في البيت التالي، بفتح الرَّاء:
أهب لنا فيه ريح الندى
رخاء تخبرنا بالرخاء
والصَّواب: أنها رُخَاءً -بضمِّ الرَّاء-؛ وهي الرِّيح اللينة. فهذه الريح- ريح كرمه السَّمحَة اللينة تنبي عن الرَّخَاء -بفتح الراء-، وَهُوَ السَّعَة والرَّفاهية التي سيحظون بها منه.
وضبط (بريح) بتنوين الكسر، وضبط الميم الثانية في (سمائمها)، بِالضَّمِّ، في البيت التالي:
وَثَبتُ إذا ما الليالي انبرت
بريح سمائمها الجِرْبِياءِ
وهذا البيت أشكلَ علي معناه. فإن الجِربِياء، هي ريح الشمال الباردة. والسمائم: الرِّيح الحارة. وعلى قراءة المحقق تكون سمائمها هو الفاعل. فعلام جَرَّ الجربياء إذاً؟
فَلا سَبيلَ لجر (الجِربياء) إلا أن تكون مجرورةً على أنها مضاف إليه، وتكون (ريح) مضافة إلى (الجربياء)؛ فصل بينهما بالفاعل (سمائمها)؛ لضرورة الشِّعر.
فَكَأنَّ تركيب الجملة على هذا النحو: إذا انبرت سمائم الرِّيح الحارة بريح الجربياء الباردة.
فكأنَّ الشاعر شبه الخطوب والمحن بالرِّيح الحارة، وممدوحه بريح الجربياء الباردة التي تقف لها.
وفي الفصل بين المضاف والمضاف خلاف بين النحاة: الكوفيين، والبصريين. فالبصريين يقصرون الفصل بينهما بالجار والمجرور، والظَّرف، والكوفيون يجيزونه بغير ذلك أيضًا في ضرورة الشِّعر. ويستدلون بالشَّاهِد التالي:
فَزَججتُهَا بمزجَّةٍ
زجَّ القلوصَ أبي مزادة
فأصل الجملة: زَجَّ أبي مزادةَ القَلوصَ. وقد فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به (القلوص).
وحكى الكسائي عن بعض العرب: هذا غلامُ -واللهِ- زيدٍ. ففصل بين المضاف: غلام، والمضاف إليه: زيد، بحرف القسم والمقسم به: (والله).
فيكون ضبط (ريح) بالكسر؛ لا بالتنوين، كما ضبطها «المحقق»، و«الشَّارح». و(سمائمها): فاعل. وفعله (انبرت)، و(سمائم) مضاف، وهاء الضمير مضاف إليه. و(الجربياء) مضاف إليه. والمضاف هو: (ريح)؛ فُصِلَ بينهما بالفاعل: سمائمها.
وَضَبطَ (حاولته) بفتح اللام، وسكون التاء! وقال في الهامش رقم (6)، ص 15، من البيت:
كأن الخطوب إذا حاولته
تقطر منها بقطري حراء
=قال: تقطر: رمى بنفسه من علو. القطر: الجانب. حراء: جبل بمكة فيه الغار الذي تحنث فيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وَالصَّوَاب: (حاولنه) بنون النسوة الملحقة بالفعل (حاول). وهي عائدة إلى الخطوب. وضبط الشَّارح والمحقق يخل بالوزن.
ولا شك أنَّ «المحقق»، و«الشَّارح» في كُلِّ شروحه التي تبرع بها في هذا الهامش، وغيره= نَاظرٌ إلى المعجم، دون أن يكلف نفسه عناء النَّظَر في معنى البيت، وملاحظة السِّياق، ومدى ملائمته لِمَا ينقله حَرفيًّا من المعجم.
وما كان أغنانا أن يعرفنا بغار حراء، أو حتى غار ثور، وكان الأولى به أن يتجاوز التَّعريف بالمُعَرَّف؛ وهو غار حراء، إلى غيره من المعاني الغامضة والمبهمة في الديوان. فإنَّ الأطفال في مدارسهم الابتدائية يعرفون غارَ حراء.
وإذا كان (تقطر) في أحد معانيه سقط، أو رمى بنفسه من علو. فأيُّ معنى -بحسب تفسيره- بأن يرمي نفسه من علو بجانبي حراء؟!!
وَالصَّواب أنَّ الشَّاعر ضَمَّن الفعل (تقطر)؛ بتعديته إلى حرف الجر معنى أفلت، وتحصن. فَكأنَّ مَنْ وصفه الشاعر سقط من أيدي الخطوب، وأفلت عَائذًا منها بغار حراء الذي كان يعتزل به النبي -صلى الله عليه وسلم- المشركين، ويخلو بنفسه عنهم.
أو أن يكون معنى تقطر: أحاط نفسه من حوادث الدَّهر، كما يحيط قطرا (جانبا) غار حراء بمن يحل فيه.
وقد ألزمت القافية الشَّاعر بأن يذكر غار حراء، مع أنَّ الغار الذي حمى النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه من المشركين مع أبي بكر هو غار ثور.
وكما ساء المبتدأ، ساء الختام أيضًا. ففي خاتمة القصيدة؛ وهي هذان البيتان:
دعوتك والدهر مستلئم
يشوب الشجاعة لي بالدهاء
فكنت جديرًا بفضل الغنى
وكنت جديرًا بفضل الغناء
ضبط (كنت) الأولى بفتح التاء؛ على أنها تاء المخاطب في الفعل. والثانية: ضبطها بضم التاء على أنها تاء الفاعل. والصَّوَاب هو العكس.
فالشَّاعر يقول: إنَّ الدَّهر قد لبس له لأمة (درع)، وسلاح الحرب. وهذا معنى محاربته له.
وقد دعا الشَّاعر ممدوحه، ورجا بدعائه إياه أن يغيثه ويغنيه؛ فيكون الشَّاعر المستغيث جَديرًا بأن يغتني بإكرام ممدوحه له، والممدوح حَريًّا بكفايته له. وهذا معنى الغَنَاء.
لكن المحقق عكس القضية، وخالف بين الأمرين؛ وأعطى لكُلٍّ من الفعلين مُستحقَّهُ للآخر؛ فضبط (كنت) الأولى بفتح التاء فيها؛ على أنها تاء المخاطب؛ وهي تاء المتكلم. والثَّانية ضَمَّ تاءها على أنها تاء المتكلم؛ وهي تاء المخاطب؛ وحقها الفتح.
وصلى الله وبارك.



