حين تتحول المرحلة إلى بنية.. استقرارٌ قابل للإدارة أم دولةٌ قابلة للاستدامة؟
يبدو أن السعودية تستبقي لنفسها دورها المرحلي في الملف اليمني، وقدرتها على تجميع القرار السياسي والعسكري دون باقي القوى السياسية وقيادة السلطة السياسية التي تم تشكيلها بوعي مسبق بطبيعة الانقسامات المحلية، بل حتى المكونات العسكرية التي تنتظم في إطار القوات المسلحة اليمنية، والتي مازالت تبحث حتى اللحظة، على مستوى الخطاب، عن صيغة توافقية للمؤسسة العسكرية.
فكيف تنظر المملكة إلى اليمن؟
يبدو أن المملكة تنظر إلى الملف اليمني من منظور يتجاهل، بقصد، طبيعة الهشاشة الداخلية التي تنتجها الظروف القائمة، وبالتالي استحالة استدامة هذه الحالة.
المشكلة ليست أن السعودية لا تعرف هشاشة السلطة اليمنية؛ المشكلة أنها لا تتعامل مع هذه الهشاشة باعتبارها حالة انتقالية ينبغي تجاوزها، وإنما باعتبارها بيئة سياسية قابلة للإدارة. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى سلوكها تجاه السلطة السياسية لا باعتبارها سلطة انتقالية تعاني من ظروف طارئة تحول دون تحولها إلى سلطة قائمة بأدوارها الفعلية محليًا وسياسيًا وعسكريًا، وإنما باعتبارات تنطلق من مدى القدرة على السيطرة على أدوات القرار السياسي والعسكري من خلال إدارة التوازنات للقوى السياسية التي عمدت على تأثيثها بقصد مسبق على منطق التجميع السياسي والعسكري لمجموع من التناقضات المحلية غير القادرة على الاتساق العسكري والسياسي في إطار موجّه بشكل مستقل باتجاه خلق مركز سياسي وعسكري مستقل.
وعلى الرغم من حقيقة انطلاق مجموعة من مهددات الأمن القومي السعودي من اليمن، من خلال ما تمثله جماعة الحوثي لاعتبارات مختلفة، لا يمكن قصرها على اعتبارها منصة إيرانية متقدمة باتجاه السعودية، أو على التهديدات الموجهة نحو البحر الأحمر والممرات المائية فحسب. كما لا يمكن التغافل وغض النظر عن امتداد مشروعها المذهبي باتجاه مناطق الجنوب السعودي، وإن كان هذا في الإطار غير المنطوق بشكل أوضح، لاعتبارات تقوم على طبيعة نشأتها وهويتها السياسية والدينية التي لا تنحصر في أطر جغرافية إلا في سياقات مرحلية فحسب.
فكل شواهد المراحل السابقة، وتشظي المشهد السياسي والعسكري اليمني، وهشاشة السلطة السياسية وانعكاساتها المحلية في ضعف قدرة السلطة السياسية على إدارة الشؤون المحلية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، يظهر أن الرغبة السعودية لا تقوم على خلق مجال يمني مستقر وفق متطلبات المرحلة، بقدر ما تقوم على خلق مجال مستقر قادرة على ضبط إيقاعه: لا حرب شاملة تخرج القوى عن سيطرتها، ولا انهيار أمني كامل تتجه مهدداته إقليميًا، ومناطق حدودية مستقرة نسبيًا.
وبالتالي فإن وجود سلطة سياسية تحتكر، وفق منطق نشأتها البديهي، القوة والسلطة والقرار السياسي والعسكري، وتمتلك القدرة على اتخاذه وفق المشروعية الداخلية، يتناقض مع منطق إدارتها للملف اليمني حاليًا؛ ولا تجد حولها من ظروف إقليمية ودولية تستدعي تغيير هذا النمط من التعامل، وكأن إدارتها للملف اليمني لا تقوم إلا على شذوذ متغيرات السلطة السياسية القائمة.
وهنا تبدو المفارقة الأساسية: أن هذه الإدارة تغفل، بقصد، المطالب المحلية التي تبحث عن الخلاص من هذه الحالة، ولا تنظر السعودية إليها باعتبارها مرحلة شاذة يمنية يجب تغييرها، بل من منطق أن بقاءها، أي الحالة القائمة، يحفظ لها احتكار القدرة التجميعية للقرار السياسي والعسكري الذي تسيطر عليه، لا استقلاله.
فهي تعرف جيدًا هشاشة المجال اليمني، لكنها تنظر لذلك باعتباره معطى يمكن إدارته، لا باعتباره مشكلة يجب حلها من جذورها، وإعادة بناء صيغ التوافق وفق المطلب المحلي.
ولهذا لاتزال المؤسسة العسكرية تبحث، حتى على مستوى الخطاب، عن صيغة توافقية لتشكيلاتها المختلفة.
فالتعامل مع القوى المحلية لا يقوم على اعتبارها مجموعة قوى يجب إعادة صياغة وجودها في إطار منتظم تحكمه السلطة السياسية، بل كترتيب قوى محلية قادرة على ضبط مخرجاته إلى أن تتغير الظروف التي يجب التعامل معها.
وهو ما يفسر، في جانب منه، التعامل الظرفي مع تحركات المجلس الانتقالي في يناير هذا العام.
السعودية تستطيع إعادة توزيع القوة أسرع مما يستطيع النظام السياسي اليمني تحويل هذه القوة إلى مؤسسات.
والمفارقة أن هذا المنطق قد يحقق استقرارًا قابلًا للإدارة، لكنه لا ينتج بالضرورة استقرارًا قابلًا للاستدامة؛ لأن الاستدامة تقتضي في لحظة ما الانتقال من إدارة التناقضات إلى تجاوزها، ومن تجميع القوى إلى بناء المؤسسات، ومن احتكار القدرة على تجميع القرار إلى إنتاج مركز سياسي وعسكري يملك القرار ويستمد مشروعيته من الداخل.
لا بد من إخراج القوى السياسية والعسكرية من أطر التوافق إلى خلق صيغ عقدية سياسية وعسكرية قادرة على نظم المجال السياسي والعسكري اليمني خارج صيغ التوافق المعقدة والترتيبات المؤقتة واستلاب القرار الوطني، أو على أقل تقدير انجراره وفق متطلبات الآخر الإقليمي لا المعطى المحلي.
وهنا تكمن المفارقة الأخيرة: قد تستطيع السعودية أن تمنع انهيار الترتيب اليمني، لكنها لا تستطيع أن تجعل هذا الترتيب دولةً ما لم ينتقل القرار نفسه من منطق التجميع الخارجي إلى منطق الإنتاج الداخلي.



