خارطة الخلاص اليمنية: كيف ننتقل من تشخيص الداء الي مبضع الجراح..؟
حين يبلغ السيل الزبى وتضيق بالأنفاس الضلوع، تصبح البيانات الدبلوماسية المكررة وإحاطات المبعوثين الدوليين مجرد ركام من حبر بارد لا يدفئ طفلا تقرصه المسغبة في مخيمات النزوح، ولا يقدم سترا لبلاد تمزقها جغرافيا الحروب والخراب.
إن المأساة اليمنية تجاوزت منذ زمن مراحل الفحص السريري, فالجميع على المستوى المحلي والإقليمي والدولي يعرفون علة هذا الجسد، ويعلمون أن جذر الداء وعقدة المعضلة تكمن في مشروع جماعة الحوثي الانقلابية، التي اختطفت الدولة وحولت اليمن من مهد للحضارة إلى منصة لتهديد الملاحة الدولية واستهداف المنشآت الحيوية، مستخدمة السلاح والترهيب وحصار المدن وسياسة التجويع الممنهج لفرض سلطة أمر واقع بالقوة .
لكن المعضلة الراهنة هي أن الفاعلين الدوليين يصرون على الوقوف حول سرير المريض لتجريب مسكنات الهدنة الهشة، في مواطأة غير معلنة تمنح الحوثيين الوقت لترسيخ نفوذهم، وتعميق مأساة الشعب اليمني، وتحويل جبهات مأرب والحديدة وتعز وموانئ المخا إلى ساحات تصعيد مستمر عبر الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية .
إن التدخل الجراحي الحاسم لاستئصال هذا الورم لم يعد ترفا فكريا، بل هو ضرورة وجودية تتطلب التخلي عن الأوهام، وقراءة الإمكانات الداخلية والواقع الإقليمي والدولي الراهن بلغة المصالح الصارمة.
دوليا، أثبتت أحداث ومجريات الصراع أن المجتمع الدولي لن يقدم حلولا جاهزة، ولن يخوض حربا بالنيابة عن اليمنيين, فالقوى الكبرى حصرت اهتمامها في تأمين تدفق الطاقة وحماية سفنها في البحر الأحمر، متعاملة مع العرض ومتجاهلة المرض الجذري المتمثل في بقاء المليشيا مسيطرة على مفاصل الدولة وسواحلها.
وإقليميا، يدرك الجوار أن الاستقرار المستدام وأمن الحدود لا يصنعهما توقيع الاتفاقيات مع جماعات لا تحترم العهود، بل تصنعه القوة المتماسكة على الأرض.
بناء على هذه المعطيات، فإن أولى عتبات الخلاص لا تبدأ بانتظار الشفقة من الخارج، بل بتشكيل "كتلة إنقاذ وطنية صلبة" تنتزع اعتراف العالم بفرض أمر واقع جديد، وتتحرك على الأرض وفق إستراتيجية واقعية ترتكز على ثلاثة محاور:
المحور الأول، هو الانتقال الفوري من العقيدة الدفاعية المتراخية إلى العقيدة الهجومية الموحدة, إذ إن تشرذم القوى المناهضة للمشروع الحوثي وتعدد أجنداتها السياسية هو السلاح الأقوى الذي تستغله الجماعة للاستفراد بالجبهات وتدمير الموانئ التاريخية.
إن توحيد غرف العمليات العسكرية وربطها بقرار وطني جامع هو الكفيل بكسر غطرسة الكهنوت وإجباره على الانصياع. المحور الثاني، هو خوض "معركة الموارد" بجرأة, فلا يمكن بناء جيش أو تثبيت استقرار والمواطن يموت جوعا، وهو ما يتطلب إدارة الموارد السيادية من نفط وغاز وموانئ بشفافية صارمة تؤمن رواتب الموظفين والجنود، وتبني اقتصاد صمود يسحب من يد الحوثي سلاح الإفقار والجبايات والنهب الممنهج الذي يمارسه ضد المواطنين في مناطق سيطرته.
المحور الثالث، هو تقديم نموذج دولة حقيقي، عادل ونظيف في المناطق المحررة، يكون بمثابة الحافز والملجأ الجاذب الذي يغذي روح المقاومة الشعبية والشبابية الرافضة للكهنوت في الداخل، ويهيئ الشارع للحظة الصفر للانقضاض على سلطة القمع من تحت أقدامها.
ولأن الشعوب الحية قد تمرض لكنها لا تموت، فإن اللحظة التاريخية الراهنة تفرض على الوعي المجتمعي والشبابي اليمني انتزاع المبادرة وتجاوز عقم وفساد القيادات التقليدية التي أورثت البلاد الهلاك.
إن الشجاعة اليمنية لم تعجز يوما عن التضحية، ولكنها اليوم بحاجة إلى التنظيم الإستراتيجي وحسم الولاء للوطن أولا وأخيرا.
وحين تلتقي الإرادة الوطنية المخلصة مع القراءة الذكية للمتغيرات الدولية، سيمسك أبناء اليمن بمبضع الجراحة بأنفسهم ليطهروا جسد وطنهم، ويكتبوا بدمائهم وعرقهم فصل الشفاء والتعافي، لتسترد البلاد أنفاسها المسلوبة، ويشرق فجر الحرية والسيادة الكاملة من جديد فوق ربى سبأ وحمير.



