مؤتمرات البحر الأحمر بين الماضي والحاضر والمستقبل(4)
إذا كانت الحلقات السابقة شخصت أمراض البحر الأحمر المتمثلة في صراع المحاور واقتصاد الظل وحرب الكابلات، فإننا في هذه الحلقة سنسأل سؤالًا مختلفًا هو: كيف نحول البحر الأحمر والقرن الإفريقي من "نقطة توتر عالمية" إلى "منطقة سلام مستدام"؟ والجواب ليس في مزيد من الفرقاطات، والجواب أيضًا في 5 ملفات لم ترد في بيان ختامي واحد في المؤتمرات السابقة.
أولًا: ملف "السيادة على الجينات البحرية" -بنك الأدوية المسروق:
فالبحر الأحمر هو أغنى بحر في العالم بالكائنات "المتطرفة"، بسبب الحرارة التي تصل إلى 32°، والملوحة العالية، وتعيش فيه بكتيريا وطحالب تُستخدم اليوم في علاج السرطان وأدوية المناعة ومستحضرات التجميل، وفي سوق "الجينات البحرية" العالمي تجاوز 8.3 مليار دولار في 2025م. والمفارقة العجيبة أن تجد سفن بحث ألمانية وفرنسية ويابانية تأخذ عينات من أعماق سواحل اليمن وإريتريا والصومال سنويًا، ولا توجد اتفاقيات، ثم تقوم مراكز أبحاث تلك الدول ببيع البراءة بـ200 ألف دولار، ولا يوجد مؤتمر واحد ناقش إلى من تعود ملكية جينات البحر الأحمر؟
والمطلوب مؤتمر إقليمي للتوقيع على "الاتفاقية الإقليمية للجينات البحرية". وأي منتج يُكتشف من مياه الإقليم فـ50% من عائداته تذهب لصندوق "التنمية الساحلية المشتركة" لبناء مستشفيات ومدارس في القرى الساحلية.
ثانيًا: ملف "المدن الغارقة" -دبلوماسية التراث المغمور:
تحت مياه البحر الأحمر تاريخ عمره 3500 سنة. موانئ مملكة سبأ في المخا، وميناء عدن القديم، وموانئ إريتريا التي ربطت إفريقيا بالهند وروما، ومنظمة اليونسكو تقدر أن 80% من التراث البحري للبحر الأحمر غير مكتشف، وهذا التراث يمكن أن يتحول إلى "اليونسكو البحرية الأولى"، وسياحة غوص علمية تدر 3 مليارات دولار سنويًا، وتعمل على تشغيل 150 ألف شاب، لكن كل المؤتمرات تتحدث عن حماية السفن، ولا أحد يتحدث عن حماية "المدن الغارقة" من لصوص الآثار ومن مد الكابلات، والمؤتمر المطلوب مؤتمر "حماية التراث البحري المشترك"، وإنشاء "المتحف الإقليمي تحت الماء"، ويكون مقره في المخا أو عصب، وسيكون هذا المشروع مشروع سلام مستدام، لأن التاريخ لا يعرف حدودًا.
ثالثًا: ملف "البطارية الزرقاء" -كهرباء من الملح والحرارة:
البحر الأحمر يمتلك ميزتين لا توجدان مجتمعتين في أي بحر آخر، هما:
1. أعلى ملوحة في العالم، ويمكن توليد كهرباء من التقاء الماء المالح بالعذب بتقنية "التناضح العكسي".
2. فرق حرارة 22 درجة بين السطح وعمق 1000 متر: يكفي لتشغيل محطات طاقة حرارية بحرية.
فتخيل: كابل بحري يربط عدن بجيبوتي ببورتسودان بمصوع، سنصدر طاقة نظيفة للقرن الإفريقي كله، ونوقف حروب الكهرباء.
و13 مؤتمرًا ناقشوا "تأمين أنابيب النفط"، ولم يناقشوا كيفية "مد أنابيب الكهرباء الزرقاء"، والمؤتمر المطلوب هو مؤتمر "الشبكة الإقليمية للطاقة الزرقاء"، وبتمويل 2% من رسوم عبور السفن، يتحول البحر الأحمر من سبب للصراع إلى سبب للتكامل.
رابعًا: ملف "اللاجئ المناخي البحري" -من له حق اللجوء؟
ملفات المؤتمرات السابقة ناقشت لاجئي الحروب، ولم تناقش "لاجئي البحر". فهناك 3 قرى صيد في أرخبيل دهلك بإريتريا، و5 قرى في ساحل تهامة باليمن اختفت بالكامل بين عامي 2018 و2024، بسبب ارتفاع منسوب البحر، وتملح المياه الجوفية، وتتوقع مصادر أممية 2.1 مليون "لاجئ مناخي بحري" في سواحل الإقليم بحلول 2045م، فأين يذهبون؟ ومن يعوضهم؟
والمؤتمر المطلوب لحل هذه الإشكالية مؤتمر "الميثاق الإقليمي لحماية اللاجئين المناخيين البحريين"، وتأسيس صندوق دولي تموله شركات الشحن والتأمين البحري التي تربح 220 مليار سنويًا من هذا البحر، لتعويض من تضرر بسبب ذلك.
خامسًا: ملف "جامعة البحر الأحمر" -سلام العقول قبل سلام الحدود:
لا توجد جامعة واحدة في دول الإقليم الست، متخصصة في "علوم البحر الأحمر"، ولذلك تجد الطالب اليمني يدرس المحيطات وعلوم البحار في ماليزيا، وتجد الطالب الصومالي يدرس المصائد في تركيا، وتجد الطالب الإريتري يدرس الطاقة البحرية في الصين، ولا يوجد باحث واحد من دول الإقليم في قمة المناخ.
والمؤتمر المطلوب لحل هذه الإشكالية إنشاء "جامعة البحر الأحمر الإقليمية"، ويكون لها فروع في عدن وجيبوتي ومصوع وبورتسودان، وتخصصاتها البيئة البحرية والجيولوجيا والطاقة الزرقاء وإدارة الكوارث، وعندما يتخرج ابن جيبوتي وابن اليمن من نفس المختبر يصبح السلام مشروع تخرج، وليس بيانًا ختاميًا. وخلاصة الكلام تحتاج هذه المنطقة لسلام مستدام. فالإقليم لا يحتاج المؤتمر رقم 14 عن "الأمن البحري"، بل يحتاج لـ3 مؤتمرات جديدة لم تُعقد من قبل وهي:
1. مؤتمر "الاقتصاد الأزرق العميق": للجينات والطاقة والتراث.
2. مؤتمر "الإنسان" ويناقش قضايا اللاجئين المناخيين والمرأة والجامعات.
3. مؤتمر "دستور البحر"، وهو عبارة عن اتفاقية ملزمة تعتبر البحر الأحمر "كائنًا حيًا" له حقوق.
ولهذا، فالسلام المستدام لن يأتي إلا عندما نتفق على من يحرس البحر، وسيأتي السلام عندما نتفق على من "يعيش من البحر"، وكيف "نورثه نظيفًا للأبناء".
فالبحر الأحمر ليس خطًا أزرق على الخريطة، بل هو بنك أدوية وبطارية طاقة ومتحف للتاريخ، وبيت لـ200 مليون إنسان.



