بيروت.. شكل الرب حين يتعب

هبطت من الغيم
لا كمدينة
بل كجرح مفتوح على المتوسط
كانت السماء تبحث عن مرآتها
فاختارتك
وكان البحر بحاجة إلى اسم
فناداك
يا بيروت
يا ابنة الريح
يا أم الأبجدية
يا امرأة نسيت كيف تكون عادية
حين جئت كانت الصخور تصلي
وكان الملح يتعلم البكاء
لم تأتِ على صهوة فاتح
ولا في موكب نبي
بل تسللت كفكرة
إلى رأس العالم
زرعت قدميك في الرمل
وغرزت قلبك في التاريخ
ومنذ ذلك اليوم
وأنت معلقة
بين نبوءتين
وبين حربين
وبين نشيدين
كنت فينيقية
حين اخترعت الحرف
لتقولي
للبحر اكتبني
كنت رومانية
حين علمت القانون
كيف يحفظ أسماء القتلى
كنت عثمانية
حين لبست العباءة
وأخفيت المجاعة في أكمامك
كنت فرنسية
حين قبلتك باريس
وتركت في فمك طعم الوصاية
وكنت فلسطينية
حين دخل اللاجئ قصيدتك
وصار المنفى
بيتًا داخل بيت
يا بيروت
يا مدينة تمشي على عكازين
واحد من موسيقى
وواحد من رصاص
كل شارع فيك
سيرة ذاتية
كل نافذة
وصية
كل حجر
يتذكر اسمًا
علمت العالم
كيف تكون الحضارة هشة
وكيف تصير الطوائف جغرافيا
وكيف يتحول الوطن
إلى مائدة مفاوضات
علمتنا
أن الحرب لا تبدأ بالقذيفة
بل بالكلمة
وأن السلام
لا يأتي باتفاق
بل باعتذار متأخر
فيك
الرب ليس فكرة عليا
بل أم تبحث عن ابنها
تحت الأنقاض
فيك
الرب يمشي حافي القدمين
بين المستشفيات
فيك
الرب يخطئ الحساب
حين يترك المدينة بلا كهرباء
لهذا قلت
بيروت شكل الرب حين يتعب
تعب الرب من كثرة الدماء
فنام في مرفئك
تعب الرب من السياسيين
فاستعار حنجرة الشاعر
تعب الرب من الأمم المتحدة
فكتب بيانًا على جدار مهدم
هذه مدينة
لا تحتل
بل تستنزف
يا بيروت
كم مرة مت
وكم مرة عادوا يعدونك حية
كم مرة
غسلوا وجهك بالأسمنت
ونسوا دموعك تحت البلاط
كم مرة
قالوا الإعمار
وكانوا يقصدون النسيان
لكنك رغم كل شيء
تنهضين
ليس لأنك قوية
بل لأن السقوط صار عادة
تنهضين
بصدر مثقوب
وعلم مكسور
وأغنية ناقصة
تنهضين
كلاجئة في مدينتها
وأقول لك
كشاعر
بلا حزب
وبلا بندقية
وبلا منبر
يا بيروت
أنا لا أريد تحريرك
أريد أن أستعيد إنسانك
لا أريد علمك أعلى
أريد خبزك أرخص
لا أريد خطابك أجمل
أريد طفلك أكثر أمانًا
في البداية
لم تكن الحرب
كانت الجلسات الطويلة
والقهوة المرة
والإذاعات المعارضة
كانت الكلمات تتدرب على القتل
ثم فجأة
لكل حي علمه
ولكل مقهى قناصة
ولكل صلاة تفسيرها العسكري
انقسمت بيروت إلى نصفين
ثم إلى أرباع
ثم إلى شظايا
صارت المدينة مرآة مكسورة
كل قطعة ترى نفسها وطنًا
وترى الأخرى خيانة
يا بيروت
كيف تحول الجار إلى متراس
كيف صار الاسم تهمة
وكيف صار الدين بطاقة مرور
كانت الأمهات يخبئن أولادهن في الخزائن
والآباء يخبئون خوفهم في السجائر
وكانت المليشيات
توزع الموت بالتساوي
وتحتكر الحياة
دخلوا من الجنوب
بدبابات تتكلم العبرية
وبخرائط رسمها الغرب
دخلوا
وكان البحر شاهدًا
والسماء تصوت بالامتناع
يا بيروت
رأينا العالم كله
يضع يديه في جيوبه
رأينا العدالة
تطلب تأشيرة
رأينا الضحية
تحتاج إلى مترجم
في صبرا وشاتيلا
لم يكن القتل خبرًا
بل طقسًا
وكانت الجثث
تصطف كأنها تنتظر دورها في الحياة
هنا
دخلت فلسطين القصيدة نهائيًا
صار المخيم امتدادًا للمدينة
وصارت بيروت امتدادًا للمنفى
صار اللاجئ يحمل مفتاح بيت
لم يعد موجودًا
ويعلمه لأطفاله
كأنه سورة قصيرة
قالوا
انتهت الحرب
لكن البنادق لم تدفن
بل تغير لباسها
صار القاتل نائبًا
وصار الضحية صورة على جدار
قالوا
إعادة إعمار
لكنهم بنوا الأبراج
وتركوا الذاكرة في العراء
قالوا مصالحة
لكنهم تصالحوا مع أنفسهم
وتركوا القبور مفتوحة
يا بيروت
كيف يعاد بناء مدينة
من دون الاعتذار لها
كيف يكتب السلام
بالحبر نفسه
الذي وقعت به صفقات الدم
ثم
في مساء عادي
انفجرت السماء من داخلك
لم يكن انفجارًا
كان انكشافًا
انكشفت الدولة
والطبقة السياسية
والأمم المتحدة
والإنسان
طار القمح
وصار الغبار خبز الفقراء
طار الزجاج
وصارت الوجوه خرائط جديدة للألم
الأطفال كبروا خمس سنوات
في خمس ثوانٍ
والرب
جلس على الرصيف
يحاول جمع أعضائه
يا بيروت
في ذلك اليوم
لم يمت الناس فقط
مات الوهم
مات الصبر
مات معنى لاحقًا
والآن
نعيش على بطارية احتياط
الماء وعد
الكهرباء إشاعة
والعدالة نكتة سوداء
لكن رغم ذلك
مازالت امرأة تزرع ريحانًا على الشرفة
مازال شاب يعزف عودًا في شارع مهدم
مازال طفل يرسم شمسًا
أكبر من العمارات
يا بيروت
أنت لا تحتاجين معجزة
تحتاجين دولة
تحتاجين قاضيًا لا يخاف
تحتاجين مدرسة لا تفرق بين اللهجات
تحتاجين ذاكرة لا تباع
وأقولها أخيرًا
كشاعر سياسي
لا يملك إلا اللغة
بيروت
ليسن مدينة منكوبة
بيروت مشروع إنسان
تعرض للخيانة
بيروت
شكل الرب
حين يرفض الاستقالة
في الكرنتينا
كانت الجثث تعرف الطريق إلى البحر
في الطريق الجديدة
كان الخبز يتأخر
والرصاص يصل في موعده
في الأشرفية
كانت النوافذ تصلي للزجاج
في الضاحية
كانت الأمهات
يخبئن صور الشهداء في الأدراج
كي لا تعتاد العين
في عين الرمانة
تعلم الحجر
لغة المتاريس
وفي الحمرا
كانت المقاهي تناقش الثورة
بين قهوتين
وانقطاع كهرباء
يا بيروت
حتى شوارعك لها طوائف
حتى الأرصفة
تصوت
حتى المقابر
منقسمة
السياسي
لا يأتي من التاريخ
بل من شركات الإعلان
يرتدي البدلة
ويخفي السكين في البيان الوزاري
يتكلم عن الوطن
كأنه قطعة أرض للبيع
يتكلم عن السيادة
وفي جيبه مفاتيح السفارات
هو لا يرى الناس
يرى الأرقام
لا يسمع الصراخ
يسمع استطلاعات الرأي
يا بيروت
هم لم يسرقوا مالك فقط
سرقوا الوقت
سرقوا المستقبل
سرقوا معنى أن تكوني دولة
لكن الشعب
ليس صورة واحدة
الشعب هو المرأة التي تنظف الدرج كل صباح
رغم أن القذيفة قد تعود
الشعب هو السائق الذي يحفظ أسماء الحفر
الشعب هو الطالب الذي يدرس على ضوء الهاتف
الشعب هو اللاجئ
الذي صار أقدم من الدولة
الشعب هو العجوز
التي تحتفظ بمفتاح بيتها القديم
وتقول ربما
الشعب ليس الهتاف
الشعب هو التعب
كل يوم
تغادر قطعة من بيروت
طبيب
موسيقي
مهندس
شاعر
يطيرون
كأن المدينة تسلم أعضاءها للعالم
تصبح الطائرات
مقابر معلقة
يا بيروت
من سيبقى ليكتب أسماء الضحايا
حين يغادر الكتاب
وأنا شاعر سياسي
من بلد مؤجل
أقف أمامك
بلا برنامج
لا أعدك بانتصار
أعدك بالذاكرة
لا أعدك بالدولة
أعدك بقصيدة
تربك القاتل
أقول
يا بيروت
لسنا شعبًا فاشلًا
نحن شعب
تُرك وحده
في مختبر الطائفية
نحن لا نكره الحياة
لكن الحياة لم توقع عقدًا معنا
بيروت
إذا سقطت
لن يسقط مبنى
يسقط نموذج
يسقط ادعاء الحضارة
يسقط الشرق الأوسط كفكرة
لهذا أكتبك
ليس كمدينة
بل كقضية
ليس كأنثى جميلة
بل كعدالة مكسورة
ليس كذكرى
بل كمستقبل محتجز
بيروت
يا شكل الرب حين يتعب
وحين يصر على البقاء
نحن أبناء جرحك
نحن شهودك
نحن محاولتك الأخيرة
لتكوني وطنًا
بيروت
ليست مدينة
بيروت تجربة بشرية
بيروت تنقسم إلى مرايا
كل شارع يحمل بندقيته
كل بيت يصلي لقتيله
السماء أمريكية
والقنابل تتكلم عبريًا
وفرنسا كأم مزيفة
تعلم الأطفال نشيدًا لا يشبه أسماءهم
هنا تلتقي بيروت باللاجئ
ويصبح المنفى مضاعفًا
بيروت مدينة
في عباءة السلطان
والخبز في جيب الجندي
بيروت مدرسة القانون
لكن القانون يُصلب على أبوابها
بيروت
صور المرافئ
الأرجوان
الأبجدية
البحر كأول وطن
بيروت
ليست مدينة
بل كائن سماوي سقط على المتوسط
فتكسرت أجنحة الطوائف
وتحول دمه إلى حروب
بيروت
جسد
إله جريح
أم
ضحية
شاهدة تاريخ
الرب يتفتت
القمح يصبح غبارًا
والمدينة تصرخ باسمها
بيروت لا تموت
لكنها تقوم كاملة
تنهض بنصف قلب
ونصف علم
ونصف أغنية
بيروت
يا شكل الرب حين يتعب



