نحن... الطعام على مائدة الحروب
لم تعد الحروب في منطقتنا مجرد صراع بين طرفين، ولا مجرد خلاف سياسي ينتهي باتفاق على طاولة المفاوضات، بل ما يجري أعمق من ذلك بكثير، فخلف كل حرب شبكة متشابكة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، تتقاطع فيها الدول الكبرى واللوبيات ومراكز النفوذ وتجار السلاح وأصحاب المصالح، وفي مقدمتها الأحزاب، بينما يبقى الإنسان العادي، الذي لا يملك حزبًا أو ميليشيا أو شركة أو لوبيًا سياسيًا واقتصاديًا يحميه، خارج المائدة، رغم أنه في الحقيقة هو الطعام الذي يوضع عليها.
هذه هي الحقيقة الأكثر قسوة، التي يجب أن نمتلك الشجاعة لرؤيتها، نحن المواطنين المستقلين، الذين لا ننتمي إلى أحزاب سياسية أو مسلحة أو مليشيات، ولا علاقة لنا بمراكز القرار التي تقرأ عنّا تفاصيل يومية عن كيفية التخلص منا.
لا نستطيع شراء النفوذ السياسي أو الاقتصادي، ولا حتى المِنَح الدراسية. نحن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، مهما كنا متعلمين، ومهما كافحنا، ومهما حاولنا بناء حياتنا بأيدينا وبتعب، لا توجد قوة تحمينا عندما تبدأ الدول والجماعات واللوبيات في إعادة رسم الخرائط. قد يكون لدينا شهادة جامعية ومهنة وحلم وبيت صغير وأطفال ينتظرون مستقبلًا أفضل، لكن كل ذلك يمكن أن ينهار في لحظة عندما تبدأ الحرب.
والأكثر إيلامًا أن الإنسان المستقل والمنفتح على العالم لا يملك حتى رفاهية اختيار المعركة. هو لا يريد الحرب، لكنه يدفع ثمنها، لا يريد الهجرة، لكنه يُجبر عليها، لا يريد أن يصبح نازحًا أو لاجئًا، لكنه يخرج من وطنه كي ينقذ حياته، لا يريد أن يصبح غريبًا، لكنه يجد نفسه في مطار أو سفينة أو حافلة يحمل حقيبة صغيرة، تاركًا خلفه سنوات من عمره فقط لأنه يريد أن يعيش.
كم شابًا درس سنوات طويلة وتخرّج من الجامعة وما بعدها من الدراسات العليا، وحلم بوظيفة وبيت وأسرة، ثم وجد بلاده مغلقة أمامه وكأنه يعيش الغربة في وطنه؟ كم شابًا اضطر إلى مغادرة وطنه بعدما اكتشف أن الشهادة لا تكفي، وأن الكفاءة لا تكفي، وأن الاجتهاد لا يكفي عندما يصبح الاقتصاد تابعًا للحرب؟ وكم شابًا خرج من اليمن ولبنان والسودان وسوريا وليبيا وغيرها، لا بحثًا عن الثراء، وإنما بحثًا عن حياة طبيعية؟ هؤلاء الشباب لم يفشلوا، الذي فشل هو الوطن الذي لم يستطع أن يمنح أبناءه فرصة للحياة.
الحرب لا تقتل الإنسان فقط عندما تصيبه قذيفة، وإنما تقتله أحيانًا ببطء؛ عندما يفقد عمله، وعندما تنهار عملته، وعندما لا يستطيع دفع إيجار منزله، وعندما يهاجر أبناؤه، وعندما يموت حلمه، وعندما يصبح التعليم بلا قيمة، وعندما تتحول المستشفيات إلى أماكن عاجزة عن علاج الناس، وعندما يصبح أقصى طموحه أن يجد طريقًا للخروج.
وهنا نعود، على سبيل المثال، إلى لبنان، حيث قدّمت حرب تموز 2006 مثالًا واضحًا على أن الحرب لا تضرب الجبهات العسكرية وحدها، بل تضرب الحياة نفسها. يكفي أن تجعل سكانها يغادرون، واقتصادها يتوقف، ومؤسساتها تتعطل، وثرواتها تتحول إلى موضوع للصراع، ثم يأتي الآخرون ليتفاوضوا على مستقبلها. ولهذا فإن اتفاق تموز والقرار 1701 لا ينبغي النظر إليهما فقط باعتبارهما ترتيبات أمنية لوقف الأعمال العدائية، بل باعتبارهما محاولة لمنع الجنوب من التحول إلى ساحة مفتوحة لحرب جديدة. لكن المشكلة أن الهدن في منطقتنا كثيرًا ما تتحول إلى فترات استراحة بين حربين، بدلًا من أن تكون جسرًا إلى سلام سياسي واقتصادي دائم.
في بلادي اليمن تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، فبلد يمتلك موقعًا استراتيجيًا عند باب المندب، وسواحل وموانئ، وثروات نفطية وغازية وبحرية وزراعية ومعدنية، تحوّل إلى ساحة حرب مفتوحة منذ سنوات، وكلما ضعفت مؤسسات الدولة، أصبحت الجغرافيا والثروة والموانئ والموارد أوراقًا في يد قوى محلية وإقليمية ودولية. ومن المؤكد أن اليمن ليس بلدًا فقيرًا بطبيعته، وإنما بلد أُنهك حتى أصبح فقره جزءًا من الحرب، ولذلك فإن استمرار الصراع لا يعني فقط سقوط الضحايا، وإنما يعني تآكل قيمة الدولة نفسها، وتحويل مواردها إلى أدوات للصراع، وإطالة أمده من أجل بقاء أطراف الصراع في الحلبة، وبقاء المستفيدين الأكثر منه.
وفي ليبيا تداخلت الحرب مع النفط والموانئ والحدود ومناطق النفوذ، حتى أصبح الصراع على الدولة متشابكًا مع الصراع على مواردها. وفي السودان، بما يمتلكه من ذهب وأرض ومياه وثورةه حيوانيه وموقع استراتيجي، تحوّلت الحرب إلى استنزاف طويل يُضعف الدولة، ويهجّر السكان، ويخلق اقتصادًا موازيًا للحرب.
وفي سوريا أدى الصراع الطويل إلى تفكك اقتصادي وجغرافي وسياسي عميق، وأصبحت أجزاء واسعة من البلاد موزعة بين قوى ومناطق نفوذ متعددة، ومازال يعاني التشظي إلى اليوم. أما غزة فقد كشفت بأقسى صورة كيف تستطيع الحرب أن تدمّر الإنسان والمكان والاقتصاد في الوقت نفسه، بحيث تصبح إعادة بناء الحياة نفسها معركة طويلة، والهدف من ورائها الغاز والنفط اللذان تملكهما غزة.
ليست هذه الدول نسخة واحدة، وليست كل حرب فيها نتيجة قرار واحد أو مؤامرة واحدة، لكن القاسم المشترك الذي يستحق التأمل هو أن الدولة حين تضعف يصبح اقتصادها وثرواتها وجغرافيتها أكثر عرضة للتدخل الخارجي والمحلي. ومن هنا يصبح البارود جزءًا من اقتصاد سياسي أكبر، فهناك دول تبيع السلاح، وشركات تستفيد من العقود، وشبكات مصالح تستفيد من استمرار الفوضى، وقوى إقليمية تبحث عن مناطق نفوذ، ونخب محلية تربط مصالحها بمراكز خارجية، وليس من الضروري أن يتفق هؤلاء جميعًا على خطة واحدة حتى تُنتج مصالحهم المتقاطعة النتيجة نفسها دولة أضعف، واقتصادًا أكثر إنهاكًا، وثروة أكثر قابلية للسيطرة عليها.
ومنذ حرب العراق أصبح واضحًا أن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة بناء دولة مستقرة، فقد تكون الحرب قادرة على هدم نظام سياسي خلال أسابيع، لكنها تحتاج سنوات طويلة لإعادة بناء مؤسسات الدولة والمجتمع والاقتصاد، وقد لا تنجح أبدًا إذا تحولت البلاد إلى ساحة نفوذ إقليمية متنافسة.
والأخطر أن بعض القوى التي تستفيد من الحرب لا تحتاج إلى أن تتفق مع بعضها، يكفي أن تتقاطع مصالحها في لحظة معينة حتى تستمر دورة الصراع، لكن هناك فئة لا تدخل هذه الحسابات إطلاقًا. نحن، المواطن العادي، والصحفي المستقل، والمهندس، والطبيب، والمعلم، والعامل، والطالب، والشاب الذي درس وتعب وتخرّج، والمرأة التي بنت حياتها وحدها، وصاحب المشروع الصغير، وكل من لا يريد إلا أن يعيش من عمله بكرامة أو مشروعه، هؤلاء لا يملكون لوبيات سياسية واقتصادية، ولا جيوشًا، ولا شركات أو منظمات تحمي مصالحهم، وعندما تبدأ الحرب لا يكون لهم مقعد حول المائدة، لكن المفارقة أنهم هم المائدة نفسها.
قد يموتون سريعًا تحت القصف، وقد يموتون ببطء تحت الفقر والهجرة والمرض وانعدام الفرص، وقد يبقون أحياء جسدًا، لكن الحرب تأخذ منهم كل عام شيئًا؛ بيتًا، أو وظيفة، أو ابنًا، أو حلمًا، أو بلدًا، أو مستقبلًا. وهذا هو القتل الطويل الذي لا يظهر دائمًا في نشرات الأخبار والصحف اليومية.
شاب يغادر وطنه بعد خمسة عشر عامًا من الدراسة ليس رقمًا في إحصاءات الهجرة، إنه مشروع حياة فشل وطنه في الاحتفاظ به. طبيب يخرج لأنه لا يجد مستشفى آمنًا، ومهندس يخرج لأنه لا يجد عملًا، وصحفي يخرج لأنه لا يستطيع الكتابة بحرية، ومهدَّد لأنه يتحدث عن المصلحة العامة، وباحث يخرج لأنه لا يجد مؤسسة تموّل علمه، ومعلم يخرج لأنه لا يستطيع العيش من راتبه. كل واحد منهم يأخذ معه جزءًا من مستقبل الدولة، ويغادر. وعندما يغادر هؤلاء لا تخسر الدولة أشخاصًا فقط، بل تخسر المعرفة والخبرة والقدرة على إعادة البناء، ولهذا فإن الحرب لا تستنزف الحاضر فقط، بل تسرق المستقبل أيضًا. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدول هو أن يصبح شبابها هم أول من يغادرون، وآخر من يعودون، وحينها تصبح الأرض موجودة، لكن الإنسان الذي كان يستطيع بناءها لم يعد فيها.
لذلك، فإن الحديث عن السلام يجب ألا يقتصر على وقف إطلاق النار، فنحن بحاجة إلى سلام جذري وعادل، يحمي الاقتصاد، ويعيد بناء المؤسسات، ويضمن توزيع الثروة، ويحفظ حقوق المناطق، ويعيد الشباب إلى أوطانهم، ويعطي النساء حقوقهن، ويمنح المواطن المستقل مكانًا في الدولة، لا تابعًا لحزب أو جماعة أو محور.
وفي اليمن، فإن أي حل سياسي يجب أن يحافظ على وحدة الدولة، لكنه يجب في الوقت نفسه أن يعترف بحقوق المناطق والأقاليم في إدارة شؤونها وثرواتها ضمن دولة عادلة. والفيدرالية، عندما تكون جزءًا من صيغة متوافق عليها، ليست بالضرورة تقسيمًا للدولة، بل يمكن أن تكون وسيلة لمنع الانفجار، ومنع احتكار السلطة والثروة أو تشظّيها وسلبها.
ولأننا إذا رفضنا كل صيغة لتوزيع السلطة والثروة خوفًا من التقسيم، فقد ينتهي بنا الأمر إلى تقسيم حقيقي تصنعه الحرب، وإذا رفضنا السلام لأننا نريد انتصارًا كاملًا، فقد نخسر الدولة كاملة، وإذا رفضنا تقاسم الثروة فقد لا يبقى شيء ليتقاسمه أحد.
المشكلة أن أصحاب القوة يستطيعون دائمًا إعادة إنتاج أنفسهم بعد الحرب: تاجر السلاح يستطيع أن يبيع في حرب جديدة، والسياسي يستطيع أن ينتقل من تحالف إلى تحالف، والشركة تستطيع أن تعيد فتح فرعها، والدولة الكبرى تستطيع أن تعيد حساباتها. لكن الشاب الذي فقد ساقه لن يستعيدها، والأم التي فقدت ابنها لن تحصل على بديل، والشاب الذي هاجر لن يستعيد السنوات التي عاشها غريبًا، والبلد الذي خسر طبقته الوسطى يحتاج عقودًا كي يستعيدها.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: من انتصر ومن هو على حق؟ السؤال الأهم ماذا بقي للناس؟ هل بقيت دولة؟ هل بقي اقتصاد؟ هل بقيت ثروة؟ هل بقي شباب؟ هل بقيت طبقة وسطى؟ هل بقي قرار وطني مستقل؟ هل تم لم الشمل من الشتات؟ أم أننا بعد كل حرب سنجد أنفسنا أمام دولة مرهقة بلا قرار سيادي مستقل ونحن في اوطان تهددنا يومًا بعد يوم بالرحيل، وشعب مهاجر، وثروة موزعة بين مراكز النفوذ، ومواطن مستقل يقف خارج المائدة ينتظر ما يتبقى من الطعام؟
لقد آن الأوان لأن نفهم أن المستقلين ليسوا هامشًا في المجتمع حتى وإن جمعوا لوبيًا يدعمهم المجتمع الدولي، بل نحن الأغلبية التي لا تملك لوبيات تحميها، ولذلك يجب أن يكون وعينا هو أول لوبي لنا. إذا لم ندافع عن الدولة المدنية، وعن الاقتصاد المنتج، وعن توزيع عادل للثروة، وعن حق المواطن اليمني والمواطنة اليمنية، وعن حق الشباب في العمل، وعن حرية الصحافة، وعن التعليم، وعن السلام الحقيقي، وعن العلم والتنمية، فسوف تستمر المائدة نفسها في استقبال اللاعبين أنفسهم لعقود قادمة، بينما يتغيّر الطعام فقط، وسيكون الطعام في هذه المرة نحن.
قد نموت سريعًا تحت القصف، أو نموت ببطء تحت الفقر والهجرة والمرض وضياع المستقبل، لكن النتيجة واحدة: أن يصبح الإنسان المستقل هو الضحية الدائمة لصراعات لم يخترها، ويتعرض للتشهير والتشكيك من قبل اللوبيات الحزبية، رغم أنه يمني وابن هذا الوطن مثلهم تمامًا.
ولهذا، فإن أكبر معركة نخوضها اليوم ليست معركة السلاح، وإنما معركة أن نبقى بشرًا مستقلين، لليمن وبصوت واحد، وهو وقف الحرب، وأن تبقى لنا دولة، وأن يبقى لشبابنا مكان يعودون إليه، وأن تصبح الثروة وسيلة للحياة لا وقودًا للحرب. لأن الوطن الذي لا يستطيع حماية أبنائه وشعبه من الحرب والفقر والهجرة والقتل، لن يحتاج أحد إلى احتلاله، لأنه سيكون قد أُفرغ من الداخل. وحينها لن يجد المستقلون حتى مقعدًا على المائدة، لأنهم سيكونون هم المائدة.



