هارفارد تملك 56.9 مليار دولار… فأين أوقاف الجامعات اليمنية؟
هل كنت تعلم أن جامعة هارفارد العريقة تمتلك وقفًا ماليًا تبلغ قيمته نحو 56.9 مليار دولار؟
قد يبدو الرقم أقرب إلى ميزانية دولة منه إلى أموال جامعة، لكنه لا يمثل حسابًا مصرفيًا مفتوحًا أمام إدارة هارفارد لتنفق منه متى شاءت. إنه وقف استثماري ضخم، تكوّن على امتداد قرابة أربعة قرون من تبرعات الخريجين والمحسنين والمؤسسات، ثم أُدير بوصفه رأس مال دائمًا، تُستثمر أصوله ويُنفق جزء من عوائده، بينما يُحافظ على الأصل ليخدم أجيالًا لم تولد بعد.
في السنة المالية 2025 حقق وقف هارفارد عائدًا استثماريًا بلغ 11.9%، فوصلت قيمته إلى 56.9 مليار دولار. وأسهمت التوزيعات السنوية من الوقف بما يقارب 40% من الإيرادات التشغيلية للجامعة، فمولت المنح الدراسية، ورواتب الأساتذة، والمختبرات، والمكتبات، والبرامج الأكاديمية والبحثية وغيرها من الأنشطة.
ومع ذلك، لا تستطيع هارفارد التعامل مع هذه الثروة كما يتعامل مالك شركة خاصة مع أرباح شركته. فالجامعة مؤسسة تعليمية غير ربحية، ولا يوجد مساهمون يتقاسمون أرباحها. كل عائد تحققه يعود إلى رسالتها التعليمية والبحثية.
كما أن وقفها ليس كتلة مالية واحدة بلا قيود، وإنما يتكون من نحو 14,765 صندوقًا منفصلًا، خصص المتبرعون كل واحد منها لغرض معين. فقد يهب أحدهم أمواله لتوفير منح للطلاب الفقراء، ويخصص آخر وقفه لإنشاء كرسي علمي، بينما يختار ثالث تمويل مكتبة، أو مختبر، أو علاج مرض معين، أو مجال بحثي يرى أن مستقبل البشرية يحتاج إليه.
هنا لا يعود الحديث عن ثروة هارفارد مجرد حكاية مدهشة من الولايات المتحدة، بل يتحول إلى سؤال يخصنا مباشرة:
هل توجد أوقاف حقيقية ومستدامة لتمويل الجامعات اليمنية؟
والمقصود ليس تبرعًا عابرًا لبناء قاعة، أو مبلغًا يقدم في مناسبة، أو قطعة أرض تبقى سنوات بلا استثمار. المقصود وقف مؤسسي له أصول معروفة، وإدارة مستقلة، وحوكمة واضحة، وحسابات منشورة، وسياسة استثمارية، وعوائد سنوية ثابتة تُصرف على التعليم والبحث العلمي والطلاب والأساتذة.
في حدود ما هو منشور ومتاح علنًا، لا يبدو أن إحدى الجامعات اليمنية تمتلك صندوقًا وقفيًا مؤسسيًا كبيرًا يعلن بانتظام قيمة أصوله وعوائده وأوجه إنفاقه. وقد توجد أوقاف أو عقارات أو تبرعات تعليمية متناثرة، لكننا لا نكاد نرى نموذجًا متكاملًا يستطيع أن يقول للمجتمع: هذه أصول الوقف، وهذه عوائدها، وهذا عدد الطلاب والباحثين الذين استفادوا منها.
وهذا الغياب مثير للاستغراب؛ لأن الوقف ليس مفهومًا غريبًا عن ثقافتنا أو تاريخنا. فقد عرف المجتمع الإسلامي أوقاف المدارس والمساجد والمكتبات وطلاب العلم ونسخ الكتب وإقامة العلماء والرحالة. ولم يكن العلم في فترات طويلة منفصلًا عن الوقف، بل كان الوقف أحد أهم أسباب استقلال العلماء واستمرار المؤسسات التعليمية.
لكن مفهوم الوقف في مجتمعاتنا المعاصرة انحصر غالبًا في نطاق ضيق: بناء مسجد، أو شراء مصاحف، أو حفر بئر، أو إطعام محتاج. وكلها أعمال عظيمة ومشروعة، إلا أن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: لماذا لا يُنظر إلى المختبر العلمي بوصفه صدقة جارية؟ ولماذا لا يكون تمويل طالب الطب أو الفيزياء أو الهندسة وقفًا؟ ولماذا لا يُوقَف عقار لتمويل كرسي أستاذية، أو منحة دراسية، أو مكتبة جامعية، أو علاج مرض منتشر في اليمن؟
إن جهازًا علميًا يبقى في مختبر عشرين عامًا، ويتعلم عليه مئات الطلاب، وتخرج منه أبحاث تعالج أمراض الناس أو تحسن المياه والزراعة والطاقة، لا يقل أثرًا عن كثير من صور الخير التقليدية. والمال الذي يمول تعليم طبيب أو مهندس أو معلم قد يستمر نفعه للمجتمع عقودًا كاملة.
ليست المشكلة إذن في قلة المتصدقين وحدها؛ فاليمنيون ينفقون كثيرًا في وجوه الخير، داخل البلاد وخارجها. المشكلة في غياب الرؤية المؤسسية التي تنقل العطاء من صدقة آنية إلى أصل منتج، ومن مبادرة فردية إلى مؤسسة مستدامة، ومن إنفاق ينتهي باستهلاك المال إلى استثمار يبقى أصله وتتجدد منافعه.
كما أن المسؤولية لا تقع على المتبرعين وحدهم. فالواقف لن يضع ماله في مؤسسة لا يعرف كيف ستديره، ولا يثق باستقلالها، ولا يرى حساباتها، ولا يضمن استمرارها بعيدًا عن الفساد والصراع السياسي. ولذلك فإن تأسيس وقف جامعي يمني ناجح يحتاج إلى تشريع واضح، ومجلس أمناء مستقل، وإدارة استثمارية محترفة، وتدقيق مالي خارجي، وتقارير سنوية منشورة، وحماية قانونية تمنع الاستيلاء على أصوله أو توجيهها لأغراض أخرى.
ولا ينبغي انتظار ملياردير يتبرع بمئات الملايين. يمكن أن يبدأ الوقف بمساهمات صغيرة من آلاف الخريجين ورجال الأعمال والمغتربين وأعضاء هيئة التدريس. وقد يوقف شخص شقة، أو متجرًا، أو أرضًا زراعية، أو أسهمًا، أو مبلغًا نقديًا، ثم تُجمع هذه الأصول وتدار باحتراف. فالأوقاف الكبرى لم تولد كلها كبيرة؛ وإنما كبرت بالتراكم، والثقة، والإدارة الجيدة، ومرور الزمن.
تجربة هارفارد لا تقول لنا إن نجاح الجامعة يحتاج بالضرورة إلى 56.9 مليار دولار. إنها تقول شيئًا أبسط وأعمق: إن المجتمع الذي يريد علمًا قويًا لا يكتفي بتمويله عامًا بعد عام، بل يبني له أصولًا تبقى بعد رحيل الحكومات والمتبرعين والمديرين.
لقد أوقف الناس أموالًا كثيرة على ما رأوا فيه طريقًا إلى الخير. وحان الوقت لكي ندرك أن الجامعة أيضًا باب من أبواب الخير، وأن المختبر صدقة جارية، وأن المنحة الدراسية وقف، وأن الأستاذ الذي يتفرغ للبحث بفضل هذا الوقف يمكن أن ينفع أمة كاملة.
السؤال ليس فقط: هل يوجد وقف لجامعة يمنية؟
السؤال الأهم: لماذا لم نجعل العلم، حتى الآن، واحدًا من أكبر مصارف أوقافنا وصدقاتنا وتبرعاتنا؟
فالأمم لا تحمي مستقبلها بما تنفقه على حاضرها فحسب، بل بما توقفه للمعرفة، وتأتمن عليه الأجيال القادمة.



