من سبقٍ صحفي إلى صداقة عبر القارات
كتبت هذه السطور قبل عام، أثناء زيارتي إلى كندا، لكنها بقيت حبيسة ملاحظات هاتفي حتى اليوم.
أحياناً لا يدرك الصحفي إلى أين يمكن أن يقوده خبر يكتبه على عجل. فقد تظن أنك أنجزت سبقاً صحفياً وانتهى الأمر، لتكتشف بعد سنوات أنه لم يكن مجرد قصة إخبارية، بل بداية صداقة امتدت عبر القارات. وهذا تماماً ما حدث معي.
قبل نحو خمسة عشر عاماً، تعرّفت إلى صديقي الكندي رامان تشوبرا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى مدى سنوات، كنا نؤجل لقاءنا المرتقب عاماً بعد آخر، حتى شاءت الأقدار أن يجمعنا أخيراً في مدينة مونتريال.
رامان كندي من أصول هندية استقر في كندا مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وكرّس حياته للأعمال التجارية وخدمة المجتمع والعمل العام. وفي عام 2012 مُنح وسام اليوبيل الماسي للملكة إليزابيث الثانية تقديراً لإسهاماته في خدمة المجتمع الكندي. لكن ما الذي يمكن أن يجمع بين صحفي يمني ورجل أعمال كندي؟

بدأت الحكاية مع واحدة من أشهر محاولات الإرهاب في تاريخ الطيران المدني. ففي يوم عيد الميلاد، 25 ديسمبر/كانون الأول 2009، حاول النيجيري عمر فاروق عبد المطلب تفجير طائرة تابعة لشركة نورث ويست إيرلاينز كانت في طريقها من أمستردام إلى ديترويت.
وكانت شاما، زوجة رامان، من بين ركاب تلك الرحلة.

في ذلك الوقت، كان عبد المطلب قد أمضى عدة أشهر في اليمن، حيث درس اللغة العربية في أحد معاهد صنعاء بين أغسطس/آب وديسمبر/كانون الأول 2009، كما بقي في البلاد بصورة غير قانونية بعد انتهاء تأشيرته.
وعندما انتشر خبر محاولة التفجير، كنت من أوائل الصحفيين الذين وصلوا إلى المعهد الذي درس فيه. أجريت مقابلات مع مدير المعهد وعدد من زملائه، ونشرت تقريراً في صحيفة ذا ناشيونال، حيث كنت أعمل مراسلاً لها منذ انطلاقها عام 2008 وحتى 2012.
كان عبد المطلب قد أخفى المتفجرات داخل ملابسه الداخلية، وحاول تفجيرها على متن الطائرة التي كانت تقل 289 شخصاً. لكن العبوة لم تعمل كما خطط لها، وبدلاً من ذلك اشتعلت النيران في جسده، ليتمكن الركاب وأفراد الطاقم من السيطرة عليه قبل أن تتحول الرحلة إلى كارثة.
وخلال زيارتي إلى مونتريال، استمعت للمرة الأولى إلى رواية شاما الشخصية عن تلك اللحظات المرعبة. كانت تستعيد تفاصيلها وكأنها حدثت بالأمس: الذعر الذي عمّ المقصورة، وألسنة اللهب التي اندلعت من جسد المهاجم، والدخان الذي ملأ الطائرة، قبل أن ينجح الركاب في السيطرة عليه وإنقاذ حياة جميع من كانوا على متنها.
لكن تلك القصة الصحفية لم تنتهِ عند نشرها. فقد دفعت رامان إلى التواصل معي بحثاً عن مزيد من المعلومات حول القضية. وما بدأ باستفسار مهني تحوّل تدريجياً إلى صداقة حقيقية استمرت لأكثر من خمسة عشر عاماً، وربطتني برامان وزوجته شاما، التي أسست المعبد الهندوسي المحلي في المنطقة التي تقطنها ، و كانت مرشحة حزب المحافظين الكندي في الانتخابات البرلمانية عام 2011، في دائرة انتخابية نافست فيها جاستن ترودو، الذي أصبح لاحقاً رئيساً لوزراء كندا.
كما أتاحت لي هذه الزيارة فرصة لقاء الصحفي الكندي المخضرم روبرت فرانك وزوجته ريجين. فقد أمضى روبرت سنوات طويلة في هيئة الإذاعة الكندية (CBC)، حيث عمل في الأخبار التلفزيونية وبرامج القضايا الراهنة الإذاعية، كما عمل مراسلاً لصحيفة نيويورك تايمز في كندا. ونال لاحقاً وسام الفروسية في رهبنة القديس يوحنا تقديراً لأعماله الإنسانية. ورغم أن معرفتي به تعود إلى سنوات عبر رامان، وظللنا على تواصل متقطع، فإن لقاءنا وجهاً لوجه أضفى بعداً إنسانياً أعمق على علاقتنا، ورسّخ صداقة أعتز بها كثيراً.
غادرت مونتريال وأنا أحمل امتناناً عميقاً للعائلتين على حفاوة الاستقبال، وكرم الضيافة، والأيام الجميلة التي قضيناها معاً.
ومرة أخرى، أيقنت أن الصحافة لا تصنع الأخبار فحسب، بل تصنع صداقات جميلة.



