ميلاد نبوي يضيء بالخيال
كان يمكن لسؤال بسيط أن يحسم الحكاية منذ البداية، في أي يوم ولد محمد بن عبدالله؟ لكن الروايات التي وصلت عن مولده لا تمنح التاريخ تلك البساطة. المعروف في الروايات أنه وُلد في عام الفيل، نحو عام 570 ميلادية، بينما ظل اليوم والشهر موضع خلاف بين الإخباريين.
يقول جمهور المحدثين ومنهم ابن إسحاق وابن كثير والقسطلاني إنه ولد في الثاني عشر من ربيع الأول، بينما تنسب روايات إلى مالك والزهري وابن حزم القول بأنه كان لثمانٍ خلون منه، ويراه ابن عبد البر والواقدي لليلتين خلتا، وينقله ابن عساكر عن أبي جعفر الباقر لعشر خلون.
ثم يخرج الزبير بن بكار عن ربيع الأول كله فيضع الميلاد في رمضان، فيما ظهرت أقوال أخرى في صفر والمحرم. وحتى تاريخ الثاني عشر من ربيع الأول لم يسلم من الحساب، إذ رأى محمود باشا الفلكي والمباركفوري والخضري أن هذا اليوم لا يوافق يوم الاثنين، وأن التاسع أقرب إلى الحساب الفلكي.
هذا التشتت في تاريخ يوم الميلاد يفتح سؤالاً أكبر من التقويم نفسه. يبدو أن التفاصيل الدقيقة للولادة لم تكن في مركز اهتمام المسلمين الأوائل، ثم أخذت المسألة تتضخم في مراحل لاحقة حين أصبحت المناسبات الدينية الكبرى جزءاً من الذاكرة العامة والمشهد السياسي والثقافي.
لكن الأكثر إثارة من اختلاف الأيام هو ما حدث للرواية نفسها. فمع مرور الزمن لم تعد ولادة طفل في مكة كافية للسرد الإخباري. كان لا بد من علامات تسبق الرجل الذي سيصبح نبياً، وأن يبدو العالم منذ اللحظة الأولى كأنه يعرف ما سيحدث.
هنا تبدأ ليلة المولد في الاتساع.
نقرأ في روايات السيرة أن نار فارس خمدت بعد أن ظلت مشتعلة ألف عام، وأن إيوان كسرى اهتز وسقطت شرفاته، وأن أصنام مكة سقطت على وجوهها، وأن نوراً ساطعاً خرج مع الولادة حتى أضاء قصور الشام. وأضيف إلى ذلك أن إبليس حُجب عن السماوات التي كان يقال إنه يرتقي إليها لاستراق السمع.
نضع هذه الصور جنباً إلى جنب. طفل يولد في مكة، وفي اللحظة نفسها تنطفئ نار فارس، ويرتجف إيوان الملك، وتسقط أصنام مكة، ويصل نور الميلاد إلى الشام، وتغلق أبواب السماء أمام إبليس. نحن أمام بناء قصصي يتجاوز تسجيل حادثة ولادة إلى إعادة ترتيب العالم كله حول المولود.
السؤال هنا لا يتعلق فقط بإمكان وقوع الخوارق، وإنما بتاريخ الرواية نفسها. متى ظهرت هذه الأخبار؟ وكيف انتقلت؟ وما الذي جعلها تعيش وتنتشر وتصبح جزءاً من الصورة المألوفة للمولد؟
لنأخذ موتيف النور. الرواية التي تجعل نوراً يخرج مع الولادة ويضيء الآفاق تحمل تشابهاً لافتاً مع تقاليد زرادشتية عن ولادة زرادشت. في كتب مثل "دينكرد" و"زاتسبرام" يظهر نور إلهي من بيت والدي زرادشت، وتحتفي الطبيعة والحيوانات بالحدث، وتذكر بعض الروايات أنه ولد ضاحكاً. وتظهر صورة قريبة من ذلك في بعض الروايات الشعبية والمتأخرة عن مولد النبي محمد.
التشابه وحده لا يكفي لإثبات اقتباس مباشر. المخيال الديني في الشرق الأدنى عرف طويلاً فكرة النور الذي يسبق ولادة الشخصية المقدسة، ولذلك يمكن أن يكون الموتيف قد انتقل بين الثقافات، أو نشأ في بيئات مختلفة من حاجة سردية متشابهة. المهم أن رواية المولد الإسلامي جاءت محملة بعناصر يعرفها جمهورها من قصص الأنبياء والملوك والمخلّصين.
ثم تأتي نار فارس وهي أكثر وضوحاً من حيث وظيفتها الرمزية. النار مرتبطة في الرواية بالمقدس الفارسي، وإخمادها في ليلة مولد النبي يجعل ولادته علامة على انطفاء عالم قديم. أما إيوان كسرى، رمز القوة الساسانية، فإن اهتزازه وسقوط شرفاته يضعان الإمبراطورية نفسها داخل مشهد الميلاد.
نترك الواقعة للحظة وننظر إلى زمن تدوينها. جاءت هذه الحكايات في بيئة إسلامية عاشت احتكاكاً عميقاً بالتراث الفارسي بعد سقوط الدولة الساسانية. ومن السهل أن نفهم جاذبية رواية تجعل انهيار عرش الأكاسرة متصلاً بميلاد النبي، حتى لو كان الحدثان يفصل بينهما تاريخ طويل. النتيجة السياسية هنا تتحول إلى نبوءة بأثر رجعي، ويصبح انتصار الإسلام على الإمبراطورية جزءاً من علامات ظهوره الأولى.
وتتكرر البنية نفسها في سقوط الأصنام. الصورة شديدة الوضوح، تماثيل الآلهة القديمة تهوي أمام مقدم الدين الجديد. ولها نظائر في تقاليد دينية أقدم، منها ما ورد في بعض النصوص المسيحية المنحولة عن سقوط تماثيل مصر عند دخول العائلة المقدسة إليها. وفي قصة حجب إبليس عن السماوات يظهر موتيف آخر من صراعات النور والظلام المعروفة في الثقافات الدينية القديمة.
حتى قصة حليمة السعدية لم تسلم من هذا التوسع القصصي. أصل الرضاعة معروف في السيرة، بينما أضيفت إلى الحكاية تفاصيل الوفرة والخصوبة وتدفق اللبن في الأغنام الهزيلة، وهي عناصر مألوفة في الحكايات القديمة التي تربط ولادة الشخصية المقدسة ببركة تحل على الأرض والحيوان.
تصبح الرواية نفسها وثيقة تستحق القراءة، حتى حين يصعب اعتمادها سجلاً حرفياً للحدث. فهي تكشف كيف أراد الرواة أن يتذكروا المولد، وكيف استعان الخيال الديني بعناصر متداولة في محيطه الثقافي ليمنح الولادة معنى يتجاوز مكانها.
ولا يعني هذا إسقاط قيمة الروايات في الوعي الإسلامي، كما لا يعني أن كل تفصيل فيها نشأ من مصدر أجنبي محدد. التمييز بين الواقعة والرواية هو ما يسمح بفهم المادة على نحو أدق. مولد النبي حدث تاريخي، أما النور الذي بلغ الشام، ونار فارس التي خمدت، وإيوان كسرى الذي اهتز، فسيرة أخرى تشكلت حول ذلك الحدث.
ومع الوقت صار التاريخ أقل وضوحاً من الحكاية. اختلف الرواة في اليوم والشهر، بينما اتفقت الذاكرة على أن الكون نفسه كان ينتظر المولود. وبين فراغات التاريخ وامتلاء الخيال نشأت صورة المولد التي عرفتها الأجيال اللاحقة، صورة لا تخبرنا فقط عن الطفل الذي ولد في مكة. تخبرنا أيضآ عن المجتمعات التي أرادت أن تجعل من ولادته بداية لزمن جديد.



