الثلاثاء 1 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • الفن اليمني.. حين تتجاوز الأغنية حدود المكان والدين

الفن اليمني.. حين تتجاوز الأغنية حدود المكان والدين

كنت أرتشف الشاي بدون سكر في عصر يوم استمر فيه المطر نحو ساعة، عندما مرت من أمامي دراجة نارية يقودها شاب، يصدح من صوتها غناء ثلاث شقيقات فنانات يهوديات من أصول يمنية. كنت قبل دقائق أتصفح يوتيوب، واستمعت إلى عدة أغانٍ لهن في حفلات عامة.

مصادفة استثنائية، لكن الفن اليمني الذي يقدمه فنانون يهود تعود أصولهم إلى عدة مناطق في اليمن، يعبر الحدود والطوائف والأديان ليصل إلى الإنسان اليمني. الفن لا يعرف الحدود، ويستطيع أن يصنع تعايشاً متميزاً لمجرد أن تستمع إليه.
الشقيقات الثلاث "تائير، ليرون، وتاغيل حاييم" تعود أصولهن إلى اليمن، وتحديداً إلى مدينة إب اليمنية.
جيل الستينيات والسبعينيات وحتى التسعينيات من القرن الماضي كان يشعر بالانتشاء والسعادة وهو يسمع أغانٍ يمنية قدمها فنانون يهود، وما تزال الذاكرة الشعبية تتذكرهم، مثل "شمعة" و"عفراء هزاع" وغيرهما الكثير. لم يكن الدين عائقاً أمام الانتشار والتوسع والحضور؛ تلاشت مشاعر العنصرية والمصطلحات الاجتماعية، وحضر الفن. وفي مقياس الأذن الموسيقية والطرب الشعبي، لا شيء له مقاييس أو معايير غير معيار الفن والقدرة على الإطراب.
باب القاع (قاع اليهود الشمالي بمدينة ذمار)- النداء
باب القاع (قاع اليهود الشمالي بمدينة ذمار)- النداء
جيل الألفية أيضاً استمع إلى أصوات يهودية، وجيل اليوم يستمع كذلك إلى الفن اليمني بأصوات يهودية. لا شيء يقف أمام الحضور الفني، ولا شيء مختلف غير أذن المستمع.
ربما أهم خصائص الفن اليمني اليهودي في الحقبة الحديثة هو الحفاظ على الطابع التراثي للطرب الشعبي، بموسيقاه ومفرداته، رغم صعوبة نطق بعض الكلمات، ومحاولات مزج الفن الحديث والموسيقى الإيقاعية الحديثة مع النمط الموسيقي التراثي اليمني، ليكون المنتج النهائي جميلاً واستثنائياً.
أسكن في منزل بحي قاع اليهود وسط مدينة ذمار، وهو حي شعبي، حتى خمسينيات القرن الماضي كان يقطنه اليهود، قبل مغادرة الكثير منهم إلى فلسطين في عملية أُسميت يومها "بساط الريح".
ما يزال الحي يحتفظ بجزء من أصالته التاريخية والمعمارية، ولم تستطع المتغيرات أن تطمس ذلك التاريخ، بل زادت من أصالته وحضوره الشعبي. وبين الفينة والأخرى ينهدم جزء من المكان، "منزل، جسر، سور"، لتحل محله أحجار الطوب والمباني الخرسانية. يزحف الإسمنت على منازل الحي اليهودي، ويقضي على المكان بصمت ودون اكتراث.
بُني الحي اليهودي، أو ما يُعرف بقاع اليهود وسط مدينة ذمار، من الطين والأحجار، ودُعم بالأعمدة الخشبية، ويعود تاريخه إلى ما قبل الحكم الملكي لليمن "المملكة المتوكلية اليمنية" – وفق ما تشير إليه بعض الروايات المتواترة.
باب القاع (قاع اليهود الشمالي بمدينة ذمار)- النداء
باب القاع - النداء
فقد كان الجزء الجنوبي من حي الجراجيش يقطنه اليهود. وكانت مدينة ذمار تضم ثلاثة أحياء: "الجراجيش، الحوطة، المحل"، قبل أن يتم بناء حي اليهود في الجزء الشرقي من حي "الحوطة"، في الجهة الشرقية من مدينة ذمار. وأُحيط الحي بأسوار وعدة بوابات، أبرزها البوابة الشمالية التي ما تزال قائمة حتى اليوم.
لم يعد من ملامح الحي غير المنازل الطينية المتلاصقة، والأزقة الضيقة، والبوابة الشرقية، وكذلك البوابة الجنوبية، فيما التهم الإسمنت الكثير من ملامح الحي.
بين جدران المكان إيقاع مختلف تشير إليه التفاصيل المتبقية. فإحدى الروايات الشعبية عن الحي تقول إن بعض اليهود، لدى مغادرتهم نحو إسرائيل، خبّؤوا أموالهم في جدران المنازل وإسطبلات بيوتهم، على أمل العودة إليها يوماً ما.
أحد الملاك الجدد لمنزل كانت تقطنه أسرة يهودية، لدى إصلاح أحد جدرانه، وجد خزنة، لكنها كانت فارغة إلا من آلة موسيقية؛ آلة الطرب، التي تُعرف أيضاً باسم القنبوس أو العود اليمني القديم.
ربما كان اليهودي الذي كان يسكن المنزل صاحب ذائقة موسيقية جميلة؛ فمن النادر أن يمتلك يمني قبل نحو سبعين عاماً آلة موسيقية من دون أن يجيد العزف عليها.
غادر اليهود اليمن، أو جزء كبير جداً منهم، وبقي فنهم وحضورهم التراثي في الذاكرة الجمعية اليمنية، حياً ومتجدداً من جيل إلى آخر. أغاني اليهود هي، ربما، موسيقى الحنين إلى الوطن السابق، أو إلى ذكريات الآباء والأجداد في بلد أنهكته الحروب والصراعات.