اليمن في "حروب دولة الرسول"
يقدّم المفكر المصري الراحل سيد القمني في كتابه «حروب دولة الرسول» دراسة تاريخية تحليلية مثيرة للجدل، يتناول فيها الغزوات والحروب النبوية من منظور مادي وسياسي واقتصادي، بعيدًا عن السردية الدينية التقليدية.
قد يختلف القارئ مع كثير مما أورده القمني، وقد يثار الجدل حول الكاتب ومنهجه وقراءته للتاريخ، لكن ما يعنينا هنا ليس الاتفاق معه أو الاختلاف، وإنما محاولة قراءة البعد الاستراتيجي في تأسيس الدولة الإسلامية الأولى، وموقع اليمنيون في ذلك التصور.
فمن اللافت أن اليمن، بجغرافيته وإنسانه وموقعه وثقله الحضاري، كان حاضرًا بصورة مبكرة ومهمة في مشروع الدولة الإسلامية الناشئة منذ ان كانت فكرة نظرية، وأن التعامل معه لم يكن مجرد امتداد دعوي أو ديني، بل ارتبط أيضًا بحقائق الجغرافيا والسياسة والاقتصاد والإنسان ورؤية المستقبل منذ التأسيس.
لقد أدرك الرسول ﷺ أهمية اليمن ومكانته، وتعامل مع اليمنيين دون سواهم باعتبارهم ككتلة بشرية القوة الرافعة، وكجغرافية حجر الزاوية والعنصر الاهم في نشر الدعوة وفي بناء الدولة الجديدة، وهو ما يؤكد القراءة الاستراتيجية العبقرية والمكانة التي حظي بها اليمن وأبناؤه في بدايات التاريخ الإسلامي.
وهنا تكمن المسألة التي تستحق التأمل اليوم:
ما هي المقومات التي جعلت اليمن ذا أهمية استراتيجية في ذلك الزمن؟
الموقع الجغرافي، والامتداد البحري، والطرق التجارية، والثقل البشري، والتنوع الجغرافي، والتاريخ الحضاري، والثقافة الغزيرة، والقدرة على التواصل مع محيطه الإقليمي في ضفتي البحر الأحمر؛ كلها عناصر لم تكن طارئة، ولم يصنعها عصر معين، وإنما هي خصائص ثابتة تفرد بها اليمن دون سائر دول محيطه الاقليمي، سبقت الإسلام وما زالت قائمة إلى اليوم.
ولهذا فإن قراءة اليمن في سياق نشأة الدولة الإسلامية لا ينبغي أن تكون مجرد قراءة دينية أو تاريخية، بل يمكن أن تكون أيضًا مدخلًا لفهم كيف تُقرأ الجغرافيا والإنسان والموقع باعتبارها عناصر قوة استراتيجية دائمة وثابتة.
والأهم أن هذه المقومات لا يمكن أن تختفِ.
فاليمن الذي كان يمتلك تلك المزايا قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، ما يزال يمتلك الموقع نفسه، والإنسان نفسه، والجغرافيا نفسها، والممرات البحرية نفسها، والعمق الحضاري نفسه، وإن تغيرت الظروف السياسية من حوله.
بل يمكن القول إن أهمية بعض هذه المقومات ازدادت اليوم بصورة هائلة مع تطور التجارة العالمية وتغير موازين القوة في المنطقة والعالم وازدياد أهمية الممرات البحرية والمواقع الجيوسياسية.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
لماذا عجز اليمنيون، ومعهم العرب والمسلمون، عن تحويل هذه المقومات إلى قوة ونفوذ ومشروع حضاري متجدد؟
ربما لأننا تعاملنا مع الجغرافيا باعتبارها قدرًا، لا باعتبارها فرصة، ومع التاريخ باعتباره ماضيًا، لا باعتباره مصدرًا لفهم المستقبل.
لقد امتلك اليمن مقومات القوة، لكنه افتقد طويلًا إلى مشروع سياسي يعرف كيف يوظفها. وتحوّل الموقع الذي كان يمكن أن يكون مصدر قوة إلى ساحة صراع، وتحولت الثروات إلى عامل تنافس، وتحول الإنسان الذي كان يمكن أن يكون أعظم عناصر القوة إلى وقود للحروب والانقسامات العبثية.
وهنا لا تكمن المشكلة في غياب المقومات، بل في غياب الوعي بها وغياب المشروع القادر على استثمارها.
نحن كيمنيين، قبل غيرنا، بحاجة إلى أن نعيد اكتشاف أنفسنا.
أن نقرأ اليمن لا باعتباره بلدًا فقيرًا ينتظر المساعدات، ولا ساحة حرب تنتظر التسويات، ولا جغرافيا تتنازعها القوى الإقليمية، بل باعتباره بلدًا يمتلك من عناصر القوة ما يمكن أن يجعله الدولة المحورية في الجزيرة العربية والقرن الأفريقي والبحر الأحمر على الأقل.
وهذه ليست دعوة إلى استعادة الماضي كما هو، وإنما إلى استعادة الثقة بالذات وقراءة الإمكانات بواقعية وبناء مشروع دولة يتناسب مع حجم اليمن وموقعه وإمكاناته.
فالمقومات التي كانت موجودة قبل قرون ما تزال موجودة اليوم، وربما أصبحت أكثر أهمية.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: ماذا كان اليمن في الماضي؟
بل ماذا يمكن أن يصبح اليمن إذا عرف اليمنيون أخيرًا قيمة ما منحهم الله من موقع وإنسان وثروة وتاريخ؟
قد لا يكون المطلوب أن نبحث عن يمن جديد، بقدر ما نحتاج إلى أن نكتشف اليمن الذي نملكه أصلًا.



