"تعزجراد"… جغرافيا الشعلة وملحمة الحرية
كنتُ صادقًا حين قلتُ قبل ثلاثة أسابيع: تعز جغرافيا الشعلة ورمزية الخلود. واليوم أقولها بوعيٍ أشدّ بما تحمله الكلمات من وجع ومسؤولية؛ فهذه المدينة يكتب أبناؤها معناها بصمودهم، وتحرس نساؤها وأطفالها وشيوخها حقَّها في الحياة، يومًا بعد يوم.
حين تُقلّب البصر في خارطة تعز، تتراءى لك الأرض كأنها شعلة؛ وحين تُقلّب صفحات تاريخها، تدرك أن لهذه الشعلة جذورًا في الوعي، وفي الكرامة، وفي ذلك العناد النبيل الذي يجعل الإنسان يقف دفاعًا عن بيته ومدينته، مهما اشتدّ عليه الخوف.
تعز… ملح اليمن، وضميره الذي يأبى الصمت.
من مدارسها خرج الوعي، ومن بيوتها خرج أصحاب الفكر والعمل، ومن دروبها مضى أبناؤها إلى جهات الأرض، يحملون علمهم وكدحهم وأحلامهم. أعطت اليمن من روحها، وظلّت، على كثرة ما أعطت وما نزفت، قادرةً على أن تمنحه معنى النهوض.

ومن ذرى صبر، يبدو المشهد كأن الجبل يحرس عهدًا قديمًا بين المدينة وأهلها: أن تبقى للإنسان كرامته، وللكلمة حريتها، وللوطن وجهه الذي يعرفه أبناؤه.
ثم جاءت الحرب، فصار لهذا العهد امتحانه الأقسى.
في الأزقة والبيوت، وعلى الطرقات والمتاريس، وقف المدافعون عن مدينتهم. وراء كل واحدٍ منهم بابٌ يريد أن يعود إليه، وأمٌّ تنتظر، وطفلٌ يستحق أن يكبر بعيدًا عن صوت الرصاص. يعرفون ثمن الحرب لأنهم يدفعونه من أعمارهم وأحبابهم؛ ولهذا يعرفون قيمة الحياة التي يدافعون عنها.
هنا تتجلّى ملحمة "تعزجراد"
ملحمة المدينة التي أثقلتها الجراح، وظلّ أهلها يفتحون نافذةً للضوء؛ التي ضاقت بها سبل العيش، واتّسع فيها معنى التكافل؛ التي حاولت الحرب أن تختصرها في أخبار الموت، فأصرّت أن تحتفظ بمدارسها وكتبها وأغانيها وأحلام صغارها.
ولذلك، فإن أعظم ما في صمودها هو قدرتها على حماية روحها: أن يبقى الدفاع عن الكرامة وفاءً للإنسان، وأن يظلّ السلام العادل غايته، وأن تبقى المدينة التي تستحق الحياة أكبر من الحرب المفروضة عليها.
إلى من راهنوا على إخضاع تعز:
انظروا إلى ما صنعت أيديكم، ثم اسألوا أنفسكم: أيُّ مجدٍ في بيتٍ مهدّم؟ وأيُّ شرعيةٍ يمنحها خوف طفل؟ وأيُّ مستقبلٍ يمكن أن يقوم على إذلال الناس وقطع أسباب حياتهم؟
قد تُثقِل القوة مدينةً بالجراح، لكن الجراح لا تمنح المعتدي حقًّا فيها. وقد يطول الحصار، لكن طولَه شاهدٌ على قسوته، وعلى فشل أصحابه في كسب إرادة أهلها.
تلك هي الحقيقة التي تحرج خطابكم وتكشف خواءه: أن المدينة التي أردتم كسرها ما زالت تجد من يدافع عنها، وأن الإنسان الذي أردتم إخضاعه ما زال يعرف حقّه، وأن كلَّ يومٍ تُمعنون فيه في الحرب يزيد السؤال وضوحًا: ماذا بقي من حجّتكم، حين صار أذى الناس وسيلتكم إلى الحكم؟
كان عليكم أن تقرؤوا معنى الصمود في ذاكرة اليمن، وأن تتأملوا ما بقي في وجدانه من ملحمة السبعين يومًا دفاعًا عن صنعاء والجمهورية. فالمدن التي يحمل أبناؤها مسؤولية الدفاع عنها تملك من أسباب البقاء ما تعجز حسابات القوة وحدها عن فهمه.
واليوم ينهض المدافعون عن تعز من الذاكرة نفسها: ذاكرة الإنسان الذي يريد وطنًا يتّسع له، ودولةً تصون كرامته، وحياةً لا يظلّ فيها رهينة سلاحٍ أو حصار.
تعز ليست غنيمةً لأحد.
لأهلها حقٌّ في مدينتهم، ولأطفالها حقٌّ في مستقبلهم، ولليمن حقٌّ في أن يستعيد سلامه. وكلُّ مشروعٍ يعجز عن الاعتراف بهذه الحقوق يحمل في داخله أسباب فشله، مهما امتلك من أدوات البطش.
ستبقى «تعزجراد» اسمًا لصمودٍ دفع أصحابه ثمنه باهظًا، ونداءً لكي تنتهي هذه المأساة بكرامةٍ وعدل. سيبقى جبل صبر شاهدًا، وستبقى أسماء الذين دافعوا عن مدينتهم أمانةً في ذاكرة أهلها، وسيأتي يومٌ يُقاس فيه الرجال بما حفظوه من حياة، وبما صانوه من وطن.
تعز تريد أن تحيا حرّة. ومن أجل هذا الحقّ يصمد أهلها، ومن أجله ستظلّ شعلتها مضيئة.



