نغرق ونتقاتل على المقعد
في هذا البلد اخترعنا سياسة لا نظير لها في الأرض: سياسة «لا تدعه يلمع»... فالرئيس يقلق من مسؤول تحته يُمدح في «مقيل»، والوزير يخشى وكيله إن أحسن الكلام، والوكيل يرتجف من مدير عام قد يُقال عنه يومًا: «هذا رجل يفهم».. وهكذا تقوم الدولة كلها على سلسلة من الغيرة التافهة.. وهو ما ذكّرني بمثلٍ لا أذكر مصدره، يقول: «اقطع الغصن الذي يطول، قبل أن يُظلّل غصنك القصير».
أستغرب لماذا نندهش حين نكتشف أن كل مسؤول يأتي يكون أضعف من سابقه، وكأن الضعف صار ماركة يمنية خالصة.. فقد قيل إن ميزة اختيار الرئيس «هادي» أنه كان أضعف من وُجد في الساحة حينها. ولم تمضِ أشهر قليلة على رئاسته وحكومته حتى سمعنا من يردد: «سلام الله على عفاش».. ثم اجتمع القوم في الرياض لاختيار بديل له، على أساس أن ضعفه لم يعد يواكب المرحلة، فتمخّض الجمع و«توالدوا» ثمانية بدلًا عنه.. وجاء «العليمي».. لكننا اكتشفنا سريعًا أنه أضعف مما تخيلنا، وسمعنا المقولة نفسها من جديد...
يومها قلت لبعض السياسيين: الآن بتُّ أخشى تغيير العليمي.
فسألني أحدهم: لأنه من محافظتك؟
قلت: لا..
بل أخشى أن يأتي من هو أضعف منه فيُضيّع ما تبقّى من البلد... ضحكوا... وتأكدت يومها أن الضعف صار شرط التعيين والقيادة، لا عيبًا يخفيه الجميع.
كل مسؤول يُحيط نفسه بمن هم أقل منه علمًا وتجربة، خشية أن يُقاس به فيخسر المقارنة.. فتتشكل حولنا طبقات متراصة من الضعف، تختار كل طبقة ما تحتها بعناية، حتى يصبح «لا أعرف» مؤهلًا للمنصب، و«أعرف» تهمةً تستوجب الإبعاد.. ولست أدري أي جيل من اليمنيين سيُشفى من هذا الداء.. أن نخشى نجاح بعضنا أكثر مما نخشى عدونا.. فضعف مسئولينا وحده كافٍ لإضاعة بلدٍ بأكمله.. والحقيقة أن لا أحد قام بهزيمتنا بقدر ما هزمنا أنفسنا وشعبنا.. إذ إننا انشغلنا بإسقاط بعضنا بعضًا.. ومازلنا مشغولين بذلك حتى الآن.
الضعف لم يكن العيب الوحيد في قيادتنا.. فهناك عيب آخر يسكن نفوسهم ولا يخفى على أحد.. إنها «الكراهية».. فهي عندنا لا تُدَّخر للعدو، لكننا نُوزِّعها بسخاء على من يقف في خندقنا..
وتأملوا ببساطة: الرئيس يكره كل من يشعر أن في داخله تطلعًا للقيادة، والمسؤولون يغتابون بعضهم بعضًا حد الانتقاص، أما الأحزاب فحدّث ولا حرج.. الإصلاح يكره «الانتقالي» أكثر مما يكره من يقصفه، والانتقالي يرد له الصاع بأوامر تأتيه من الخارج ولا يخفيها، والناصري والاشتراكي لا يعرفان مع من يقفان.. أما المؤتمر فينظر إلى الجميع بتعالٍ يليق بمن خسر كل شيء إلا ربطة العنق..
وجميعهم يتلقّون الضربة نفسها من العدو ذاته، وفي لحظة هزيمة أحدهم يرفع البقية راية الشماتة وكأن سقوطه نجاتهم.. متناسين أن القذيفة التي هوت على رأس أحدهم اليوم محجوزة لهم غدًا بلا استثناء.
كراهيتهم لبعضهم لم تكن أشد من ولاء قلوبهم لعواصم ليست لهم.. أذكر مجلسًا جمعني بسياسيين يمنيين، فإذا بأحدهم يُبدي قلقًا غريبًا على إيران خشية ضربة أمريكية، والثاني يخشى أن ترد إيران بمهاجمة السعودية، والثالث يطمئن قلبه لأن عُمان ستنجو، وآخر غاضب لأن قطر لا تحب إلا «الإخوان»، وهناك من يثق بقدرة الإمارات على الردع..
تمنيت يومها أن يتذكروا وطنًا لهم اسمه اليمن، وطنًا واحدًا يحترق تحت أنظارنا جميعًا، وهم يخشون على «الأشقاء» أكثر مما يخشون على الأبناء..
خرجت غاضبًا، مقتنعًا أن بعض اليمنيين يحملون قلوبهم في عواصم ليست لهم، بينما وطنهم الحقيقي «عقارٌ مؤجَّر» لا يستحق قلقًا ولا خوفًا.
نماذج هذه الصغائر لا تتوقف عند نسيان الوطن الذي منحهم قيادته؛ فهم يتكالبون على توزيع ما تبقّى من مناصب الدولة على ذويهم بكل خفّة.. فحين كنت أنشر عن تعيينات أبناء المسؤولين، كانت التسريبات تأتيني من قلب الدولة نفسها.. صدّقت في البداية أن هؤلاء المسرّبين وطنيون غاضبون، ثم اكتشفت أن «وطنيتهم» لم تكن سوى دَورٍ في طابور الانتظار.. أحدهم انقطع فجأة عن تزويدي بالمعلومات، وحين بحثت عن السبب وجدت أن نجله حصل أخيرًا على منصب دبلوماسي في العشرينيات من عمره.. ففهمت أن «الغيرة على الوطن» تتوقف بمجرد أن استوفى نصيبه من الغنيمة والدولة.
المصيبة لا تقف عند هذا الحد؛ فالدلائل على صراعاتهم الصغيرة كثيرة، في كشوفات المنح الدراسية، ومبالغ الإعاشات، ومحاباة التعيينات، وكشوفات الجنود الوهمية، والسفريات ونفقات الفنادق والرواتب.. وليتهم يتذكرون أن هناك سفينة تغرق تحت قيادتهم؛ فبدلًا من أن ينكبّوا على تجفيف الماء حتى لا يغرقوا جميعًا، يتقاتلون على مقاعد السفينة الأمامية.. كل طرف يريد أن يقود الغرق، لا أن يمنعه.. فلا هو نجى ولا الركاب.. ولا السفينة.
أما الإعلام، الذي كان يُفترض أن يكون مرآة لهذا الخراب، فقد تحوّل إلى ساحة معارك صغيرة.. فصفحات التواصل، المفترض أنها تفضح الضعف والفساد المستشري في قيادات الدولة، إذا بها صارت سوقًا لبيع الولاءات بالتقسيط، ومنابر لتبادل تهم الخيانة والخذلان..
بينما العدو الحقيقي يتفرّج من بعيد، غير مضطر حتى لإطلاق رصاصة، لأننا نكفيه مؤونة القتال.. وكما لخّصها أحد الزملاء بقوله: «لا يحتاج الحوثيون للاحتفال بانتصارهم في الساحل، ولا للشماتة بخسارة "طارق" وقواته، فالكثير من خصومهم في صف الشرعية يقومون بالأمر على أكمل وجه.. يستطيعون أن يتفرجوا عليهم فقط ويعملوا مشاركات لمنشوراتهم.. كفاية!».
الطريف والكوميديا السوداء في الحكاية.. أن الحوثي، ذلك العدو الذي يفرقهم بالكراهية.. يفرقهم أيضًا في المواجهة، لا يهتم بانتماء أي منهم قبل أن يدوسهم جميعًا واحدًا تلو الآخر.. ومع ذلك ما زالوا يراهنون على هزيمة بعضهم بعضًا، وكأن النار ستلتهم طرفًا دون آخر، أو غرفة واحدة في المنزل دون سائر الغرف.. مع أنهم جميعًا يعرفون المقولة الشهيرة: «أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض».
لكن يبدو أنهم لم يكونوا حتى أثوارًا.



