الساحل الغربي في "حرب الشائعات" وكيف تناول الإعلام معركة الساحل؟
لم تكن معركة المخا والساحل الغربي في سبتمبر 2026، معركة بنادق ومدافع فقط، بل كانت بالتوازي "معركة سرديات" ضارية على فيسبوك وتويتر وتيك توك وقنوات التليغرام، وسقوط مديريات المخا وحيس والخوخة وتسليم جزر البحر الأحمر لم يُعلن في بيان عسكري بقدر ما "تسرب" عبر مقاطع فيديو وتصريحات وتسريبات.
فماذا قال الإعلام؟ وماذا قال الناس؟ وماذا قالت وسائل التواصل الاجتماعي وما نطلق عليه "السيوشيال ميديا"؟ وهل كانت هناك مصداقية من جميع الأطراف؟
وقد ظهر المشهد الإعلامي في 3 خطابات متوازية هي: إعلام المجلس الرئاسي وقوات طارق صالح حول "إعادة التموضع"، وبدا الشيخ سلطان بن علي العرادة عضو مجلس الرئاسة محافظ محافظة مأرب، في قنوات الإعلام بمعنويات مرتفعة، وتكلم عن تكتيك عسكري تعد له حكومة الشرعية، وكأن ما قاله العرادة إيحاء بأن انسحاب قوات طارق صالح من الساحل عبارة عن فخ رتب له طارق صالح مع أعضاء مجلس الرئاسة الآخرين، وأن هذا الانسحاب لم يكن انسحابًا بالمعنى الحقيقي للانسحاب بقدر ما كان مصيدة لأنساق الحوثي المتواردة بالآلاف المؤلفة من محافظات شمال الشمال والوسط وبقية المناطق المسيطر عليها الحوثي. وقد ركز خطاب مجلس الرئاسة وخطاب قوات صالح على مصطلح "إعادة انتشار تكتيكي" و"إعادة التموضع" و"مركز قيادة بديل"، وما تناولته المنصات التابعة للمقاومة الوطنية ومن يطلقون على أنفسهم "حراس الجمهورية" يتماهى مع ما جاء في خطاب العرادة الذي أراد إرسال رسالة انسجام داخل المجلس الرئاسي لا أقل ولا أكثر. وقد نشرت تلك المنصات بيانات عن "خيانات من الداخل" و"خذلان الأشقاء"، وغاب طارق صالح عن اجتماع مجلس الدفاع، ثم ظهر في عدن، ونشرت وسائل تواصل أخرى عن وصول طارق صالح بزورق بحري إلى جمهورية الصومال، وهو ما لم تؤكده وسائل الإعلام التابعة لمجلس الرئاسة ولا وسائل الإعلام التابعة لحكومة الشرعية وغيرها من الوسائل.
وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير ونقطة الضعف التأخر 24 ساعة في الاعتراف بالانسحاب، وهو ما أعطى مساحة للرواية المضادة لتنشر ما يحلو لها أولًا.
أما إعلام صنعاء فقد أطلق على معركة الساحل اسم معركة "الفتح المبين"، وقد وصفت قنوات الحوثي وصفحاته ما جرى بـ"الانهيار الكامل" و"فرار المرتزقة". وتم بث مقاطع من داخل معسكر خالد ومقرات معسكرات المخا الفارغة تتحدث عن سيطرة الحوثيين على تلك المقرات لتأكيد سقوط المخا بيد قوات صنعاء. وقد ركز الخطاب الإعلامي للحوثيين على "العقيدة القتالية" مقابل "قوات باعها التحالف" حسب ما ذكر عندهم في وسائل إعلامهم وفي وسائل تواصل قوات طارق صالح نفسها.
وكانت النقطة الأهم التي ركز عليها الإعلام الحوثي، وكانت بالنسبة له نقطة القوة، تتمثل في السبق في النشر بالصورة والفيديو من الميدان.
وبالنسبة لإعلام التحالف والقنوات الخليجية فقد التزموا سياسة "الصمت الحذر". وكانت التغطية محدودة وباردة إلى أقصى درجات البرودة. وكان التركيز في بيانات مجلس الدفاع الوطني على "معركة وطنية شاملة" دون الدخول في تفاصيل الساحل وما حدث في الساحل. وهذا الصمت فُسر من الطرفين إما كـ"تخاذل" أو كـ"محاولة لاحتواء الفشل".
وأثبتت وسائل التواصل الاجتماعي وجود: حرب بلا خطوط حمراء. وقد تحولت مواقع التواصل إلى غرفة عمليات موازية لغرف عمليات، وظهرت 4 ظواهر هي:
1. تسريبات الفوضى والنهب، وأول من نشروا أخبار الانسحاب كانوا ناشطين محليين، إذ قاموا بنشر فيديوهات لمقرات منهوبة واشتباكات على الأسلحة في المخا سرت سريان النار في الهشيم، وانتشرت تلك الفيديوهات قبل أي بيان رسمي. وهذه المقاطع منحت المصداقية للرواية التي تتحدث عن "انهيار" وعن' 'بيع مدفوع الثمن''، وليس "انسحاب منظم" كما نشرت مواقع قوات الساحل التابعة لطارق صالح ووسائل التواصل الاجتماعي الدائرة في فلك تلك المواقع.
2. الاتهامات المتبادلة المباشرة في تلك الأثناء، فقد ظهر قيادي في العمالقة بفيديو متهمًا طارق صالح بـ"الخيانة والتسليم"، وفي المقابل ردت صفحات تابعة لحراس الجمهورية باتهام "العمالقة بالانسحاب أولًا وترك الجبهة". وهناك فيديوهات تحدثت عن خيانات لقوات العمالقة من قوات صالح في المواقع التي كانت قريبة منها، إلا أن الجمهور لم يصدق تلك البيانات، وصار يصدق "الفيديوهات المنشورة المباشرة من الجندي" في الميدان.
3. نظريات المؤامرة والاختراق، إذ انتشرت بقوة فرضية "العفافيش المزروعين"، وظهرت منشورات تقول إن ضباطًا انضموا بعد 2017 بحجة الهروب من الحوثي، وهم جواسيس.
مقابلها رواية "صفقة سياسية" لتسليم الساحل مقابل تهدئة في جبهات أخرى، ولم يقدم أحد دليلًا ماديًا ملموسًا في الواقع، وأنا أتعاطى مع أغلبها لأنها في أغلبها تصب في مصب البيع والتآمر لطارق صالح وقادة كتائبه، وهو ما أكده جنود انسحبوا إلى رأس العارة، ومن هناك عادوا إلى قراهم، حيث تحدثوا عن خيانات قادة الألوية التابعة لطارق صالح، والذين يعودون إلى أسر محسوبة على ما يطلق عليهم في إعلام الحوثي "آل البيت". وقد نشرت أسماء تلك القيادات بالتفصيل. والحقيقة أن هذه الروايات هي التي تفاعل معها الناس أكثر، وهي روايات المنسحبين بأوامر من قيادات طارق بشكل مفاجئ.



