اليمين الدستورية... بين شرف الأمانة وواجب الاستقالة
من بيروت إلى البرلمان
في عام 2002 عُينت في سفارة الجمهورية اليمنية في بيروت، عقب انعقاد القمة العربية، لمتابعة مخرجاتها وما ترتب عليها، وفي مقدمتها مبادرة السلام العربية التي طرحها الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله. وكان من بين الملفات التي تابعتها آنذاك ما تعلق بالتأكيد على إدراج حق العودة ضمن المبادرة، وهو البند الذي تمسك بإدراجه كل من الرئيس اليمني والرئيس اللبناني.
لم تمضِ سوى أشهر قليلة على عملي في السفارة حتى كانت اليمن على موعد مع الانتخابات النيابية في أبريل 2003. يومها زارني عدد من أبناء دائرتي الانتخابية لإقناعي بالترشح لعضوية مجلس النواب. اعتذرت في البداية، فأنا ما زلت في بداية فترة انتدابي إلى بيروت، وكان يفصلني عن انتهائها أكثر من ثلاث سنوات. لكن إصرارهم، ورغبتي الصادقة في خدمة منطقتي ووطني من خلال السلطة التشريعية، دفعاني إلى إعادة النظر في موقفي.
كنت أؤمن، ولا أزال، أن مجلس النواب هو حجر الزاوية في بناء الدولة؛ فإذا صلحت السلطة التشريعية صلح معها ميزان الحكم، وإذا ضعفت أو فُقد استقلالها اختل البناء كله. هكذا كانت قناعتي، وأنزعج أخي الأكبر، تركي عملي ولم تكن محل ارتياح لدى رئيس الجمهورية آنذاك. ومع ذلك، كنت قد حسمت أمري، وأبلغت الجميع أنني، إن لم أكن ضمن مرشحي المؤتمر الشعبي العام، فسأخوض الانتخابات مرشحًا مستقلًا.
تحت قبة البرلمان
وعندما انعقد مجلس النواب الجديد، استوقفني مشهد لم يفارق ذاكرتي حتى اليوم. فقد لاحظت أن عددًا غير قليل من الأعضاء، عند أدائهم اليمين الدستورية، كانوا يضيفون من تلقاء أنفسهم عبارة: "ما استطعت إليه سبيلًا." لم يكن الأمر بالنسبة لي مجرد إضافة لفظية، بل كان مؤشرًا مقلقًا، وكأن الالتزام المطلق الذي يفرضه القسم يجري تقييده بتحفظ غير منصوص عليه في الدستور.
ولم يطل انتظاري حتى وجدت ما عزز ذلك القلق؛ إذ لم تُنتخب هيئة رئاسة المجلس وفقًا لما تقضي به اللائحة الداخلية وأحكام الدستور، وإنما جرى تزكيتها، لتكون تلك اللحظة أول إشارة عملية إلى أن النصوص يمكن أن تُهمَّش، وأن القسم الذي أُدي قبل دقائق قد يبدأ بالتآكل منذ أول اختبار.
اليمين الدستورية ليست إجراءً بروتوكوليًا يسبق تولي المنصب، ولا طقسًا شكليًا يُؤدى أمام الكاميرات ثم يُطوى مع مرور الأيام. إنها عقد أخلاقي وسياسي وقانوني بين المسؤول وربه وشعبه ودستوره. وهي إعلان صريح بأن صاحب المنصب قبل أن يحمل الأمانة بكل ما تقتضيه من مسؤولية، وأنه سيكون خاضعًا للمساءلة قبل أن يكون صاحب سلطة.
وفي اليمن، يبدأ القسم بعبارة: "أقسم بالله العظيم..."، ويختتم بقوله: "والله على ما أقول شهيد." وبين هاتين العبارتين يلتزم المسؤول بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله، والمحافظة على النظام الجمهوري، واحترام الدستور والقانون، ورعاية مصالح الشعب وحرياته، والحفاظ على وحدة الوطن واستقلاله وسلامة أراضيه.
لهذا، فإن أي محاولة لإضافة عبارة مثل "ما استطعت إليه سبيلًا" إلى اليمين، حتى وإن بدت منسجمة مع مبدأ شرعي عام هو أن التكليف مناط بالاستطاعة، تثير إشكالًا دستوريًا وأخلاقيًا عميقًا. فاليمين الدستورية ليست نصًا شخصيًا يقبل التعديل بحسب تقدير من يؤديه، بل هي صيغة ملزمة أرادها المشرع واضحة، لا تحتمل التأويل أو التحفظ أو الاستثناء.
ومع ذلك، فإن القضية الأهم ليست في العبارة ذاتها، بل فيمن يؤدي القسم وطبيعة المسؤولية التي يحملها.
فثمة فرق جوهري بين من يتولى منصبًا بالتعيين من السلطة التنفيذية، وبين عضو مجلس النواب الذي يصل إلى موقعه بإرادة الناخبين. فالموظف العام يعمل ضمن هرم إداري وتنفيذي، وقد تحد صلاحياته من قدرته على إحداث التغيير، ويبقى مسؤولًا عن أداء واجبه في حدود اختصاصه.
أما النائب، فليس موظفًا لدى السلطة، بل هو ممثل للشعب ورقيب عليها. وجوده في البرلمان ليس منحة من الحكومة، وإنما تفويض من الأمة لمراقبة الحكومة ومحاسبتها وحماية الدستور من أي تجاوز.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا يفعل النائب إذا تعطلت أدوات الرقابة؟ وإذا لم تلتزم الحكومة بالبرنامج الذي نالت الثقة على أساسه؟ وإذا جرى العبث بالموازنة العامة؟ وإذا امتنع الوزراء عن المثول أمام مجلس النواب؟ وإذا أصبح الاستجواب معطلًا، والمساءلة شكلية، والفساد والمحسوبية يتمددان دون رادع؟
هل يكتفي بالقول: "ما استطعت إليه سبيلًا"؟
في تقديري، لا.
لأن هذه العبارة لا يجوز أن تتحول إلى غطاء للعجز، ولا إلى تبرير للاستمرار في موقع فقد مضمونه. فالاستطاعة في المفهوم الشرعي تعذرٌ حقيقي، لا قبولٌ بالأمر الواقع، ولا مساومة على القسم، ولا تكيّف مع انتهاك الدستور.
إن النائب، حين يصبح عاجزًا عن ممارسة وظيفته الدستورية، يقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يواصل الدفاع عن الدستور بكل الوسائل المشروعة، وإما إذا سُلبت منه أدوات القيام بواجبه، وأصبح بقاؤه مجرد شرعنة لوضع لا يستطيع تغييره، فإن أشرف المواقف هو أن يعيد الأمانة إلى أصحابها، وأن يقدم استقالته.
فالاستقالة هنا ليست انسحابًا من المعركة، بل شهادة أمام الشعب والتاريخ بأن القسم لم يكن كلمات تُقال، وإنما عهد لا يقبل المساومة. إنها إعلان بأن الشرعية لا تُستمد من المقعد، بل من الوفاء بالأمانة.

لقد وجدت نفسي، بوصفي عضوًا سابقًا في مجلس النواب، أمام هذا الامتحان. ولم أرَ أن الاحتفاظ بالمقعد قيمة في ذاته إذا فقدت القدرة على أداء الواجب الذي من أجله منحني الشعب ثقته. لذلك آثرت أن أعيد الأمانة إلى أصحابها، لأن الوكالة لا تستقيم إذا تعذر القيام بمقتضاها، ولأن القسم الدستوري لا يجوز أن يتحول إلى مجرد ذكرى تُستدعى عند أداء اليمين وتُنسى عند ممارسة السلطة.
إن أخطر ما يصيب الدول ليس انتهاك النصوص فحسب، بل اعتياد الناس على انتهاكها حتى يصبح الخروج على الدستور أمرًا مألوفًا، ويغدو الحنث باليمين ممارسة سياسية لا تستوقف أحدًا.
إن الأمم لا تُبنى بكثرة الأقسام، وإنما برجال ونساء يؤمنون أن القسم دين في أعناقهم، وأن المنصب تكليف لا تشريف، وأن الاستقالة دفاعًا عن المبدأ قد تكون، في بعض اللحظات، أشرف من البقاء في السلطة.
فإذا فقدت اليمين الدستورية قدسيتها، فقد الدستور هيبته، وإذا فقد الدستور هيبته، فقدت الدولة أحد أهم أسس بقائها: الثقة بين الحاكم والمحكوم.
****
اسنقالة النائب سبتمبر 2005 :
الجزء الاول
الجزء الثاني



