العصبية في ميزان القرآن وعلم الاجتماع: (قراءة في جذور الفرز العرقي وسبل تجاوزه)
إهداء:
إلى كل يمني يؤمن أن الوطن أكبر من القبيلة والسلالة وأن الإنسان أكبر من نسبه، وأن الدين أكبر من المذهب ، وأن التقو. هي النسب الوحيد الذي ينبغي أن يتفاضل به الناس.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
(الحجرات: 13}
وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:
《دعوها فإنها منتنة》
وقال:
《ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية.》
هذه النصوص الثلاثة تكاد تختصر فلسفة الإسلام في بناء المجتمع، فهي لا تكتفي بإدانة العصبية، وإنما تهدم الأساس الذي تقوم عليه، وهو الاعتقاد بأن الإنسان يكتسب فضله من ميلاده، أو من نسبه، أو من قبيلته، أو من طبقته الاجتماعية، لا من عمله وتقواه.
ولو أن المسلمين جعلوا هذه النصوص ميزانًا لفكرهم وسلوكهم، لما عرف تاريخهم أكثر الصراعات التي مزقت وحدتهم، ولما بقي في مجتمعاتهم متسع لمن يدعي اصطفاءً وراثيًا، أو تفوقًا قبليًا، أو امتيازا طبقيا، أو احتقارا لمهنة أو حرفة أو أصل اجتماعي.
غير أن الواقع، في اليمن كما في غيره، يكشف مفارقة مؤلمة؛ فكلما ظن الناس أنهم دفنوا العصبية، عادت إليهم في ثوب جديد، تحمل اسمًا آخر، وشعارًا آخر، لكنها تحتفظ بالجوهر نفسه.
ولذلك فإن القضية التي يناقشها هذا المقال ليست موجهة ضد جماعة بعينها، ولا ضد مذهب بعينه، ولا ضد قبيلة أو أسرة أو منطقة، وإنما هي محاولة لفهم ظاهرة اجتماعية رافقت البشرية منذ فجر التاريخ، وما تزال تتجدد بأسماء مختلفة.
فالعصبية ليست حكرا على الهاشمية، ولا على القحطانية، ولا على العدنانية، ولا على القبيلة، ولا على الطائفة، بل هي ميل بشري إلى الاعتقاد بأن الإنسان يولد أفضل من غيره، وأن الدم يمنحه حقًا لا يملكه سواه.
وحين يتحول هذا الاعتقاد إلى ثقافة، تتحول الثقافة إلى سلوك، ثم يتحول السلوك إلى تشريع، ثم يصبح التشريع نظامًا اجتماعيًا يقسم الناس إلى سادة وأتباع، وأشراف وعامة، وأصحاب نسب وأصحاب مهن، فتبدأ رحلة الانقسام التي لا تنتهي إلا بانهيار المجتمع أو الدولة.
وليس من قبيل المصادفة أن أول جريمة فكرية في التاريخ لم تكن قتلًا ولا سرقة، وإنما كانت دعوى استعلاء.
فإبليس لم ينكر وجود الله، ولم يجحد أمره، وإنما احتج بأصله فقال:
﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف: 12).
لقد كانت تلك أول نظرية في التفوق العنصري، وأول احتجاج بالأصل، وأول تقسيم للبشر على أساس مادة الخلق، ولذلك استحق صاحبها اللعنة إلى يوم الدين.
ومنذ ذلك اليوم، لم تتغير الفكرة كثيرًا؛ وإنما تغيرت أسماؤها.
فمرة تسمى سلالة. ومرة قبيلة. ومرة عرقًا. ومرة طبقة.ومرة قومية. ومرة شعب الله المختار. ومرة العرق الآري. ومرة نقاء الدم. لكن الجوهر واحد. إنها جميعًا تقول، بعبارات مختلفة: "أنا خير منه."
ومن هنا نفهم لماذا كان الإسلام شديد الحزم في مواجهة العصبية، حتى إنه لم يناقشها باعتبارها مجرد خطأ أخلاقي، وإنما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها "منتنة".
ولم يقل: دعوها فإنها باطلة. أو دعوها فإنها محرمة. بل قال: "منتنة" من النتانة والقذارة لأن النتن لا يقتصر ضرره على صاحبه، وإنما يفسد الجو كله، ويؤذي كل من حوله. وهذا هو شأن العصبية؛ فإنها لا تفسد صاحبها وحده، بل تفسد المجتمع بأسره. ولهذا لم يكن غريبًا أن يربط القرآن بين وحدة الأمة وبين نبذ التفرق، فقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
وقال:﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
فالفرقة ليست مجرد خلاف في الرأي، وإنما هي بداية الضعف، ومقدمة السقوط. وقد أثبت التاريخ الإنساني كله أن الأمم لا تسقط لأنها فقيرة، ولا لأنها قليلة العدد، وإنما تسقط حين تنقسم إلى جماعات متناحرة، يرى كل فريق أنه أحق بالسيادة من غيره.
ومن هنا، فإن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس اختلاف أنساب أبنائه، فذلك سنة من سنن الاجتماع البشري، وإنما تحويل هذا الاختلاف الطبيعي إلى مشروع سياسي أو اجتماعي أو ثقافي، يمنح بعض الناس امتيازا على بعض، ويقسم المواطنين إلى درجات متفاوتة في الكرامة والحقوق.
لقد كتبت خلال السنوات الماضية سلسلة من المقالات، منها: (إلى هنا... وكفى لعبًا بنار الفرز العرقي)، ثم (البحث عن ألوان العرقوب)، ثم (الباء والتاء وأوراق الدباء) واخرها ما نشرته يوم الخميس على صفحتي على الفيسبوك بعنوان: (لا تفاضل إلا بالتقوى) وغير ذلك من المقالات التي تمنع التعميم على ان كل هاشمي يؤمن بالتميز أو بما اطلق عليه زورا وبهتانا بالحق الإلهي وكانت هذه المقالات، على اختلاف عناوينها، تدور حول فكرة واحدة، هي أن اليمن لن يخرج من أزماته إذا ظل يستبدل عصبية بعصبية، أو امتيازا بامتياز، أو اصطفاءً باصطفاء.
فليس علاج السلالية بعصبية قبلية، وليس علاج العنصرية الدينية بعنصرية عرقية، وليس علاج الاستعلاء الوراثي باستعلاء مناطقي.
إن من يفعل ذلك لا يهدم الداء، وإنما ينقله من جسد إلى جسد.
إنه، في تقديري، كمن يريد أن يطهر النجاسة بما هو أنجس منها.
ولذلك فإن القضية التي يناقشها هذا المقال ليست دفاعا عن أحد، ولا خصومة مع أحد، وإنما دفاع عن مبدأ قرآني خالد، هو أن الناس جميعا سواء في أصل الكرامة الإنسانية، وأن التفاضل لا يكون إلا بالتقوى والعمل الصالح، وأن كل محاولة لإقامة امتياز دائم على أساس الميلاد، أيًا كان اسمه أو شعاره، هي خروج على روح الإسلام، وعلى منطق التاريخ، وعلى حقائق علم الاجتماع، وعلى مقتضيات الدولة الحديثة.
ومن هنا تبدأ رحلتنا في البحث عن جذور العصبية، لا لنستعيد خصومات الماضي، وإنما لنتحرر منها، ولا لنبحث عمن نُحمِّله مسؤولية التاريخ، بل لنبحث عن الطريق الذي يجنب أبناءنا تكرار مآسيه.
ثانيًا: العصبية بين النص الديني والتراث التاريخي
إذا كان القرآن الكريم قد حسم معيار التفاضل بين الناس بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف عادت العصبية لتتسلل إلى المجتمعات الإسلامية حتى أصبحت في بعض البيئات جزءًا من الثقافة الاجتماعية؟
الجواب لا يكمن في الإسلام، وإنما في التاريخ. فالدين شيء، وتجارب المسلمين شيء آخر. والنص المقدس شيء، واجتهادات البشر شيء آخر. ومن أكبر الأخطاء المنهجية أن نخلط بين الوحي الإلهي وبين ما أنتجه الناس من فهوم واجتهادات تأثرت بظروفها السياسية والاجتماعية والثقافية.
لقد جاء الإسلام ليقوض البناء الطبقي الذي كان سائدًا في الجزيرة العربية، فساوى بين بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وأبي بكر القرشي، وجعلهم جميعًا إخوة في الدين، يتفاضلون بالإيمان والعمل، لا بالأصل واللون والنسب. وكان بلال يؤذن فوق الكعبة، وكان سلمان الفارسي موضع تكريم النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال فيه: «سلمان منا أهل البيت»، وهي رسالة عملية بأن الانتماء إلى القيم أرفع من الانتماء إلى الدم.
غير أن المجتمع الإسلامي، شأنه شأن سائر المجتمعات، لم يكن بمنأى عن تأثير الموروثات الاجتماعية. فقد بقيت بعض العادات السابقة للإسلام، وعادت في أحيان كثيرة لتفرض نفسها في ثوب فقهي أو اجتماعي، حتى ظن بعض الناس أنها من صميم الدين، وهي في حقيقتها انعكاس لبيئات تاريخية معينة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك قضية الكفاءة في النسب في الزواج. فقد بحثها فقهاء المذاهب الإسلامية، واختلفوا فيها اختلافًا كبيرًا؛ فمنهم من جعل النسب عنصرًا من عناصر الكفاءة، ومنهم من ضيق هذا المفهوم، ومنهم من قصر الكفاءة على الدين وحسن الخلق. وهذا الاختلاف نفسه دليل على أنها مسألة اجتهادية، لا حكمًا قطعيًا ثابتًا لا يقبل المراجعة.
وقد كانت كثير من تلك الآراء مرتبطة بالأعراف السائدة في مجتمعاتها، إذ كان الفقهاء يراعون ما قد يترتب على مخالفة العرف من نزاعات أسرية، ولم يقصدوا بالضرورة تقرير مبدأ التفاضل بين البشر على أساس النسب.
ولهذا فإن تحويل تلك الاجتهادات إلى أحكام دائمة يُبنى عليها تصنيف الناس إلى درجات، هو إخراج لها من سياقها التاريخي إلى سياق لم تُنشأ من أجله.
والأمر نفسه يصدق على بعض الآراء التي وردت في كتب التراث تجاه أصحاب بعض الحرف والمهن. فقد نقل الإمام محمد بن علي الشوكاني في كتابه "أدب الطلب ومنتهى الأرب" أقوالا لبعض المتقدمين تتضمن نظرة دونية إلى بعض أصحاب الحرف، وهذه النصوص لا تمثل نصوصًا شرعية ملزمة، وإنما تعبر عن اجتهادات بشرية تأثرت بالبيئة الاجتماعية التي نشأت فيها.
ومن الإنصاف العلمي أن نقرأ هذه النصوص في سياقها التاريخي، لا أن نرفعها إلى مرتبة الوحي، ولا أن نحاكم الإسلام بها.
ولو أن مثل هذه الأقوال صدرت عن عالم ينتسب إلى آل البيت، أو عن إمام زيدي، لرأينا من يهاجمها ويجعلها دليلًا على فساد الفكر السلالي. لكن كثيرًا من هؤلاء أنفسهم يمرون على النصوص ذاتها إذا وردت في كتب علماء ينتمون إلى مدارس فقهية أخرى مرور الكرام.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ إنها ليست مشكلة مذهب، ولا نسب، ولا جماعة، وإنما مشكلة القراءة الانتقائية للتراث.
فنحن كثيرًا ما نفتش في بطون الكتب عما يؤيد أفكارنا المسبقة، لا عما يقربنا من الحقيقة. فإذا وجدنا نصًا يوافق أهواءنا عظّمناه، وإذا وجدنا نصًا يخالفها أهملناه أو أولناه.
وهكذا يصبح التراث ساحة للصراع بدل أن يكون مجالًا للفهم والنقد والبناء.
ومن هنا فإنني لا أرى أن جماعة بعينها اخترعت فكرة الاصطفاء من فراغ، كما لا أرى أن دعاة العصبية القبلية أو القحطانية ابتكروا فكرتهم من العدم. فالطرفان، بدرجات متفاوتة، يستندان إلى رواسب تاريخية واجتماعية تراكمت عبر القرون، ثم ينتقي كل فريق منها ما يخدم مشروعه، ويغفل ما عداه.
ولهذا فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بإدانة فريق وتبرئة آخر، وإنما بإخضاع التراث كله - دون استثناء - لميزان القرآن الكريم، فما وافق مقاصده في العدل والمساواة والكرامة الإنسانية قبلناه، وما خالفها أدركنا أنه اجتهاد بشري يقبل المراجعة والنقد.
إن احترام العلماء لا يعني عصمتهم، كما أن تقدير التراث لا يعني تجميده.
ولعل الإمام مالك بن أنس لخص هذه القاعدة بأبلغ عبارة حين قال: "كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر"، مشيرًا إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست مع كتاب من كتب التراث، ولا مع مذهب من المذاهب، وإنما مع كل فكرة تجعل الإنسان أسيرًا لنسبه أو قبيلته أو طبقته الاجتماعية، بدل أن يكون أسيرًا لقيم الحق والعدل والإحسان.
ذلك أن الإسلام لم يأت ليصنع أرستقراطية جديدة، وإنما جاء ليحرر الإنسان من كل أشكال العبودية، بما فيها العبودية للنسب والدم والتاريخ.
والتاريخ يعلمنا أن الأمم التي قدست الدم أكثر من القانون، والنسب أكثر من الكفاءة، لم تحصد في نهاية المطاف إلا الانقسام والضعف، لأن الامتياز الموروث لا يبني دولة، وإنما يبني طبقات متنافسة سرعان ما تتحول إلى وقود للصراع.
ثالثًا: العصبية في ميزان علم الاجتماع وفلسفة التاريخ
إذا كان القرآن الكريم قد كشف الجانب الأخلاقي في العصبية، وبين خطرها على وحدة الإنسان والمجتمع، فإن علم الاجتماع الحديث جاء ليكشف جانبها الوظيفي والتاريخي؛ أي كيف تنشأ العصبيات، وكيف تتحول من روابط طبيعية للتعاون والانتماء إلى أدوات للهيمنة والصراع.
فالعصبية ليست ظاهرة خاصة بمجتمع دون آخر، وليست مرضًا خاصًا بالعرب أو بالمسلمين أو باليمنيين، وإنما هي ظاهرة إنسانية صاحبت المجتمعات البشرية منذ نشأتها. فالإنسان بطبيعته يبحث عن الانتماء، ويحتاج إلى جماعة يشعر معها بالأمان، لكن الخطر يبدأ حين يتحول الانتماء من رابطة للتعاون إلى معيار لتقييم البشر، ومن مصدر للتكافل إلى وسيلة للاستعلاء والإقصاء.
وهنا يأتي التمييز المهم بين الانتماء الطبيعي والعصبية المقيتة.
فالانتماء إلى الأسرة أو القبيلة أو المنطقة أو الوطن أمر فطري، وقد يكون مصدرًا للتكافل والتعاون وحفظ الهوية. أما العصبية فهي أن يتحول هذا الانتماء إلى اعتقاد بأن الجماعة التي أنتمي إليها أفضل من غيرها لمجرد أنها جماعتي، وأن حقوق الآخرين يمكن أن تنتقص لأنهم ليسوا من دائرتي.
وهذا هو المعنى الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "دعوها فإنها منتنة".
لقد أدرك علماء الاجتماع هذه الحقيقة، وإن اختلفت مصطلحاتهم ومناهجهم.
فابن خلدون، الذي يعد من أوائل من درسوا الظواهر الاجتماعية دراسة عقلية، جعل مفهوم العصبية محورًا أساسيًا في تفسير قيام الدول وسقوطها. لكنه لم يكن يمدح العصبية بوصفها فضيلة أخلاقية، وإنما كان يصفها كقوة اجتماعية لها وظيفة تاريخية.
فالعصبية عند ابن خلدون تمنح الجماعة القدرة على التضامن والتناصر، ولذلك تساعد في قيام الدول، لكنها عندما تتحول إلى استئثار، ويصبح أصحابها يرون أنفسهم أحق بالسلطة والثروة لمجرد انتمائهم، فإنها تبدأ في التحول إلى عامل هدم.
وهنا تظهر عبقرية التحليل الخلدوني؛ فالقوة التي تبني الدولة في بدايتها قد تصبح سببًا في سقوطها عندما تفقد وظيفتها الأخلاقية وتتحول إلى أداة للامتياز.
وهذا ما نراه في كثير من التجارب التاريخية؛ فالجماعات التي تبدأ بشعور التضامن قد تنتهي إلى شعور التفوق، والشعور بالتفوق يقود إلى الاستبداد، والاستبداد يقود في النهاية إلى الضعف والانهيار.
أما عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم فقد نظر إلى تطور المجتمعات من زاوية أخرى، فميز بين نوعين من التضامن الاجتماعي.
الأول: التضامن الآلي، وهو الذي يقوم على التشابه الكبير بين أفراد الجماعة، مثل المجتمعات التقليدية التي ترتبط بالدم والقرابة والعادات المشتركة.
والثاني: التضامن العضوي، وهو الذي يميز المجتمعات الحديثة، حيث يصبح الترابط قائمًا على التكامل بين الأفراد وتنوع أدوارهم، لا على تشابههم أو وحدة أصولهم.
وبهذا المعنى، فإن الانتقال إلى الدولة الحديثة لا يعني إلغاء الهويات المحلية أو الثقافية، وإنما يعني أن هذه الهويات لا تعود مصدرًا للحقوق والامتيازات، لأن الرابط الأعلى يصبح هو المواطنة والقانون.
أما ماكس فيبر فقد أوضح أن الدولة الحديثة لا تقوم على شرعية النسب أو الوراثة أو المكانة الاجتماعية، وإنما على الشرعية القانونية، حيث يكون القانون فوق الجميع، وتكون المؤسسات هي التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين المواطنين بعضهم مع بعض.
وهذه الفكرة هي جوهر التحول من مجتمع العصبية إلى مجتمع المواطنة.
ففي مجتمع العصبية يسأل الإنسان: من أنت؟ ومن أي جماعة أنت؟ وما أصلك؟
أما في مجتمع المواطنة فيسأل: ما عملك؟ وما كفاءتك؟ وما الذي تقدمه لوطنك؟
وهنا تتقاطع خلاصات علم الاجتماع الحديث مع المقصد القرآني العظيم؛ فالقرآن لم ينكر وجود الشعوب والقبائل، بل قال:
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾
أي أن الاختلاف والتنوع سنة من سنن الحياة، لكنه منع تحويل هذا التنوع إلى أداة للتفاضل فقال:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
فالمشكلة ليست في وجود القبائل أو الأنساب أو الثقافات، وإنما في تحويلها إلى معايير للكرامة والحقوق.
وقد أثبت التاريخ الحديث هذه الحقيقة بصورة قاسية.
فقد قامت النازية في ألمانيا على فكرة التفوق العرقي، وعلى الاعتقاد بأن هناك عرقًا أعلى من غيره، وكانت النتيجة حربًا عالمية مدمرة وملايين الضحايا.
وفي جنوب أفريقيا استند نظام الفصل العنصري إلى لون البشرة، فقسم الناس إلى طبقات قانونية مختلفة، حتى انتهى تحت ضغط النضال الداخلي والتحولات العالمية.
وفي بعض المجتمعات الآسيوية بقي نظام الطبقات قائمًا على تصنيف الإنسان منذ ولادته، وما زالت تلك المجتمعات تكافح آثار هذا الإرث الاجتماعي.
والدرس المشترك في كل هذه التجارب أن المجتمعات لا تنهض حين تجعل الدم معيارًا للقيمة، وإنما حين تجعل القانون والكفاءة والعدالة أساسًا للعلاقة بين الناس.
ومن هنا فإن إعادة إنتاج العصبية في اليمن تحت أي اسم جديد يجب أن تثير القلق؛ لأن المشكلة ليست في الاسم، بل في الفكرة الكامنة خلفه.
فإذا قيل للناس إن فئة معينة أفضل لأنها تنتمي إلى نسب معين، فهذه عصبية.
وإذا قيل لهم إن فئة أخرى أفضل لأنها تنتمي إلى قبيلة أو منطقة أو تاريخ معين، فهذه عصبية أيضًا.
وإذا استبدلت جماعة امتياز جماعة أخرى، فالنتيجة واحدة.
إن من الخطأ أن نتصور أن مواجهة عصبية معينة تكون بإحياء عصبية مضادة، لأن النار لا تطفئ النار، والمرض لا يعالج بجرعة أخرى من المرض.
وهذا هو جوهر ما حاولت التنبيه إليه في مقالاتي السابقة: "إلى هنا... وكفى لعبًا بنار الفرز العرقي، و"البحث عن ألوان العرقوب»، و«الباء والتاء وأوراق الدباء".
فالمجتمع الذي يبدأ بتصنيف الناس بحسب أصولهم، سينتهي عاجلًا أو آجلًا إلى صراع بين التصنيفات نفسها.
والتاريخ شاهد على أن أكثر المجتمعات استقرارًا ليست تلك التي ألغت تنوعها، وإنما تلك التي جعلت التنوع تحت سقف المواطنة، وجعلت القانون هو الحكم بين الجميع.
وهنا نصل إلى السؤال الذي يمس واقعنا اليمني مباشرة:
كيف تحولت قضايا النسب والهوية والتاريخ إلى أدوات صراع سياسي واجتماعي؟ وكيف يمكن الانتقال من مجتمع تتجاذبه العصبيات إلى مجتمع تحكمه المواطنة؟
رابعا: العصبية في الواقع اليمني وطريق الخروج إلى المواطنة
إن الحديث عن العصبية في اليمن ليس حديثًا عن ظاهرة نظرية بعيدة عن الواقع، بل هو حديث عن جرح حي يمس حاضر المجتمع ومستقبله. فاليمن، مثل كثير من المجتمعات القديمة، يحمل في ذاكرته التاريخية طبقات متعددة من الانتماءات: القبيلة، والمنطقة، والمذهب، والسلالة، والمهنة، وغيرها من التصنيفات التي نشأت في ظروف تاريخية مختلفة.
غير أن المشكلة لا تكمن في وجود هذه الانتماءات؛ فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى جذور وذاكرة وهوية. والمجتمعات لا تُبنى على محو التاريخ، وإنما على حسن التعامل معه. فالخطر يبدأ عندما يتحول التاريخ من ذاكرة للتعارف إلى أداة للتمايز، ومن مصدر للهوية إلى وسيلة لإقصاء الآخرين.
لقد شهد اليمن عبر تاريخه صراعات كثيرة لم تكن كلها نتيجة اختلاف العقائد أو المصالح السياسية فقط، بل كان للعصبيات الاجتماعية دور في كثير منها. فحين تتحول الجماعة إلى مشروع سيادة، وحين يصبح النسب أو القبيلة أو المذهب معيارًا للحق والباطل، تبدأ دورة جديدة من الصراع.
وهنا تكمن خطورة المرحلة الراهنة؛ إذ نلاحظ عودة خطاب يبحث في الماضي عن مبررات للتمايز، ويستدعي أسماء قديمة، وألقابًا تاريخية، وتصنيفات اجتماعية، وكأن خلاص اليمن يكمن في العودة إلى صراعات القرون الماضية.
إن الأمم لا تتقدم باستدعاء خلافات الماضي، وإنما بتجاوزها.
ولا تبني مستقبلها بالبحث عن من كان أعلى نسبًا، وإنما بمن كان أكثر علمًا ونزاهة وكفاءة وخدمة للمجتمع.
وقد كتبت في مقالات سابقة محذرًا من خطورة ما أسميته "الفرز العرقي"، ومن البحث عن "ألوان العرقوب"، وعن تلك التصنيفات التي تحاول إعادة ترتيب الناس وفق معايير لم يعد لها مكان في عصر المواطنة والدولة والقانون.
فالإنسان لا يختار نسبه، لكنه يختار أخلاقه وعمله.
ولا ينبغي أن يُكافأ أحد أو يُحرم بسبب أمر وُلد معه ولم يكن له فيه اختيار.
وهنا يظهر التناقض الذي ينبغي أن يتوقف عنده الجميع: فبعض من يرفضون السلالية حين تأتي من جهة معينة، قد يقبلون بنوع آخر من التمييز حين يأتي من جهة أخرى. وبعض من يطالبون بالمساواة في السياسة، يمارسون التراتب الاجتماعي في حياتهم الخاصة.
وهذا هو الخطر الحقيقي؛ لأن العصبية لا تعيش فقط في القوانين والأنظمة، بل تعيش في الوعي اليومي، وفي طريقة اختيار الزوج، وفي نظرة الإنسان إلى جاره، وفي تقييمه للآخر قبل أن يعرف علمه وأخلاقه.
إن المجتمع الذي يُسأل فيه الإنسان أولًا عن أصله قبل عمله، وعن قبيلته قبل كفاءته، وعن نسبه قبل إنسانيته، هو مجتمع لم يتحرر بعد من أثقال الماضي.
ولذلك فإن مواجهة العصبية ليست مسؤولية جماعة دون أخرى، وإنما مسؤولية الجميع.
فلا يكفي أن نرفض سلالية معينة إذا كنا نمارس طبقية اجتماعية.
ولا يكفي أن نرفض طبقية اجتماعية إذا كنا نؤسس لعصبية قبلية.
ولا يكفي أن نرفع شعار الوحدة الوطنية إذا كنا نعيد إنتاج الانقسام في حياتنا اليومية.
إن المعيار واحد: رفض كل أشكال الامتياز القائم على الميلاد.
ومن هنا فإن اليمن بحاجة إلى مشروع وطني وثقافي يعيد تعريف الهوية اليمنية على أساس جامع؛ هوية لا تلغي التنوع، لكنها تمنع تحويل التنوع إلى درجات في الكرامة.
نحن بحاجة إلى الانتقال من سؤال: "من أنت؟" بمعنى أصلك وسلالتك وقبيلتك، إلى سؤال: "ماذا تقدم؟"
ومن سؤال: "إلى أي جماعة تنتمي؟" إلى سؤال: "ما الذي تضيفه لوطنك؟"
فالدول لا تبنى بالأنساب، وإنما بالكفاءات.
ولا تنهض بالألقاب، وإنما بالمؤسسات.
ولا تستقر بالعصبيات، وإنما بالعدالة.
وقد أثبتت التجارب الإنسانية أن المجتمعات التي نجحت في بناء الدولة الحديثة لم تفعل ذلك لأنها ألغت تاريخها أو ثقافاتها، وإنما لأنها جعلت القانون فوق الجميع، وجعلت المواطنة رابطة أعلى من كل الروابط الجزئية.
إن الولايات المتحدة، رغم تاريخها الطويل من الصراعات العرقية، لم تستطع بناء نموذجها الحديث إلا عندما بدأت تتجاوز فكرة الامتياز العرقي. وأوروبا لم تخرج من حروبها الدموية إلا عندما انتقلت من منطق القوميات المتصارعة إلى منطق المؤسسات والقانون. وتجارب العالم كلها تؤكد أن العدالة هي الطريق الوحيد للاستقرار.
واليمن ليس استثناءً من هذه القاعدة.
فلا يمكن بناء وطن قوي إذا ظل أبناؤه يتنافسون في إثبات من هو أقدم نسبًا، أو أعلى مكانة، أو أحق بالامتياز.
إن أعظم ما يحتاجه اليمن اليوم هو ثورة في الوعي قبل أن تكون ثورة في السياسة؛ ثورة تعيد الإنسان إلى مكانته الطبيعية باعتباره مواطنًا كامل الحقوق والواجبات.
وهنا لا بد من التأكيد أن نقد العصبية لا يعني إلغاء القبيلة أو محو التاريخ أو إنكار الخصوصيات الثقافية. فالقبيلة، مثل أي رابطة اجتماعية، يمكن أن تكون عنصر تعاون وتكافل إذا وضعت تحت سقف الدولة والقانون. لكن الخطر حين تتحول إلى بديل عن الدولة، أو حين تمنح الإنسان حقوقًا لا يحصل عليها غيره.
وكذلك الأمر بالنسبة لكل أشكال الانتماء الأخرى.
فالدين لا يكون سببًا للتمييز.
والتاريخ لا يكون مبررًا للاستعلاء.
والنسب لا يكون وسيلة للهيمنة.
والهوية لا تكون سلاحًا ضد الآخرين.
إن من يريد أن يطهر المجتمع من العصبية بعصبية أخرى، إنما يريد أن يطهر النجاسة بما هو أنجس منها.
والعلاج الحقيقي ليس باستبدال سيد بسيد، ولا قبيلة بقبيلة، ولا سلالة بسلالة، وإنما بإقامة ميزان واحد يقف أمامه الجميع سواء أمام "ميزان العدل". و "ميزان القانون". :ميزان الكفاءة". و "ميزان التقوى"
وهذا هو الميزان الذي قرره القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرنًا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
وفي الختام، فإن اليمن لا يحتاج إلى إعادة إنتاج خصومات الماضي، بل يحتاج إلى مصالحة مع المستقبل.
يحتاج إلى أن يدرك أبناؤه أن كرامة الإنسان ليست منحة من قبيلة، ولا هبة من سلالة، ولا امتيازًا تمنحه أسرة أو جماعة.
إنها كرامة منحها الله لكل بني آدم:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. فلا سلالية باسم الدين. ولا عنصرية باسم القحطانية أو العدنانية. ولا طبقية باسم القبيلة أو المهنة. ولا إقصاء باسم التاريخ.
فالناس جميعًا شركاء في الوطن، ومتساوون أمام القانون، وما يرفع الإنسان ليس ما ورثه من آبائه، وإنما ما يقدمه لأبنائه ولوطنه وللإنسانية.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:
"يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى."
فطوبى لمن جعل الأخوة الإنسانية فوق العصبية، والعدل فوق الامتياز، والوطن فوق كل انتماء ضيق.
والله من وراء القصد



