الإثنين 3 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • دراسة في فلسفة الابتسامة في مواجهة الاستبداد

حين تكون الابتسامة أعظم إدانة.. من سقراط إلى عيسى محمد سيف

دراسة في فلسفة الابتسامة في مواجهة الاستبداد

ليست كل الابتسامات علامة رضا، ولا كل الضحكات عنوان فرح. فثمة ابتسامات تُولد في اللحظة التي يظن فيها الطغاة أنهم انتصروا، فإذا بها تتحول إلى شهادة إدانة ضدهم، تبقى بعد زوال سجونهم ومحاكمهم وعرشهم.

فالطغاة، منذ فجر التاريخ، يخطئون الخطأ ذاته؛ يظنون أن المحكمة تصنع الحقيقة، وأن القاضي يملك أن يغيّر الوقائع كما يغيّر نصوص الأحكام، وأن حبل المشنقة قادر على خنق الفكرة كما يخنق العنق. غير أن التاريخ يسخر منهم في كل عصر بالطريقة نفسها؛ إذ يحتفظ بأسماء الذين صعدوا إلى الموت مرفوعي الرؤوس، بينما يبتلع أسماء القضاة والجلادين في ظلمات النسيان.

كم قاضيًا يتذكر الناس ممن حكموا على سقراط؟ وكم عضوًا في مجلس الشيوخ الروماني بقي اسمه حاضرًا لأنه صوّت لإعدام معارضيه؟ ومن يعرف اليوم أسماء القضاة الذين أصدروا أحكام محاكم التفتيش بحق العلماء؟ لقد اختفى الجميع، بينما بقي سقراط، وبقي جيوردانو برونو، وبقي غاليليو، وبقي عمر المختار، لأن التاريخ لا يمنح الخلود لمن امتلك السلطة، بل لمن امتلك الحقيقة.

ولعل أعظم مفارقات الاستبداد أن الطاغية لا يدرك أنه، في اللحظة التي يأمر فيها بإعدام خصمه، يكون قد بدأ في تشييد تمثاله في ذاكرة الشعوب. فما أكثر الذين أرادوا دفن الأفكار تحت التراب، فإذا بهم يروونها بدماء أصحابها حتى تنبت في ضمير الإنسانية أشجارًا لا تموت.

وليس مصادفة أن تصبح لحظة النطق بالحكم هي أكثر اللحظات رهبة عند المستبد، لا عند المتهم. فالمتهم قد يكون حسم أمره، وتصالح مع مصيره، أما الحاكم فلا يزال يخشى شيئًا واحدًا: أن يتحول ضحيته إلى رمز. ولهذا كان الطغاة، عبر التاريخ، يخافون الكلمة أكثر مما يخافون السلاح، ويخشون الفيلسوف أكثر مما يخشون قائد الجيش، لأن الجيوش تهزمها جيوش، أما الأفكار فلا يهزمها إلا فكر أقوى منها.

من هنا نفهم لماذا كانت ابتسامة سقراط وهو يتجرع كأس الشوكران أخطر على أثينا من كل خطبه السابقة. لقد أدرك الفيلسوف أن المحكمة لا تستطيع أن تحاكم الحقيقة، وإنما تستطيع أن تحاكم حاملها فقط. ولذلك، لم يغادر الدنيا مهزومًا، بل غادرها وهو يترك لقضاته عبئًا سيلازمهم إلى الأبد: كيف يبرر المنتصر خوفه من رجل أعزل لا يحمل سوى الأسئلة؟

ويروي أفلاطون في محاورة فيدون أن سقراط استقبل الموت بطمأنينة مدهشة، يناقش تلاميذه في خلود النفس حتى اللحظة الأخيرة، ثم تناول كأس السم دون ارتباك، وكأنه ينفذ حكمًا أصدره ضميره لا قضاة أثينا. ولهذا أصبحت محاكمته، في الذاكرة الإنسانية، محاكمةً لأثينا أكثر منها محاكمةً لسقراط.

وتتكرر هذه المفارقة كلما تحولت المحكمة إلى أداة في يد السلطة، لا ميزانًا للعدالة. فحين يغيب العدل، لا يعود الحكم القضائي نهاية النزاع، بل يصبح بداية محاكمة أخرى، محكمةٍ لا يجلس فيها قضاة يعينهم سلطان، وإنما يجلس فيها التاريخ، ولا تُرفع فيها المرافعات، بل تُقرأ فيها ضمائر الرجال.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يقول الفيلسوف الإيطالي جيوردانو برونو لقضاته، بعدما صدر حكم إحراقه حيًا سنة 1600: "لعلكم تنطقون بهذا الحكم وأنتم أشد خوفًا مني وأنا أتلقاه." لم يكن يسخر من الموت، بل من سلطة ظنت أنها تستطيع أن تحرق الفكرة مع صاحبها. وبعد أربعة قرون، لم يبق من المحكمة إلا صفحات في كتب التاريخ، أما برونو فأصبح رمزًا لحرية الفكر في العالم كله.

إن الاستبداد لا يكره المعارضة لأنها تهدد سلطته فحسب، بل لأنه يدرك، في أعماقه، أن وجود صوت حر يفضح هشاشته. فالسلطة الواثقة من عدالتها لا تخاف النقد، ولا تحتاج إلى المقاصل لتدافع عن نفسها. أما السلطة التي ترتعد من كلمة، فإنها تعترف، دون أن تدري، بأن الكلمة أقوى منها.

وهنا تبدأ الحكاية التي نعرفها نحن، لا في أثينا قبل ألفين وأربعمائة عام، بل في اليمن، حين وقف رجال يعرفون أن المحكمة قد تحكم على أجسادهم، لكنها لن تستطيع أن تحكم على التاريخ.

لم يكن المشهد الذي شهدته صنعاء في خريف عام 1978 مجرد جلسة محاكمة في قاعة مكتظة بالجنود والقضاة، بل كان، في نظر كثيرين، مواجهة بين تصورين للدولة: دولة ترى أن أمنها يتحقق بإسكات الخصوم، ودولة يحلم بها خصومها تقوم على التعددية والمشاركة السياسية. ومهما اختلفت القراءات السياسية لتلك المرحلة المضطربة، فإن ما بقي في الذاكرة ليس منطوق الحكم، بل ملامح الذين استمعوا إليه.

لقد اعتادت السلطة، في كل العصور، أن تظن أن لحظة النطق بالحكم هي لحظة انتصارها النهائي. غير أن التاريخ يثبت العكس. فالأحكام القضائية كثيرًا ما تنتهي بانتهاء زمنها، أما المواقف الإنسانية التي تُولد في قاعات المحاكم فتبقى حيّة، لأنها لا تُكتب بالحبر، وإنما تُكتب في ذاكرة الشعوب.

ويروي كثير ممن تناولوا تلك المحاكمة أن عيسى محمد سيف ورفاقه استقبلوا الأحكام بثبات لافت، وأن أجواء القاعة حملت من المفارقات ما جعلها أقرب إلى محاكمة للسلطة منها إلى محاكمة للمتهمين. وقد اختلفت الروايات في بعض التفاصيل، لكن الثابت أن صورة هؤلاء الرجال وهم يواجهون مصيرهم بهدوء أصبحت جزءًا من الذاكرة السياسية اليمنية، تمامًا كما أصبحت صورة سقراط جزءًا من الذاكرة الفلسفية للإنسانية.

ولعل أكثر ما يربك المستبد ليس احتجاج خصومه، وإنما هدوؤهم. فالصراخ يؤكد له أنه نجح في بث الرعب، أما الابتسامة فتعلن فشله. ولهذا كانت ابتسامة المتهم، في كثير من المحاكمات السياسية عبر التاريخ، أشد وقعًا على السلطة من آلاف الخطب والبيانات.

إن المستبد يريد من ضحيته أن ينهار، لأن انهياره يمنحه شرعية نفسية لحكمه. يريد أن يرى الخوف في العيون، والارتجاف في الأصوات، والاعتذار على الشفاه. فإذا واجهه رجل يبتسم، أو امرأة تمضي إلى مصيرها مرفوعة الرأس، شعر بأن شيئًا جوهريًا قد أفلت من قبضته. لقد انتصر على الجسد، لكنه عجز عن إخضاع الإرادة.

ولهذا السبب، فإن الطغيان يخشى الرموز أكثر مما يخشى التنظيمات. فالتنظيم يمكن تفكيكه، والحزب يمكن حظره، والصحيفة يمكن إغلاقها، أما الرمز فلا يُعتقل. إنه ينتقل من جيل إلى جيل، ويعيش في الذاكرة أكثر مما عاش صاحبه على الأرض.

ومن المفارقات التي تستحق التأمل أن كثيرًا من الأنظمة التي بالغت في استخدام الإعدام السياسي لم تنجح في تثبيت شرعيتها، بل أسهمت، من حيث لا تريد، في صناعة خصومها التاريخيين. فإعدام الشيخ عمر المختار عام 1931 لم يُنهِ المقاومة الليبية، بل حوّل شيخًا سبعينيًا إلى أيقونة عالمية لمقاومة الاستعمار. ولم يؤدِّ إحراق جيوردانو برونو إلى إخماد حرية التفكير، بل جعل من اسمه رمزًا خالدًا لاستقلال العقل. أما سجن نيلسون مانديلا سبعةً وعشرين عامًا، فلم يمنع وصوله إلى رئاسة الدولة التي سجنته، بل جعل سجّانيه هم من يطلبون مصافحته.

ولذلك فإن السلطة التي تستسهل تحويل خصومها إلى شهداء، كثيرًا ما تكتشف متأخرة أنها لم تتخلص منهم، بل منحتهم ما لم يكونوا يملكونه قبل المحاكمة: الخلود الرمزي.

وليس معنى ذلك أن كل محكوم عليه يصبح بطلًا، ولا أن كل سلطة تكون ظالمة بالضرورة، فالتاريخ أكثر تعقيدًا من الأحكام المطلقة. لكنه يعلمنا أن العدالة لا تُقاس بقسوة العقوبة، بل بنزاهة الإجراءات، واستقلال القضاء، واحترام حق الدفاع، وأن قوة الدولة لا تظهر في قدرتها على إصدار أحكام الإعدام، وإنما في قدرتها على إقناع الناس بعدالتها.

ومن هنا، فإن قيمة المشهد الذي ارتبط بعيسى محمد سيف ورفاقه، كما يتذكره كثيرون، لا تكمن في تفاصيل القضية وحدها، وإنما في دلالته الإنسانية. فالابتسامة التي تواجه الموت ليست تحديًا للموت بقدر ما هي تحدٍ للخوف، وإعلان بأن الإنسان يستطيع أن يُهزم في معركة السلطة، لكنه يظل قادرًا على الانتصار في معركة الضمير.

ولعل هذا ما أدركه الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو حين كتب أن الإنسان المتمرد لا يقول «لا» من أجل الرفض وحده، بل لأنه يدافع عن قيمة يراها أسمى من حياته. فالكرامة، في نهاية المطاف، ليست شعارًا سياسيًا، وإنما اختيار أخلاقي. وعندما يصل الإنسان إلى لحظة يوقن فيها أن فقدان الكرامة أشد قسوة من فقدان الحياة، تصبح الابتسامة في وجه المقصلة فعلًا فلسفيًا قبل أن تكون موقفًا سياسيًا.

وهكذا، فإن المحاكمات التي يُراد لها أن تُنهي الخصوم، قد تتحول، من حيث لا يقصد أصحابها، إلى لحظة ميلادهم الحقيقي في الوعي الجمعي. فالسلطة تكتب حكمها على الورق، أما التاريخ فيكتب حكمه في ضمير الأمم، وبين الحكمين مسافة قد تمتد عقودًا، لكنها كثيرًا ما تنتهي بانتصار الذاكرة على الخوف.

لو تأملنا تاريخ الإنسانية، لا تاريخ الأمم وحدها، لاكتشفنا أن الطغاة جميعًا، على اختلاف أديانهم وأعراقهم وأزمانهم، يرتكبون الوهم نفسه. يظنون أن الإنسان هو جسده، وأن إسكات الصوت يعني إعدام الفكرة، وأن المقصلة نهاية الحكاية. غير أن التاريخ يجيبهم، في كل مرة، بالإجابة ذاتها: إنكم لا تقتلون إلا الأجساد، أما الأفكار فلها قانون آخر، لا تعترف به السجون، ولا تفهمه المحاكم.

ولذلك لم يكن خلود سقراط لأنه كان أقوى رجال أثينا، بل لأنه كان أضعفهم ماديًا وأقواهم يقينًا. ولم يخلد جيوردانو برونو لأنه امتلك جيشًا، بل لأنه رفض أن يشتري حياته بثمن الحقيقة كما رآها. ولم يصبح عمر المختار رمزًا لأنه انتصر في معركة عسكرية أخيرة، بل لأنه خسر حياته وربح ذاكرة أمة. إن التاريخ، في مفارقاته العجيبة، لا يمنح الخلود للمنتصر دائمًا، وإنما يمنحه لمن بقي وفيًا لمبدئه وهو يعلم أن الثمن قد يكون حياته.

ولهذا لا عجب أن تلتقي، في الوجدان الإنساني، صور أشخاص يفصل بينهم آلاف السنين واختلاف العقائد والثقافات، لكن يجمعهم موقف واحد: لحظة الوقوف أمام سلطة تمتلك حق العقاب، بينما لا يملكون إلا ضميرهم. في تلك اللحظة لا يعود السؤال: من ينتصر؟ بل: من يبقى؟ والتاريخ يجيب، مرة بعد أخرى، بأن البقاء ليس لمن يطيل عمر سلطانه، وإنما لمن يمنح الإنسانية معنى أعمق للكرامة.

لقد أدرك الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد أن الحقيقة التي لا يكون الإنسان مستعدًا لدفع ثمنها ليست حقيقة استقرت في وجدانه بعد. وأدرك ألبير كامو أن التمرد الأخلاقي ليس شهوةً للصدام، بل دفاع عن قيمة يرى الإنسان أنها أعلى من وجوده الفردي. وفي التراث الإسلامي، يعبّر الإمام علي بن أبي طالب عن هذا المعنى بكلمة موجزة صارت من عيون الحكمة: «لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه.» فالحق لا يقاس بعدد أتباعه، بل بقدرته على الصمود حين يتخلى عنه الأكثرون.

ومن هنا، فإن الابتسامة في مواجهة الموت ليست ازدراءً للحياة، بل أسمى صور احترامها. فالذي يبتسم لا يقول إن الموت سهل، وإنما يقول إن الكرامة أثمن. وهو لا يحتقر الحياة، بل يرفض أن تتحول إلى حياة بلا معنى. ولهذا كانت ابتسامة الإنسان الحر أكثر إيلامًا للمستبد من كل الهتافات؛ لأنها تعلن، بصمتها، أن آخر أدوات الترهيب قد فقدت قدرتها على إخضاع الروح.

ولعل هذا هو السر الذي جعل القرآن الكريم يربط بين العدالة وحرمة النفس البشرية، فيقرر مبدأً يتجاوز الزمان والمكان: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. إن الآية لا تتحدث عن فرد واحد فحسب، بل عن القيمة التي يمثلها كل إنسان. فحين تُزهق نفس ظلمًا، لا يكون الاعتداء على شخص بعينه، وإنما على الفكرة التي يقوم عليها العمران البشري: أن الإنسان مكرم، وأن العدالة ليست منحة من سلطان، بل حق أصيل.

ولذلك، فإن المجتمعات التي تجعل من القضاء أداة للانتقام السياسي لا تُضعف خصومها وحدهم، بل تُضعف ثقة الناس في العدالة نفسها. فالمحكمة التي يُفترض أن تكون ملاذ المظلوم، إذا تحولت في نظر الناس إلى امتداد لإرادة السلطة، خسرت رسالتها قبل أن يخسر المتهم قضيته. وقد علّمنا التاريخ أن الدول قد تستعيد ما خسرته في الحروب، لكنها لا تستعيد بسهولة ثقة الناس حين تتصدع هيبة العدالة.

وليس المقصود من هذه المقارنة مساواة التجارب التاريخية، ولا إلغاء الفوارق بين سياقاتها، وإنما الإشارة إلى قانون إنساني يتكرر على نحو يثير الدهشة: كلما بالغت السلطة في معاقبة أصحاب الرأي أو الضمير، زادت احتمال أن تمنحهم مكانة رمزية لم يكونوا يملكونها من قبل. ولهذا كثيرًا ما يكون المنتصر في لحظة الحكم هو الخاسر في محكمة التاريخ، بينما يبدو المهزوم يومئذٍ وكأنه الرابح الوحيد.

إن الطغاة يملكون لحظة، أما أصحاب المبادئ فيملكون الزمن. الأول يكتب قراره في سجل المحكمة، والثاني يكتبه في ضمير الأجيال. الأول يراهن على الخوف، والثاني يراهن على الذاكرة. وبين الخوف والذاكرة، كانت الغلبة دائمًا للذاكرة؛ لأنها وحدها التي تعيش بعد أن يسكت هدير السلاح، وتُطوى ملفات القضايا، وتتبدل أسماء الحكام.

ولهذا فإن الابتسامة التي تعلو وجه إنسان وهو يواجه مصيرًا يراه جائرًا ليست تفصيلًا عابرًا في مشهد درامي، بل إعلان فلسفي بالغ العمق: أن الإنسان يستطيع أن يُجرَّد من حريته، ومن ماله، ومن منصبه، وحتى من حياته، لكنه يظل قادرًا، حتى اللحظة الأخيرة، على أن يختار الطريقة التي يواجه بها مصيره. وفي هذا الاختيار تكمن آخر مساحة لا تستطيع السلطة أن تصادرها.

إنها المساحة التي يصبح فيها الضمير سيدًا، ويغدو الجسد، بكل ضعفه، أقوى من السيف الذي يهدده؛ لأن القوة الحقيقية ليست في القدرة على إنزال العقوبة، بل في القدرة على أن يبقى الإنسان وفيًا لنفسه وهو يعلم أن ثمن ذلك قد يكون حياته.

وتبقى الحقيقة التي يؤكدها التاريخ، جيلاً بعد جيل، أن العدالة ليست ما يُكتب في منطوق الأحكام، بل ما يبقى منها بعد أن يهدأ صخب السياسة، وتغيب وجوه الحكام، وتتبدل الأعلام، وتُفتح الأرشيفات. فكم من حكمٍ صُفِّق له في يوم صدوره، ثم صار بعد عقود وصمةً في جبين العصر الذي أنجبه. وكم من رجلٍ خرج من قاعة المحكمة إلى حبل المشنقة أو إلى زنزانةٍ معتمة، ثم خرج من ذاكرة شعبه إلى ذاكرة الإنسانية.

ولعل ابن خلدون لخص هذه الحقيقة بكلماته الخالدة حين قال: «الظلم مؤذن بخراب العمران.» ولم يكن يقصد خراب المباني، بل خراب المعنى الذي تقوم عليه الدولة. فالدولة لا تسقط يوم تنفد أموالها، ولا يوم تُهزم جيوشها، وإنما تبدأ بالانهيار حين يفقد الناس ثقتهم بأن العدل هو أساس الحكم، وأن القانون ميزان لا سوط، وأن القضاء ضمير الأمة لا لسان السلطان.

ولهذا فإن أخطر ما يفعله الاستبداد ليس أنه يملأ السجون، بل أنه يحاول أن يجعل الناس يعتادون الظلم حتى يبدو أمرًا طبيعيًا. فإذا نجح في ذلك، ماتت العدالة في النفوس قبل أن تموت في المحاكم. غير أن التاريخ يعلمنا أيضًا أن الشعوب قد تصبر طويلًا على الفقر، لكنها لا تنسى الظلم. فالذاكرة الإنسانية بطيئة، لكنها عنيدة؛ وقد تتأخر في إصدار حكمها، إلا أنها نادرًا ما تخطئ في نهايته.

ومن هنا يكتسب قول مارتن لوثر كينغ الابن معناه العميق: «إن قوس الكون الأخلاقي طويل، لكنه ينحني نحو العدالة.» فليس المقصود أن العدالة تتحقق سريعًا، ولا أن التاريخ ينصف المظلومين في حياتهم دائمًا، بل أن الظلم، مهما امتلك من أسباب القوة، يحمل في داخله بذور هزيمته. لأنه يقوم على الخوف، والخوف لا يبني شرعية، ولا يصنع احترامًا، ولا يورث بقاءً.

ولذلك فإن الابتسامة التي واجه بها سقراط كأس الشوكران، والثبات الذي نُقل عن عمر المختار وهو يواجه المشنقة، والمواقف التي حفظتها الذاكرة اليمنية عن عيسى محمد سيف ورفاقه، ليست وقائع متشابهة في ظروفها أو سياقاتها، لكنها تلتقي في دلالة واحدة: أن الإنسان يستطيع، حتى وهو في أضعف لحظاته، أن يحتفظ بما هو أثمن من حياته؛ أن يحتفظ بحريته الداخلية، وأن يرفض أن يمنح جلاده انتصارًا أخلاقيًا.

إن الاستبداد لا يخشى الموتى، بل يخشى الذكرى التي يتركونها. ولهذا يسعى دائمًا إلى محو الصور، ومصادرة الكتب، وإعادة كتابة التاريخ. لكنه يكتشف، بعد فوات الأوان، أن الذاكرة لا تُحاكم، وأن الضمير لا يُصادر، وأن الفكرة التي نجت مرة من السيف، ستنجو ألف مرة من النسيان.

ولعل أكثر ما يدعو إلى التأمل أن الناس، بعد مرور القرون، لا يتساءلون: كم كانت مدة الحكم؟ ولا: كم كان عدد الجنود الذين أحاطوا بالمحكمة؟ ولا: كم كانت قوة الدولة يومئذ؟ بل يسألون سؤالًا واحدًا: من كان أقرب إلى العدالة؟ ومن الذي وقف، وهو يعلم أن الثمن قد يكون حياته، ثم لم يتراجع؟

ذلك هو السؤال الذي ينجو من تقلبات السياسة، ويبقى حيًا في ضمير التاريخ.

ولهذا، فإن الأمم لا تُقاس بما تبنيه من قصور، ولا بما تمتلكه من جيوش، بل بما تتركه من عدالة. والقضاء لا يخلده عدد الأحكام التي يصدرها، وإنما يخلده حكم واحد يرفض أن يكون أداةً للهوى. أما السلطة التي تجعل من المحكمة مسرحًا لإرادتها، فقد تربح قضيةً في يوم، لكنها تخسر ثقة أمةٍ لأجيال.

لقد علمتنا الإنسانية، منذ أثينا إلى يومنا هذا، أن الطغاة يملكون الزمن السياسي، أما أصحاب الضمائر فيملكون الزمن الأخلاقي. والأول قصير، مهما طال، والثاني طويل، مهما تأخر.

لهذا، لا ينبغي أن تُقرأ تلك الابتسامات بوصفها تحديًا للموت، بل بوصفها انتصارًا على الخوف. فهي ليست ابتسامة من يستخف بالحياة، وإنما ابتسامة من يرفض أن يعيشها منكسرًا. إنها إعلانٌ صامت بأن الكرامة ليست امتيازًا تمنحه السلطة، بل حقيقة يولد بها الإنسان، ولا يملك أحد أن ينتزعها منه إلا إذا رضي هو بذلك.

ولهذا أيضًا، فإن الجلاد، مهما بدا قويًا وهو ينطق بالحكم، يبقى الطرف الأكثر قلقًا؛ لأنه يعرف، في أعماقه، أن سلطته تنتهي عند الجسد، بينما تبدأ سلطة الضمير من اللحظة التي يظن فيها أنه انتصر.

وهكذا، لا يكتب التاريخ أسماء الذين امتلكوا المقاصل إلا في الهوامش، أما الذين ساروا إليها ثابتين، فإن أسماءهم تُكتب في المتن.

ويبقى المشهد الأخير، بعد أن ينفض الجمع، ويُطوى ملف القضية، ويغادر القضاة مقاعدهم، وتُطفأ أضواء المحكمة: رجلٌ أو امرأة يبتسم في وجه الظلم، وسلطةٌ تظن أنها ربحت.

وبعد سنوات، لا يتذكر الناس الحكم... بل يتذكرون الابتسامة.