ثقافة إنكار القريب: أزمة الاعتراف في اليمن
من الظواهر اللافتة في المجال الثقافي اليمني أن كثيرا من الأكاديميين والمثقفين والناشطين، فضلا عن عامة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، يبدون استعدادا واسعا للاستشهاد بكاتب عربي أو باحث أجنبي، وتداول منشوراته، والإشادة بأفكاره، بينما لا يمنحون الإنتاج اليمني المشابه القدر نفسه من الاهتمام أو التقدير. وقد يكتب باحث يمني دراسة رصينة أو يقدم مثقف محلي فكرة جديدة، فتمر من دون نقاش جاد، ثم يعاد تداول الفكرة ذاتها عندما ينشرها كاتب من خارج اليمن، وكأن الفكرة لا تكتسب مشروعيتها إلا بعد أن تأتي مختومة باسم غير يمني.
هذه الظاهرة لا تعني أن اليمنيين لا يقدرون مبدعيهم مطلقا، كما لا تعني أن كل إنتاج محلي يستحق الاحتفاء لمجرد أنه يمني. لكنها تطرح سؤالا حقيقيا عن المعايير التي تتشكل من خلالها القيمة الثقافية: هل نحكم على الأفكار من مضمونها، أم من اسم صاحبها؟ وهل يحتاج المبدع اليمني إلى اعتراف خارجي قبل أن يعترف به أبناء بلده؟
الإجابة ليست بسيطة، ولا يمكن اختزالها في الحسد وحده، أو في الانبهار بالخارج وحده. نحن أمام شبكة متداخلة من العوامل النفسية والاجتماعية والسياسية والمؤسسية، تراكمت عبر عقود، ثم ازدادت حدة في ظل الحرب والانقسام وانهيار مؤسسات الدولة والمجال العام.
سلطة الاسم القادم من الخارج
في المجتمعات التي تفتقر إلى المؤسسات المستقلة القادرة على تقييم الإنتاج الفكري والعلمي، يتحول اسم الكاتب أو الجهة التي ينتمي إليها إلى بديل عن فحص المحتوى. فعندما يكون الكاتب أستاذا في جامعة غربية، أو ينشر في صحيفة عربية كبيرة، أو يظهر في قناة فضائية معروفة، يحصل كلامه مسبقا على ما يمكن وصفه بـ«رصيد من المصداقية». أما الكاتب المحلي، فيدخل إلى النقاش من دون هذا الرصيد، ويطلب منه في كل مرة أن يثبت جدارته من البداية.
هنا تؤدي السمعة الخارجية وظيفة «شهادة الجودة». فكثير من القراء لا يمتلكون الوقت أو الأدوات اللازمة لتقييم دراسة أكاديمية أو تحليل سياسي أو عمل أدبي، فيستخدمون شهرة الكاتب ومكان النشر وموقعه الجغرافي مؤشرات سريعة على القيمة. وليست هذه الآلية يمنية خالصة، بل تظهر في مجتمعات كثيرة تقع على هامش مراكز الإنتاج الثقافي العالمي.
وقد استخدم مفهوم «الانكماش الثقافي» أو Cultural Cringe لوصف شعور داخلي يجعل بعض المجتمعات تنظر إلى ثقافتها وإنتاجها المحلي بوصفهما أدنى من إنتاج المراكز الخارجية، وتفترض أن المعايير الحقيقية تصنع في مكان آخر. ولا يعني ذلك رفض الثقافة المحلية بصورة واعية دائما، بل قد يظهر في صورة انبهار تلقائي بالاسم الأجنبي، أو مبالغة في تقدير أي فكرة قادمة من الخارج، حتى عندما تكون عادية أو مكررة.
في الحالة اليمنية، قد لا يكون الخارج غربيا بالضرورة. فقد يكون الكاتب مصريا أو لبنانيا أو خليجيا أو مغاربيا. المهم أنه يأتي من خارج الدائرة المحلية، ويحمل معه مسافة نفسية تمنحه قدرا من الهيبة والحياد المتخيل.
القريب يفقد هالته
من المفارقات الاجتماعية أن معرفة الإنسان القريبة بالمبدع قد تقلل أحيانا من تقديره له. فالكاتب البعيد يظهر من خلال كتبه ومقالاته وصورته العامة، أما الكاتب القريب فيعرفه الناس باسمه وعائلته ومنطقته وتاريخه الشخصي ومواقفه السياسية وربما أخطائه اليومية. وبدلا من أن يناقشوا النص الذي كتبه، يستحضرون الشخص الذي يعرفونه.
يقول أحدهم في نفسه: لقد كان زميلي في المدرسة، أو أعرف أسرته، أو ينتمي إلى قرية قريبة، فكيف أصبح فجأة مفكرا أو عالما أو أديبا يستحق الاستشهاد به؟ وهكذا تتحول الألفة من جسر للثقة إلى حاجز أمام الاعتراف.
إنها صورة من صور العجز عن الفصل بين الإنسان ومنتجه. فالمبدع البعيد لا يزعج ترتيب المكانة داخل الجماعة، بينما يفرض نجاح المبدع القريب إعادة ترتيب غير معلنة للمواقع الاجتماعية. والاعتراف به قد يعني ضمنيا أنه أصبح أكثر حضورا أو تأثيرا أو معرفة من أقرانه، وهو أمر يصعب على بعض النفوس تقبله.
ولهذا قد لا تكون المشكلة في رفض الفكرة نفسها، بل في رفض الاعتراف بأن شخصا نعرفه استطاع إنتاجها.
الحسد حاضر، لكنه ليس التفسير الوحيد
لا يمكن إنكار وجود الحسد والتنافس الشخصي. فالمجالات الثقافية والأكاديمية ليست منفصلة عن الطبيعة البشرية. وقد يشعر البعض بأن نجاح زميلهم ينتقص من فرصهم أو يهدد مكانتهم. لكن استخدام الحسد تفسيرا وحيدا يؤدي إلى تبسيط الظاهرة وإعفاء المؤسسات والثقافة العامة من مسؤوليتها.
الحسد يصبح أكثر تأثيرا حين تكون الفرص محدودة. فعندما لا توجد دور نشر قوية، ولا مجلات علمية مستقلة، ولا جوائز موثوقة، ولا مساحات إعلامية كافية، يشعر المثقفون بأنهم يتنافسون على مساحة ضيقة للغاية. ويغدو ظهور اسم جديد تهديدا للأسماء الموجودة، بدلا من أن يكون إضافة إلى المشهد الثقافي.
في البيئات المستقرة، يمكن لعشرات الكتاب والباحثين أن ينجحوا بالتزامن، لأن هناك جامعات ومراكز أبحاث وصحفا ودور نشر ومنحا وجوائز متعددة. أما في البيئات المنهكة، فقد يبدو الاعتراف الثقافي كأنه مورد نادر لا بد من احتكاره. ومن هنا يتحول التنافس الطبيعي إلى صراع شخصي، وتصبح محاولات التقليل من الآخرين وسيلة لحماية المكانة.
المشكلة، إذن، ليست وجود التنافس، بل غياب القواعد التي تجعله تنافسا على جودة الأفكار بدلا من أن يكون صراعا على الأشخاص.
عندما تسبق الهويةُ الفكرةَ
لا يمكن فهم هذه الظاهرة في اليمن من دون التوقف أمام أثر الحزبية والمناطقية والمذهبية والقبلية والإثنية والاجتماعية. فجزء كبير من الإنتاج الفكري لم يعد يستقبل بوصفه فكرة قابلة للنقاش، بل بوصفه صوتا صادرا عن جماعة سياسية أو منطقة أو طائفة أو طبقة اجتماعية.
قبل أن يقرأ البعض المقال يسألون: من أين صاحبه؟ إلى أي حزب ينتمي؟ مع أي طرف يقف؟ ما اسمه العائلي؟ هل هو شمالي أم جنوبي؟ زيدي أم شافعي؟ قبيلي أم غير قبيلي؟ من المركز أم من الهامش؟ مقيم في الداخل أم في الخارج؟
وبعد الحصول على الإجابة، يتحدد في أحيان كثيرة الموقف من النص قبل قراءته.
قد يرفض الحزبي فكرة سليمة لأن صاحبها ينتمي إلى الحزب المنافس، ثم يحتفي بالفكرة نفسها إذا قالها كاتب عربي لا يرتبط بالصراع اليمني. وقد يتردد ابن منطقة في مشاركة إنتاج شخص من منطقة أخرى، ليس لضعف المحتوى، بل لأن الاعتراف به قد يفهم داخل جماعته وكأنه تنازل سياسي أو اجتماعي. كما يمكن للأسماء العائلية والانتماءات القبلية والمذهبية أن تفتح أمام بعض المبدعين أبوابا وتغلقها أمام آخرين، بصرف النظر عن الكفاءة.
والتمييز لا يسير في اتجاه واحد. فقد يمارس ضد أبناء المناطق الريفية أو المهمشة، وضد أصحاب المهن أو الأصول الاجتماعية التي ينظر إليها بدونية، كما قد يظهر ضد النساء والشباب ومن لا يمتلكون شبكة علاقات نافذة. كذلك قد يتحول الانتماء إلى فئة تعرضت تاريخيا للتهميش إلى حاجز غير معلن أمام الاعتراف بمنتج صاحبها، حتى عندما يتجنب الخطاب العام الاعتراف بوجود هذا التمييز.
لقد أسهمت الحرب في تعميق هذه الانقسامات، لا في إنشائها من الصفر. وتشير تقارير دولية إلى أن الصراع أدى إلى تفكك سياسي ومؤسسي واسع، وإلى تعدد مراكز السلطة والنفوذ وتراجع الثقة بالمؤسسات الوطنية الجامعة. كما ترجح دراسات البنك الدولي استمرار بعض أشكال الانقسام الاجتماعي والسياسي والمؤسسي حتى في مرحلة ما بعد الحرب.
حين يتفتت المجال الوطني، تتفتت معه المرجعية الثقافية. فلا يعود المجتمع أمام ساحة فكرية يمنية واحدة، بل أمام ساحات متوازية، لكل واحدة كتابها وإعلامها ورموزها وخصومها. وقد يصبح المثقف معروفا ومحتفى به داخل جماعته، لكنه مجهول أو مرفوض خارجها.
الحزبية بوصفها آلة لتوزيع الاعتراف
الأحزاب والجماعات السياسية لا تكتفي بتوزيع المناصب والموارد، بل تسهم أيضا في توزيع الشهرة والاعتراف. فلكل جماعة كتابها وصحفيوها ومثقفوها ومنصاتها الإعلامية. وقد يرفع الانتماء الحزبي شخصا محدود الإنتاج، بينما يحجب باحثا أكثر كفاءة لأنه مستقل أو لأنه يقف خارج شبكة العلاقات.
بهذا المعنى، لا يتشكل «المثقف المعروف» دائما نتيجة تراكم معرفي حر، بل قد يكون نتاجا لآلة ترويج حزبية أو إعلامية. وتظهر المشكلة حين يختلط الانتشار بالجودة، ويصبح عدد الظهور في وسائل الإعلام بديلا عن القيمة الفكرية.
أما المثقف المستقل فيواجه صعوبة مضاعفة. فهو لا يستفيد من دعم جماعة سياسية، وقد يتعرض في الوقت نفسه لهجوم جماعات متعددة لأنه لا يقدم لها الولاء المطلوب. وربما يكون الاستشهاد بكاتب خارجي أكثر أمانا من الاستشهاد بمثقف يمني مستقل، لأن الكاتب الخارجي لا يضع القارئ مباشرة داخل خريطة الاصطفافات المحلية.
إن نقل عبارة لكاتب عربي مشهور قد يمر بوصفه عملا ثقافيا، بينما قد تتحول مشاركة عبارة لكاتب يمني إلى إعلان موقف سياسي، حتى لو لم تكن العبارة سياسية أصلا.
انهيار المجال الإعلامي المشترك
تحتاج الثقافة إلى مجال عام يسمح للأفكار بالانتقال بين الفئات والمناطق. غير أن وسائل الإعلام اليمنية تعرضت خلال سنوات الحرب لانقسامات حادة، وأصبحت قطاعات واسعة منها مرتبطة بأطراف الصراع. وقد أشارت اليونسكو إلى أن النزاع فاقم الاستقطاب الإعلامي، وأن خطاب الكراهية والرسائل السياسية طغيا على جزء من المحتوى، كما أصبح الوصول إلى معلومات موثوقة ومدققة أكثر صعوبة في بيئة إعلامية منقسمة.
في مثل هذه البيئة، لا ينتشر العمل لأنه الأفضل بالضرورة، بل لأنه يتوافق مع مصالح الشبكة التي تنشره. وإذا لم يكن للمبدع حزب أو قناة أو مؤسسة أو مجموعة ضغط رقمية، فقد يظل إنتاجه محدود الوصول مهما بلغت جودته.
كما أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تكافئ المحتوى الذي يحقق تفاعلا سريعا، لا المحتوى الأكثر عمقا. وغالبا ما تمتلك الأسماء الخارجية المعروفة جمهورا أكبر وحضورا رقميا أوسع، فيظهر تداولها وكأنه اختيار فردي حر، بينما هو في جانب منه نتيجة تفاوت كبير في قدرات الوصول والترويج.
ضعف المؤسسات التي تصنع القيمة
لا يولد الكاتب الكبير من الكتابة وحدها، بل من منظومة كاملة: تعليم جيد، وناشر محترف، ومحرر دقيق، وناقد مستقل، وصحافة ثقافية، ومكتبات، وجوائز شفافة، واتحادات مهنية، ومراكز أبحاث، وقواعد بيانات تحفظ الأعمال وتتيحها للقراء.
عندما تغيب هذه المنظومة، يصبح الاعتراف خاضعا للعلاقات الشخصية. فمن يعرف محرر الصحيفة ينشر، ومن يمتلك صلة بالناشر تطبع أعماله، ومن يرتبط بالجهة المانحة يحصل على الدعم، ومن ينتمي إلى الشبكة المناسبة يدعى إلى المؤتمرات والندوات.
ويترتب على ذلك أمران متناقضان. الأول أن أعمالا جيدة قد تختفي لأنها لم تجد المؤسسة التي تقدمها. والثاني أن أعمالا ضعيفة قد تحظى بالانتشار بسبب المحسوبية. ومع تكرار ذلك، يفقد الجمهور ثقته بالمنتج المحلي كله، ويبدأ في افتراض أن الشهرة المحلية مصنوعة بالعلاقات، بينما الشهرة الخارجية قائمة على الاستحقاق.
قد يكون هذا الافتراض غير صحيح في كثير من الحالات، لكنه يجد ما يغذيه في غياب الشفافية والتحكيم المهني.
مسؤولية المنتج المحلي نفسه
الدفاع عن الإنتاج اليمني لا ينبغي أن يتحول إلى قومية ثقافية عمياء، ولا إلى مطالبة الناس بالاحتفاء بكل ما يكتب لمجرد أن كاتبه يمني. فجزء من ضعف الثقة في المنتج المحلي يعود أيضا إلى تفاوت جودته.
هناك كتابات تفتقر إلى التوثيق، ودراسات لا تحترم المنهج العلمي، وأعمال أدبية لم تمر بتحرير جاد، وكتب تنشر على نفقة أصحابها من دون مراجعة، ومقالات تخلط الرأي بالمعلومة، ونصوص تعيد إنتاج أفكار سابقة من دون إحالة إلى مصادرها. كما ينتشر أحيانا تضخيم الألقاب والسير الذاتية، فتتضرر مصداقية الجادين بسبب ممارسات غير مهنية يقوم بها آخرون.
لا يمكن بناء الثقة عبر مطالبة الجمهور بالمجاملة، بل عبر رفع جودة الإنتاج وتأسيس معايير واضحة. فالمنتج المحلي يحتاج إلى النقد بقدر حاجته إلى الدعم، وربما أكثر. لكن النقد المطلوب هو نقد العمل بالحجة والدليل، لا نقد صاحبه بسبب اسمه أو منطقته أو انتمائه.
الاعتراف الحقيقي لا يعني التصفيق، بل القراءة الجادة والمناقشة والاعتراض والتصحيح والاقتباس والإحالة. وقد يكون تجاهل العمل أكثر ضررا من نقده.
الخارج بوصفه منطقة محايدة
من الأسباب الخفية لتفضيل الكاتب الخارجي أنه لا ينافس القارئ مباشرة على المكانة المحلية. فالاحتفاء بمفكر عالمي أو عربي مشهور لا يغير ترتيب النفوذ داخل الوسط اليمني، بينما الاحتفاء بزميل أو باحث يمني قد يمنحه حضورا ومكانة وفرصا جديدة.
الكاتب الخارجي بعيد بما يكفي لكي يكون آمنا. لا ينتمي إلى القبيلة المنافسة، ولا يزاحم على منصب جامعي، ولا يتقدم للحصول على المنحة نفسها، ولا يحظى بدعوة كان آخر يطمح إليها. أما المبدع المحلي فهو حاضر في المجال نفسه، ولهذا تختلط عملية تقييمه بحسابات المنافسة.
ويفسر ذلك لماذا يحتفي بعض اليمنيين بالمبدع بعد أن يغادر البلاد أو يحصل على جائزة خارجية. فبعد الاعتراف به دوليا، يصبح إنكار قيمته أصعب، كما أن نجاحه خارج الساحة المحلية يخفف الشعور بأنه منافس مباشر. وهنا لا يكون الخارج قد اكتشف المبدع فقط، بل يكون قد منحه شهادة تسمح لبلده بالاعتراف به.
خسائر ثقافية بعيدة المدى
حين لا يتداول المجتمع إنتاج مبدعيه، فإنه لا يظلم أفرادا فحسب، بل يفقد ذاكرته وقدرته على إنتاج معرفة متراكمة. فالأفكار لا تتطور في الفراغ، بل تحتاج إلى سلسلة من الحوار والنقد والبناء. وعندما يتجاهل كل جيل ما أنتجه الجيل السابق، يبدأ الجميع من النقطة الأولى.
كما يؤدي ضعف الاعتراف المحلي إلى هجرة الكفاءات، جسديا أو رمزيا. فقد يغادر الباحث البلاد، أو يختار الكتابة لجمهور خارجي، أو يتوقف عن الإنتاج لأنه لا يجد قارئا أو مؤسسة. ويخسر المجتمع بذلك خبرة كان يمكن أن تصبح جزءا من رأسماله المعرفي.
الأخطر أن الساحة التي لا تملك مرجعيتها المحلية تصبح أكثر قابلية لاستهلاك الأفكار الجاهزة. فهي تستورد المفاهيم والحلول من مجتمعات مختلفة، من دون أن تمتلك العدد الكافي من الباحثين القادرين على إعادة صياغتها وفقا للواقع اليمني.
ولا يعني بناء المرجعية الوطنية الانغلاق عن العالم. فالثقافة القوية هي التي تنفتح على الخارج من موقع المشاركة لا من موقع الشعور بالدونية، وتستفيد من الخبرات العالمية من دون أن تلغي خبرتها المحلية.
كيف يمكن كسر هذه الدائرة؟
الخطوة الأولى هي إعادة الاعتبار إلى مبدأ بسيط: ناقش الفكرة قبل أن تسأل عن هوية صاحبها. ينبغي أن يكون السؤال: ماذا قال؟ وما أدلته؟ وما الجديد الذي قدمه؟ لا: من أي منطقة جاء؟ ولأي جماعة ينتمي؟
وتحتاج الجامعات والصحف والمراكز الثقافية إلى وضع قواعد شفافة للنشر والتحكيم والجوائز. كما ينبغي إنشاء قواعد بيانات وفهارس رقمية تجمع الإنتاج اليمني العلمي والأدبي والفني، لأن كثيرا من الأعمال لا يتعرض للتجاهل المتعمد، بل يضيع بسبب صعوبة الوصول إليه.
ومن الضروري دعم مجلات ومنصات عابرة للمناطق والأحزاب، تستكتب اليمنيين من مختلف الخلفيات وتخضع موادهم للمعايير نفسها. ويمكن للجامعات تنظيم حلقات قراءة ونقد لأعمال الباحثين اليمنيين، وإدراجها ضمن المقررات كلما استوفت الشروط العلمية، بدلا من التعامل معها بوصفها أقل قيمة بصورة تلقائية.
كما تقع مسؤولية على المثقفين أنفسهم. فالاستشهاد بالإنتاج المحلي ليس مجاملة، بل ممارسة معرفية ضرورية. ومن غير المعقول أن يكتب باحث عن المجتمع اليمني ويملأ دراسته بمراجع أجنبية، بينما يتجاهل كل ما كتبه باحثون يمنيون في الموضوع نفسه. الصحيح هو الاستفادة من المحلي والعربي والعالمي معا، مع اختيار المرجع بناء على صلته وجودته.
وينبغي كذلك الفصل بين الاختلاف السياسي والاعتراف الفكري. فقد يختلف الإنسان جذريا مع كاتب ما، لكنه يعترف بأن لديه فكرة مهمة أو دراسة جيدة. هذه القدرة على الفصل علامة نضج ثقافي، بينما اعتبار كل اعتراف بالخصم خيانة للجماعة علامة على هشاشة الثقة بالنفس.
الاعتراف ليس منحة شخصية
لا يحتاج اليمن إلى تقديس مبدعيه، بل إلى معاملتهم بعدالة. فالاحتفاء غير النقدي قد يكون ضارا مثل التجاهل، والمجاملة لا تبني ثقافة، كما أن العصبية الوطنية لا تنتج معرفة. المطلوب أن يحصل العمل اليمني على فرصة عادلة للقراءة والتقييم والتداول.
ليست كل شهرة خارجية دليلا على الجودة، كما أن كل تجاهل محلي ليس دليلا على الحسد. لكن اجتماع ضعف المؤسسات مع الانقسام السياسي والاجتماعي، وتضييق الفرص، وهيمنة شبكات العلاقات، والانبهار بالمراكز الخارجية، يجعل المبدع اليمني مطالبا غالبا بجهد مضاعف حتى يحصل على نصف الاعتراف.
إن المجتمع الذي لا يرى مبدعيه إلا بعد أن يراهم الآخرون يعاني خللا في بصره الثقافي. وحين نحتاج دائما إلى شهادة خارجية لكي نعترف بعالم أو كاتب أو فنان من بلادنا، فنحن لا نقلل من قيمة المبدع وحده، بل نعلن بصورة غير مباشرة أننا لا نثق بقدرتنا على التمييز والحكم وصناعة القيمة.
بناء المرجعية اليمنية لن يبدأ بإطلاق الشعارات، بل بالقراءة والاقتباس والتوثيق والنقد العادل، وبإنشاء مؤسسات تتجاوز الحزب والمنطقة والمذهب والقبيلة والطبقة. عندها لن يكون السؤال: لماذا نحتفي بالآخرين؟ بل كيف نفتح حوارا متكافئا بين إنتاجنا وإنتاج العالم؟
فالأمم التي لا تقرأ أبناءها تظل عالة على ذاكرة الآخرين، والأوطان التي لا تنصف مبدعيها في حياتهم لا يحق لها أن تتباهى بهم بعد رحيلهم.
