كلمة إلى أبناء وطني
يا أبناء اليمن، يا أبناء الجنوب والشمال، يا كل من أتعبته هذه السنوات الطويلة من الصراع والانقسام..
أقولها اليوم بكل صراحة: لم تعد مشكلتنا تقتصر على الحرب التي نعيشها، بل تمتد إلى المشاريع التي صنعتها، وإلى القوى التي وجدت في انقسامنا فرصة لبناء نفوذها على حساب وطننا.
منذ ثورتي سبتمبر وأكتوبر، كان حلم اليمنيين واضحاً: التخلص من الإمامة والاستعمار، وبناء دولة وطنية حديثة، دولة تقوم على المواطنة والمؤسسات، وتحفظ للإنسان كرامته وحقوقه.
لكن هذا المشروع الوطني لم يُمنح فرصته الحقيقية.
كلما بدأ اليمنيون في بناء دولتهم، ظهرت المشاريع الصغيرة، وبدأت الانقسامات تتغذى من الخارج، وتحولت القبيلة والمنطقة والمذهب إلى أدوات للصراع السياسي.
واليوم نحن ندفع ثمن ذلك كله.
نحن أمام وطن تمزق بين مشاريع متعددة، وكل مشروع يريد أن يقول: أنا وحدي أمثل اليمن، أو أنا وحدي أمثل الجنوب، أو أنا وحدي أملك الحقيقة.
وهذا هو الخطأ الأكبر.
لا أحد يملك الجنوب وحده.
ولا أحد يملك الشمال وحده.
ولا أحد يملك عدن وحده.
ولا أحد يملك اليمن وحده.
اليمن ملك أبنائه جميعاً.
والجنوب ملك أبنائه جميعاً، بكل تنوعهم السياسي والاجتماعي والمناطقي والفكري.
وعدن، هذه المدينة التي احتضنت الجميع، لا يجوز أن تتحول إلى ساحة للصراع على النفوذ، ولا إلى غنيمة تتقاسمها القوى، ولا إلى مشروع خاص بأشخاص أو جماعات.
لقد رأينا كيف أصبحت القوى الإقليمية والدولية تتنافس في اليمن، وكل طرف يبحث عن أدواته في الداخل.
وعندما تختلف هذه القوى، يختلف اليمنيون.
وعندما تتغير مصالحها، تتغير تحالفاتنا.
وعندما تريد فرض مشروع، تبحث عن قوة محلية تحمله.
وهكذا أصبحنا، للأسف، نتحرك أحياناً وفق ما يريده الآخرون، بينما نظن أننا ندافع عن مصالحنا الوطنية.
أنا لا أقول إن كل من يختلف معنا عميل، ولا أقول إن كل علاقة مع الخارج خيانة، ولكنني أقول إن الخطر يبدأ عندما يصبح قرارنا الوطني مرتهناً للخارج، وعندما تصبح مصالح الآخرين أهم من مصلحة وطننا.
الخطر يبدأ عندما يصبح السلاح أقوى من القانون.
وعندما تصبح القوة العسكرية بديلاً عن المؤسسات.
وعندما يصبح الانتماء للمنطقة أقوى من الانتماء للوطن.
وعندما يتحول الشاب إلى مقاتل من أجل مشروع لا يعرف حقيقته، بينما أهله يعيشون الفقر والجوع وانقطاع الكهرباء وانعدام الخدمات.
أيها الإخوة..
علينا أن نكون صريحين مع أنفسنا.
القضية الجنوبية قضية عادلة، ولا يجوز إنكار المظالم التي تعرض لها أبناء الجنوب أو الالتفاف على حقوقهم.
لكن القضية الجنوبية لا يجوز أن تتحول إلى ملكية خاصة لفصيل أو حزب أو جماعة.
وكما أن مظالم الشمال لا يجوز أن تكون مبرراً لإعادة الإمامة، فإن حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم لا يعني إلغاء الآخرين، كما أن حق أبناء الشمال في الحياة الكريمة لا يعني فرض مشروع سياسي عليهم بالقوة.
نحن بحاجة إلى مشروع يحترم الجميع.
مشروع يقوم على الدولة، والعدالة، والشراكة، والمواطنة المتساوية.
وأنا أؤمن أن الدولة الاتحادية يمكن أن تكون إطاراً مناسباً لمعالجة كثير من أزمات اليمن، لأنها تعطي المناطق والأقاليم حقها في إدارة شؤونها، وتمنع في الوقت نفسه احتكار السلطة والثروة من مركز واحد.
لكن قبل كل ذلك، نحتاج إلى شيء أهم:
نحتاج إلى استعادة القرار الوطني.
نحتاج إلى أن نقول لكل القوى الخارجية: نحن نرحب بالعلاقات، ونحترم مصالح الجميع، لكن مستقبل اليمن يقرره اليمنيون.
نحتاج إلى أن نقول لكل القوى الداخلية: لا تجعلوا أبناء شعبكم وقوداً لصراعات الآخرين.
نحتاج إلى أن نقول لشبابنا: لا تجعلوا من أنفسكم أدوات في معارك لا تنتهي.
لا تتقاتلوا بسبب صورة.
لا تكرهوا بعضكم بسبب منطقة.
لا تقتلوا بعضكم بسبب شعار.
فأنتم جميعاً أبناء وطن واحد، وتواجهون المعاناة نفسها، وتبحثون عن الحرية نفسها، والكرامة نفسها، والعدالة نفسها، والحياة الكريمة نفسها.
إن أخطر ما يحدث اليوم هو أن يُقنع اليمني بأن عدوه هو اليمني الآخر.
بينما العدو الحقيقي هو الفقر.
والفساد.
والاستبداد.
والارتهان.
وغياب الدولة.
وضياع العدالة.
يا أبناء وطني..
لقد آن الأوان أن نخرج من عقلية المشاريع الصغيرة.
آن الأوان أن نتوقف عن صناعة الأصنام.
آن الأوان أن نتوقف عن تقديس الأشخاص.
آن الأوان أن نرفض أن يكون مستقبلنا مرهوناً ببقاء هذا القائد أو ذاك.
الدول لا تُبنى بالأشخاص، بل بالمؤسسات.
والأوطان لا تُحمى بالهتافات.
الأوطان تُحمى بالقانون والعدالة والمواطنة.
وإذا أردنا أن ننقذ اليمن، فعلينا أن نعيد بناء مشروع وطني جامع، مشروع لا يستثني أحداً، ولا يحتكر الوطن، ولا يسمح للخارج بأن يصنع مستقبلنا نيابة عنا.
إن اليمن الذي نريده ليس يمن القبيلة وحدها، ولا يمن المنطقة وحدها، ولا يمن المذهب وحده، ولا يمن الحزب وحده.
نريد يمن الدولة.
يمن المواطنة.
يمن العدالة.
يمن الحرية.
يمن يتسع للجميع.
وأقولها بكل وضوح:
لن ينقذ اليمن مشروع صغير.
ولن ينقذ اليمن قائد واحد.
ولن ينقذ اليمن سلاح خارج مؤسسات الدولة.
ولن ينقذ اليمن ارتهان للخارج.
الذي سينقذ اليمن هو الإنسان اليمني عندما يستعيد وعيه، ويعرف أن قوته في وحدته، وأن كرامته في دولته، وأن مستقبله لا يصنعه الآخرون.
هذه رسالتي إلى كل يمني:
اختلف كما تشاء، لكن لا تكره أخاك.
دافع عن قضيتك، لكن لا تجعل قضيتك مبرراً لإلغاء الآخرين.
طالب بحقوقك، لكن لا تتحول إلى أداة في يد من يريد استخدامك.
وطنك أمانة.
ومستقبل أبنائك أمانة.
واليمن أكبر من كل خلافاتنا.
فلنعد إلى فكرة اليمن التي تجمعنا..
إلى الدولة..
إلى المواطنة..
إلى العدالة..
إلى المشروع الوطني الكبير.
فهذا الوطن، رغم كل ما أصابه، ما زال يستحق أن نمنحه فرصة أخيرة للنهوض.
اليمن لا يحتاج أوصياء جدد، بل يحتاج إلى أبنائه.
ولا يحتاج أدوات جديدة، بل يحتاج إلى قرار وطني مستقل.
ولا يحتاج مشاريع صغيرة تتصارع على أنقاضه، بل يحتاج إلى مشروع وطني كبير يجمع أبناءه.
