الإثنين 3 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • الأحزاب والتنظيمات السياسية اليمنية... بين أزمة الذات وتعقيدات المشهد الوطني

الأحزاب والتنظيمات السياسية اليمنية... بين أزمة الذات وتعقيدات المشهد الوطني

في البلدان التي تمر بأزمات ممتدة، تتحول الأحزاب والتنظيمات السياسية إلى أحد أهم الفاعلين في تحديد مسارات الاستقرار أو استمرار حالة الاضطراب. فهي ليست مجرد أدوات للتنافس على السلطة، بل مؤسسات وطنية يفترض أن تضطلع بصياغة الرؤى العامة، وتمثيل مصالح المجتمع، وإعداد القيادات، وتقديم البدائل والحلول للأزمات، والدفاع عن الحقوق والحريات، وتعزيز المشاركة السياسية، وترسيخ قيم التعددية والديمقراطية.

غير أن الواقع اليمني خلال السنوات الأخيرة كشف عن أزمة مركبة؛ أزمة في بناء الدولة الحديثة ومؤسساتها، تفاقمت بفعل الحرب والانقسام، إلى جانب أزمة أحزاب وتنظيمات سياسية لم تتمكن، بدرجات متفاوتة، من مواكبة التحولات العميقة التي فرضتها الحرب وتداعياتها، أو استعادة دورها بوصفها قوى سياسية فاعلة في إدارة الشأن العام.

لقد أفرزت الحرب واقعًا شديد التعقيد، اتسم بتعدد مراكز النفوذ، وتراجع فاعلية المؤسسات العامة، واستمرار سلطات الأمر الواقع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية، واتساع دائرة الفقر والبطالة، وتراجع أوضاع الحقوق والحريات، إلى جانب تداخل الصراع الداخلي مع تنافس القوى الإقليمية والدولية على النفوذ، الأمر الذي جعل الأزمة اليمنية أكثر تعقيدًا، وأبقى الصراع مفتوحًا على احتمالات التصعيد المسلح.

وفي ظل هذا الواقع، كان يفترض أن تضطلع الأحزاب والتنظيمات السياسية بدور أكثر حضورًا في تقريب وجهات النظر، وبناء جسور الحوار، والدفاع عن الحقوق والحريات، وتقديم المبادرات الوطنية القادرة على تجاوز حالة الانقسام. إلا أن كثيرًا منها وجد نفسه أسير الاستقطابات السياسية، أو منشغلًا بأزماته التنظيمية الداخلية، أو متأثرًا بظروف الصراع والانقسام، مما حدّ من قدرته على التأثير في مسار الأحداث.

ولا يمكن تجاهل أن الحرب فرضت تحديات استثنائية على العمل الحزبي، تمثلت في تعطيل النشاط السياسي، وتوقف العملية الانتخابية، وصعوبة التواصل التنظيمي، والانقسامات الداخلية، والضغوط الأمنية والاقتصادية. غير أن هذه التحديات، على قسوتها، لا تعفي الأحزاب من مسؤوليتها في مراجعة تجاربها، وتجديد أدواتها، واستعادة حضورها في المجتمع.

وتواجه العديد من الأحزاب والتنظيمات السياسية اليمنية إشكالات بنيوية، من أبرزها ضعف التجديد القيادي، وتراجع الممارسة الديمقراطية الداخلية، ومحدودية مشاركة الشباب والنساء، وضعف البرامج السياسية والاقتصادية القادرة على التعامل مع المتغيرات، واتساع الفجوة بينها وبين المجتمع، وتراجع الثقة الشعبية بالعمل الحزبي.

كما أن الخطاب السياسي لدى بعض القوى ما زال أسير ردود الأفعال والاستقطاب، بدلًا من التحول إلى خطاب وطني قادر على إنتاج الأفكار والحلول. فالعمل السياسي لا يقتصر على إدارة الاختلافات، بل يقوم أساسًا على بناء التوافقات، وصياغة البرامج، وتقديم بدائل واقعية تستجيب لتطلعات المواطنين، في إطار احترام الحقوق والحريات وسيادة القانون.

وتُقاس فاعلية الأحزاب بقدرتها على إنتاج الرؤى والسياسات، وإدارة الاختلاف، وبناء التفاهمات، والدفاع عن الحقوق والحريات، والمساهمة في تحقيق الاستقرار. وعندما تتراجع هذه الوظائف، يتسع الفراغ السياسي، وتضعف الثقة بالمؤسسات، بما يفتح المجال أمام قوى غير مؤسسية لتوسيع نفوذها، وهو ما يزيد من تعقيد الأزمة.

كما أن الأزمة اليمنية ليست سياسية فقط، بل هي أزمة مركبة تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والخدمية والإنسانية والحقوقية، وتتطلب رؤية وطنية شاملة تشارك في صياغتها مختلف القوى السياسية والمجتمعية، بعيدًا عن الإقصاء أو فرض الأمر الواقع.

وتفرض المرحلة الراهنة على الأحزاب والتنظيمات السياسية مراجعة مسيرتها، والاعتراف بمواطن القصور، وتعزيز البناء المؤسسي، وتطوير آليات العمل الداخلي، وفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية والشباب والنساء، إلى جانب تبني برامج واقعية تعالج قضايا الاقتصاد والخدمات والعدالة، وتحمي الحقوق والحريات، وتكافح الفساد، وتعيد بناء جسور الثقة مع المجتمع.

كما تتطلب المرحلة إحياء ثقافة الحوار، وترسيخ قيم التعددية السياسية، واحترام الرأي والرأي الآخر، وصون الحقوق والحريات العامة، والبحث عن القواسم المشتركة؛ لأن استمرار الانقسام لا ينتج حلولًا مستدامة، بينما يبقى التوافق السياسي مدخلًا أساسيًا لمعالجة التعقيدات التي تواجه اليمن.

إن استمرار الأزمة اليمنية لا يعكس صراعًا على السلطة فحسب، بل يكشف أيضًا عن غياب مشروع سياسي وطني جامع قادر على إدارة التعدد والاختلاف، وبناء دولة حديثة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والمؤسسات الفاعلة، واحترام الحقوق والحريات.

ويرتبط مستقبل العمل السياسي في اليمن بقدرة الأحزاب والتنظيمات السياسية على تجاوز أزماتها الداخلية، والانتقال من ردود الأفعال إلى صناعة المبادرات، ومن التنافس على النفوذ والمواقع إلى التنافس على البرامج والمشروعات الوطنية. فبناء الدولة لا يتحقق بإنهاء الحرب وحده، بل يتطلب أيضًا قوى سياسية مؤسسية تمتلك رؤية وطنية واضحة، وتؤمن بالديمقراطية والحوار والشراكة، وتلتزم بحماية الحقوق والحريات، وترسيخ المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، بما يمهد لقيام دولة حديثة مستقرة وقادرة على تلبية تطلعات جميع المواطنين.