الجمعة 31 يوليو 2026

عودة الغائب

وكأن أبواب السماء انفتحت، وكأن الأرض انشقت، ليتمظهر من كان مطمورًا تحت جناحات سباته العميق، ليفق هادرًا مزمجرًا، يصدر بيانات التأييد، ويحرك المسيرات، كمن سيهد الجبال ويلقي عالي الأرض على باطنها، على رؤوسنا وعلى رؤوس الأعداء، علّه بذلك يمحو ما ألحق بسنوات سباته وغيابه واختفائه من وزر توضيح أسباب الغياب. غياب لا تفسير له إلا أن من تجلت حميتهم اليوم ما كانوا يلقون بالًا لمعاناة الناس، وهي تحترق بنيران ثلاث أطراف، أحرقت وعبثت ومزقت كيان ونسيج وطننا، الذي كنا وما نزال إليه ننتمي، أو ما تبقى من معالم جمهورية أفلاطون اليمانية، التي غاب فلاسفتها خارج الديار، يطلون على وطن تجري فيه عمليات إعادة هندسته وفق مقاييس تفكيكية الأصل والنسب والعرق والمذهب. جرت عمليات تشريح مذهبية ومناطقية، وكل جهابذة جهينة من أحزاب، هلمجرا وتشكيلات الله طلبنا، لم يحركوا ساكنًا يوم دمر الحوثي ما تبقى من كيان 26 سبتمبر، وإجهاض ما تبقى من هياكل للدولة. لم يحركوا ساكنًا يوم طُردت الشرعية من عدن، عاصمة الدولة.

 لم يحركوا ساكنًا يوم اصطلت الناس بجحيم انقطاع الكهرباء، وقتل الغلاء الناس وهم دون رواتب. لم تحرك الأحزاب ساكنًا، وكل من هب ودب يفرض ما يشاء من إتاوات، ولم يحركوا ساكنًا، وموارد ما تبقى من نشاط مؤسسات تعمل تذهب لجيوب وقنوات خارج قنوات الدولة الشرعية، لتمر بلادنا طيلة سنوات ما بعد هيجان ثورات، وليس ثورات، الربيع العربي، ليدخلنا في تحقيق ما كان مطلوبًا تنفيذه من أهداف التقسيم، وتقسيم المقسم مذهبيًا ومناطقيًا، لمحو ما تبقى من معالم كيان دولة جرى إضعافه ومسخه لصالح إرث ما قبل الوطن الدولة.

مرت على بلادنا سنوات حرب عجاف، قيل يوم نشوبها بأنها عاصفة للحزم، انتهت بعد برهة إلى عاصفة الأمل المغيب، غيبة الرسول المخلص، وانتهت المسرحية بمهزلة تبعثر الوطن ضمن مسميات شرعية الواقع المستضعفة، وانقلاب كربلائي دمر ما تبقى من رياح التغيير التي كان يبحث عنها الراحل الشهيد الزبيري، لنرى على وجه صنعاء وعدن هياكل بقايا سليمان، ليمن يتيم يسكن ديمة ممزقة الروح والكيان، لتعود ذكرى ما قاله حكيم اليمن النعمان: "ديمة وخلفنا بابها". عشر ونيف من سنوات، وطن يتشرذم، تتغير كافة مظاهره من السيئ إلى الأسوأ، وعلى ظهر راحلته ذات الوجوه، تتقلب على كافة الأوجه، وحسبما يريد من يدير بالخفاء لعبة تكوين وتمزيق كيانات من داخلها. تجرى صفقات تباديل وتوافيق، نخب تقبل ممن يُعطي، المهم أن تظل بالصورة، وأن يستمر العطاء، حتى وإن صارت تلعب لعبة التقسيم والفرز المناطقي اللاوطني. وهكذا كانت رحلة ما بعد صالح، لمرحلة الرئيس عبد ربه، وموت مرحلة الحوار الوطني، ومسرحية دفن الرئيس عبد ربه مرتين؛ دفنه حيًا ليجرد ويصمت، ومرة ليدفن ميتًا، وتدفن معه أسرار لا يعلمها إلا أرحم الراحمين، ودهاقنة السي آي إيه، ومن على شاكلتها، ومن ينضوون تحت أعين ومباركة أجهزة الاستخبارات الدولية، التي تلعب بالبيضة والحجر في بلدان ما سموه يومًا منطقة ثورات الربيع العربي الإخواني العبري، وبقية أسرار اللعبة لدى هيلاري كلينتون وحائزة نوبل اليمانية العزيزة توكل كرمان.

ثلاث قوى أدارت المشهد في بلادنا:

انقلاب حوثي تتغير طقوس التعامل معه حسب مؤشر التعامل مع الكفيل بطهران، وحسابات الربح والخسارة معه، ليس لصالح اليمن، بل لصالح من يديرون اللعبة، والحليم تكفيه الإشارة. لذا ظل الحوثي يتقوى ولم يسقط.

أما بشأن شرعية هندسة تركيبها من بؤر ما سموه القوى الفاعلة على الأرض، علمًا بأن تكونها وترعرعها كان ضمن سيناريوهات القوى الفاعلة التي كونت ومولت، والكل يدرك ذلك، وإبعاده وخفاياه من أول الحوثي إلى القاعدة والانتقالي، إلخ.

أما الطرف الثالث فكان التحالف العربي، لم تستمر مداميك تماسكه إلا فترة وجيزة، دخل بعدها خفية وعلنًا بلعبة صراع المصالح بين طرفيه، انتهت بحريق حضرموت على حساب بلادنا اليمن.

اليوم، بلادنا أدخلوها منعطفًا جديدًا، نفس الوجوه يتم تدويرها، نفس سيناريو الحرب، نفس التكتيك، لكن على قاعدة أوسع: إعادة صياغة الشرق الأوسط الإبراهيمي الكبير، والحرب الصهيوأمريكية الإيرانية، ضمن منظور استكمال لمخطط الانتقال لمربع زمني جديد تقوده أوليجاركيات تقسيم النفوذ وفق نهج جديد، بقيادة إقطاع رأس مال ما بعد انتهاء عولمة رأس المال، نحو سيادة عولمة تقنية احتكارية، غيرت كل أساليب المواجهة واحتكار التقنية، فلا مجال للآخر خارج الهيمنة الصهيوأمريكية. هنا تدار لعبة الحرب وتوسيع آفاقها، والراعي الأمريكي يقود الدفة، وها هو يلوح، كما قال ترامب، لملاقاة حزب الله، حتى وإن أشار بخبث إلى استمزاج رأي الرئيس جوزف عون. ترامب لا يعير اهتمامًا لأحد عدا أمريكا أولًا، أمريكا الأعمق صهيونيًا، وهو كتاجر صفقات سوف يتلاقى في نقطة مع ملالي طهران، فما يهمه ثلاثة أمور: أولًا، لا للسلاح النووي. ثانيًا، مضيق هرمز. وثالثًا، لجم التغول الصيني. وقد عكست طروحات نائبه دي فانس ووزير خارجيته مايك روبيو إمكان التلاقي في نقطة ما، عندها يمكن بيع أمن الخليج وتدوير ملفات الحرب، خلافًا لما بات يلعْلع من تحديات وإشارات المواجهة مع إيران. بلادنا ستكون ضحية التسويات التي سترافق تسويات النهاية لمنطقة الشرق الأوسط، التي تعتبر ترجمة لمشروع إسرائيل الكبرى المباركة أمريكيًا، ولا عزاء لمن يعتقدون أن الحليف الأمريكي يمكن الثقة فيه. الراعي الأمريكي يراعي أمرين: مصلحة أمريكا أولًا، وبطيها مصلحة إسرائيل ثانيًا، والباقي فتات. لذا نرى أمريكا تعيد هندسة خرائط الشرق الأوسط، بالذات المنطقة العربية. فلسطين وضعها كما نرى، القدس سلخت، والضفة يتم لحسها، وغزة المزيد من تقطيع أوصالها، ولبنان تجري هندسة جنوبه وفق الهوى الإسرائيلي، وسوريا باتت، بعد سلخ الجولان، تدار أمريكيًا، أو كما قال ترامب بأن أحمد الشرع سيكون الجراح الماهر لاستئصال شأفة حزب الله دون هدم المنازل والبيوت التي مارسها نتنياهو، وهو، أي ترامب، لا يوافق عليها، لكنه مصر على طي صفحة حزب الله، تمامًا كما أحيا مشروع بريمر بالعراق بعد فرض رئيس وزراء حسب مقاييس أمريكية.

والسؤال: كيف سيتعامل مع جماعة الحوثي "أنصار الله" ؟

الأمر مرتبط بطبيعة تسوية الحرب الإيرانية الأمريكية، التي دخلت مرحلة اللاحرب واللاهدنة تمهيدًا لإتمام صفقة عناصرها الأساس: كيف سيدار مضيق هرمز، ومن سيديره؟ وهرمز هي الورقة الرابحة الوحيدة بيد إيران. إن تحقق لها المراد، سيتم التفاهم أمريكيًا إيرانيًا على كل الملفات، وبضمنها ملف الحوثي، وهي النقطة التي علينا كيمنيين فهمها وإدراكها وتأثيرها على مستقبل بلادنا؛ لأن اليد الأمريكية التي تعبث بالسودان والعراق ولبنان وسوريا وفلسطين ستطال أيضًا بلدان الخليج وبلادنا. ساعتها لن تنفع بيانات التأييد والمسيرات التي يجري الحشد لها، ولن يكون لها أي معنى إن لم تخلق على الأرض قوة يمنية تحقق حلًا وطنيًا خارج كل القراءات العبثية، وقراءات كهذه تحتاج إلى قوى ومعادلات قوة حقيقية على الأرض بطابع وطني لا غبار عليه، من أي طيف أو لون أو مصدر تمويل.