هذا ما فعلته بنا الحرب (١)
بعد أكثر من أحد عشر عامًا من الحرب والصراع المسلح في اليمن، تبرز الكثير من النتائج والآثار السلبية التي تهدد استقرار المجتمع ونسيجه الاجتماعي، ويصعب تجاوزها أو معالجتها وإزالة آثارها إلا من خلال مشروع وطني حقيقي ينتصر لإرادة الإنسان، ويعيد إليه حقوقه المسلوبة، وذلك عبر مراحل زمنية قد تكون طويلة.
ولم تتوقف الحرب عند حدود التغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، بل تجاوزت نتائجها السلبية ذلك إلى تغيير المزاج العام للأفراد داخل المجتمع اليمني، حيث أصبح الفرد يعيش حالة من الحيرة والقلق والخوف نتيجة الاستبداد السياسي، والانهيار الاقتصادي، واتساع رقعة الفقر والجوع والبطالة، وتوقف مصادر الدخل، وعجزه عن توفير أبسط متطلبات الحياة المعيشية له ولأسرته.
لقد حشرت الحرب المواطن اليمني في مربع ضيق جدًا، وصادرت منه كثيرًا من حقوقه المادية والمعنوية، وألغت نشاطه السياسي وحراكه المدني، ودمرت أوضاعه المعيشية، إلى درجة أنه أصبح غير قادر على تحقيق السلام والاستقرار الداخلي في نفسه وشخصيته وتفكيره. وانعكست تلك الآثار السلبية على سلوكه وتصرفاته وعلاقته بالآخرين، فصار يعيش حالة من التوتر والقلق الشديد، ويستفزه أبسط اختلاف في وجهات النظر.
وقد عشنا وشاهدنا وسمعنا، خلال السنوات الماضية، الكثير من حالات الخلاف والخصومات غير المبررة داخل الأسرة الواحدة، وبين أفراد ومكونات المجتمع اليمني. ولم يعد الحديث في الشؤون السياسية، أو المعتقدات الدينية، أو التقاليد والأعراف المجتمعية، هو وحده ما يثير حالات الخلاف والخصومات بين الأفراد؛ فتلك -للأسف- أصبحت من المسلمات التي قد تقود إلى القطيعة، وربما إلى ما هو أسوأ. لكن الأمر تجاوز ذلك، وأصبحت وجهات النظر في أمور ثانوية، وربما تافهة، سببًا في استفزاز الآخرين واستنفارهم بصورة غير مبررة.
وقد كانت لي تجربتان مختلفتان خلال الأيام الماضية، كشفتا لي حجم الانزعاج الذي قد تثيره وجهات النظر الشخصية عندما تُطرح على وسائل التواصل الاجتماعي.
الأولى كانت على منصة "إكس"، حيث كتبت على صفحتي الشخصية رأيًا إيجابيًا في شخصية عربية راحلة أعدها نموذجًا للزعامة التي لا تتكرر. وبدلًا من مناقشة هذا الرأي بطريقة ديمقراطية وسياسية راقية، لجأ كثير من المعلقين إلى السب والشتم والإساءة، في سلوك يتنافى مع آداب الحوار وأخلاقياته.
أما الثانية فكانت على موقع "فيسبوك"، حيث كتبت رأيًا نقديًا مؤدبًا حول شخصية رياضية عالمية، فتعرضت لحملة واسعة من التشويه والتسفيه من بعض الأصدقاء والمتابعين، واستمرت ثلاثة أيام.
وقد خلصت من خلال هاتين التجربتين إلى أن الفرد في مجتمعنا لم يعد قادرًا على تقبل وجهات النظر المخالفة، بل أصبح يعتبرها نوعًا من الانتقاص من حقوقه أو المساس بقناعاته، فيتشبث برأيه وفكرته، ويتعصب لهما ضد أية محاولة لطرح رأي مغاير، وكأن ذلك يمثل بالنسبة إليه وسيلة للدفاع عن آخر ما تبقى له من مساحة شخصية.
والحقيقة أنني، وإن كنت تجاوزت في التجربة الأولى حالة الاستنفار والانزعاج لدى المتفاعلين، باعتبار أن ما كتبته كان رأيًا سياسيًا، ومن الطبيعي أن يثير الجدل والاختلاف، وإن كان ذلك لا يبرر أبدًا الإساءة الشخصية، فإنني لا أزال في حيرة وتعجب من حجم التعصب والانزعاج غير المبرر الذي أبداه كثير ممن شاركوا في حملة الإساءة والتشويه التي تعرضت لها، لمجرد رأي نقدي يتعلق بالأداء الاحترافي لأحد لاعبي كرة القدم.
لذلك أعود وأكرر أن الحرب قد أوغلت بآثارها ونتائجها السلبية في نفوس الناس، وغيرت المزاج العام للمجتمع، حتى أصبح الإنسان في هذا البلد يرى في الرأي المخالف أمرًا يستدعي العدوانية والعنف والتحريض تجاه صاحبه ، بدلًا من أن يكون مدخلًا للحوار وتبادل الأفكار.



