أشياءُ عن «البيان الأَخير»!
حبسَ اليمنيون أنفاسَهم، وشدّوا الأحزمة ليلةَ قبل البارحة؛ ظنًا منهم أن الساعات الممتدة خلف هالة «البيان المرتقب» لرئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، هي «ساعة الصفر» الموعودة، وأن الخيول قد أُسرجت أخيرًا لاستعادة العاصمة المسلوبة.. ولكن —ويا للخيبة!— تجلّى ذلك الارتقاب الكبير عن وجبة دسمة من الحشو اللغوي، والمعلقات التحريرية، والرسائل السياسية المعجونة بماء المجاملات، التي لا تسمن ولا تغني من جوع!
لقد حلق البيان فوق الجغرافيا متناسيًا بقعةً بحجم «حضرموت»؛ هذه الأرض التي ظلت—وما زالت—المتنفس الوحيد لليمنيين والعابرين إلى الشتات.. وبمهارة تحريرية يحسد عليها صُنّاع البيان، جرى القفز على الدور التاريخي والنضالي لحلف قبائل حضرموت؛ ذلك الحلف الذي حرس منشآت القطاع النفطي حين تلاشت الدولة في عام 2015م، فحماها وسلّمها فيما بعد «صاغًا سليمًا» ، كما تغافل رئيس مجلس القيادة—أو تناسى— خطة تطبيع الأوضاع في حضرموت والاستجابة للمطالب المحقة لأبنائها، وهي الخطة التي أعلنها المجلس بكامله في 7 يناير 2025م، دون أن يبادر إلى تنفيذ أيٍّ من بنودها منذ صدورها؛ وكأنما اتُّخذت—كما يرى مراقبون—كنوع من المراوغة الإعلامية.
بالطبع، لم يكن الحضارم يومًا حجرة عثرة في طريق السلام، لكنهم اليوم لن يقبلوا—قطعًا—أن تُفصَّل عليهم الحلول والترتيبات السياسية في المطابخ الخارجية، أو أن يُعاملوا كـ «ديكور» أو ضيوف شرف في معادلة هم أصلها وثابتها الوحيد.. فتجاوز إرادة حضرموت ومصادرة حق أبنائها في تقرير مستقبلهم كشريك أساسي وصانع قرار، ليس مجرد غلطة بروتوكولية، بل هو الوصفة النموذجية لتلغيم أي سلام قادم.. ونقولها بنبرة خالية من الدبلوماسية: إن استمرار التجاهل لثقل حضرموت وتضحياتها سيكون له ما بعده، وأي مسار لا يستند إلى الشراكة الحقيقية والاعتراف بالواقع على الأرض، سيتكفل الزمان بكنسه.. والأيام بيننا!
وعلى الرغم من ذلك كله، طالعتنا الأوساط السياسية والإعلامية بتسريبات وتليين للمواقف تبشر بـ «إيجابية ما»؛ حيث تحدث الدكتور عادل شجاع الدين وغيره عن «ترتيبات واسعة»، وأن قادة المجلس الرئاسي يستعدون لقيادة المرحلة بصورة مباشرة عبر توزيع الأدوار الميدانية بينهم ليكونوا في قلب المعركة.. فإن صحت هذه النبوءات، فنحن أمام معجزة تحول استراتيجي؛ تتمثل في الانتقال من إدارة المعارك بالـ «ريموت كونترول» وملاسنات منصات التواصل من صالات الفنادق، إلى الاغتسال بغبار الخنادق، وتقدّم القادة الصفوف بأنفسهم نحو استعادة الدولة؛ لتكون هذه المعركة إثباتًا للوجود وبحثًا عن وطن يتسع للجميع، لا مجرد شجار على جغرافيا أو حصص.
أما الشق الآخر والأهم في بيان الدكتور العليمي، فهو إعلان استئناف تصدير النفط؛ وهو القرار الذي سارع أحد نُزلاء الفنادق «البارزين» لتبريره بوصفه: «خطوة جديدة في مسار استعادة سيادة الدولة على أراضيها ومواردها!».. ولا ندري عن أي «سيادة» يتحدث هذا القيادي المتحزب وهو العاجز عن حماية بوابة الفندق الذي يقطنه؟ فعجبًا له كيف يشرعن سحب النفط من باطن أرض حضرموت لتغطية النفقات النثرية وبدلات السفر والإعاشة، ومكافأة من يكتنز الأموال الطائلة من عوائد الجمارك والاتصالات والضرائب والزكاة وما أنزل الله بها من سلطان، بينما المواطن صاحب الأرض والحامي الحقيقي لهذه الثروة يُطلب منه أن يكتفي بقراءة البيانات، وتجرع الأزمات، والأكتواء بمعاناة الافتقار لأبسط مقومات الحياة والخدمات!
