الأحد 26 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • باب المندب: الرئة الثانية للاقتصاد العالمي بين الطاقة والتجارة

باب المندب: الرئة الثانية للاقتصاد العالمي بين الطاقة والتجارة

تُبيّن الأرقام والنسب والتقديرات الاستراتيجية، من الناحية الاقتصادية والتجارية، أهمية مضيق باب المندب الذي يعدّه موقع "الجزيرة نت" بمثابة الرئة الثانية للاقتصاد العالمي بعد مضيق هرمز. أما من الناحية الجغرافية، فالمضيق أحد الممرات المائية الحيوية في العالم، التي تتميز بتقارب ضفتيه الآسيوية "اليمن" والإفريقية "جيبوتي"، إذ يبلغ العرض الكلي للمضيق عند أضيق نقطة نحو 16 إلى 18 ميلاً، أي نحو 26 إلى 30 كم بين رأس باب المندب في اليمن ورأس سيان في جيبوتي، بمتوسط عمق نحو 186 متراً.

مضيق باب المندب
مضيق باب المندب

ويمنح الموقع الجغرافي للمضيق اليمن قدرة كبيرة على التحكم بحركة الملاحة فيه، إذ تقسم جزيرة ميون اليمنية المضيق إلى ممرين: ممر شرقي يقع بين ساحل اليمن وجزيرة ميون، يبلغ عرضه نحو ميلين، أي نحو 3.2 كم، وبعمق يصل إلى 30 متراً فقط. وهذا الجزء غير صالح لحركة الملاحة وإبحار السفن التجارية الكبيرة، لوجود موانع طبيعية تمنع الإبحار فيه، ويقتصر استخدامه على السفن والقوارب اليمنية الصغيرة.

أما الممر الغربي الواقع بين جزيرة ميون اليمنية وساحل جيبوتي، فيصل عرضه إلى نحو 16 ميلاً، أي نحو 25 إلى 26 كم، ويتمتع بعمق بحري طبيعي يصل إلى 310 أمتار، وتلك المواصفة تجعله صالحاً للملاحة، وهو الممر الرئيسي للحركة الملاحية العالمية في المضيق، ويُقسّم إلى قناتين يصل عرض كل منهما إلى نحو ميلين، إحداهما للذهاب والأخرى للإياب.

منحت الطبيعة الجغرافية المتميزة لمضيق باب المندب القدرة على تسهيل حركة التجارة العالمية، وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية المعروفة اختصاراً بـ EIA، حسب آخر جدول أصدرته في شهر فبراير عام 2026، وإحصاءات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية المعروف اختصاراً بـ UNCTAD، حجم تجارة النفط والغاز التي تمر بالمضيق. فقبل الهجمات التي قامت بها حكومة صنعاء على السفن المتجهة إلى موانئ إسرائيل عام 2023، اسناداً لغزة، بلغ حجم العبور نحو 9.3 مليون برميل نفط يومياً، وهذا الرقم يمثل نحو 12% من شحنات النفط العالمية المنقولة بحراً. كما تبين إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن عام 2024 شكّل انخفاضاً كبيراً في حجم إمدادات النفط التي تمر بالمضيق، إذ بلغ نحو 4.1 مليون برميل يومياً، أي أقل من نصف حجم الإمدادات في العام السابق، في حين وصل حجم الإمدادات في عام 2025 إلى نحو 4.2 مليون برميل يومياً بارتفاع طفيف. أما حجم الغاز المسال الذي يعبر المضيق فقد وصل إلى صفر إمداد في منتصف عام 2024، ثم عاد ليرتفع إلى نحو 2.9 مليار قدم مكعبة يومياً خلال بداية الربع الأول من عام 2026، ويعود تذبذب تلك الأرقام إلى تأثير التوترات الإقليمية على حركة وتدفق مصادر الطاقة، سواء النفطية أو الغازية.

لا تنحصر حركة المرور في مضيق باب المندب على النفط والغاز، بل يشكل المضيق ممراً حيوياً لحركة التجارة العالمية، ويُقدر حجم التجارة العالمية التي تمر فيه بنحو 12 إلى 15% من حجم التجارة المنقولة بحراً عبر قناة السويس. وبلغ عدد السفن التي عبرت المضيق والقناة 26 ألف سفينة عام 2023، وانخفض هذا الرقم عام 2025 ليصل إلى نحو 12.7 ألف سفينة فقط، وهو انخفاض كبير نتيجة تدهور الاستقرار وارتفاع حدة التوتر الإقليمي الذي يهدد حركة الملاحة. فانخفض متوسط عبور السفن اليومي من 75 سفينة يومياً عام 2023 إلى نحو 33 سفينة عام 2025. وتبين هذه الأرقام أهمية المضيق في حركة التجارة بين الشرق والغرب، وتُقدر حركة التجارة بين آسيا وأوروبا بنحو 30 إلى 40% من تجارة الحاويات بينهما، وهي مجبرة على الإبحار عبر باب المندب لبلوغ وجهتها النهائية، نظراً للجدوى الاقتصادية، لأنه يختصر الطريق بدلاً من الالتفاف حول القارة الإفريقية ورأس الرجاء الصالح الذي يزيد مسافة الرحلة نحو 6000 كم ويؤخر وصول الحاويات من 10 إلى 15 يوماً.

وتزداد أهمية باب المندب يوماً بعد آخر لدوره في اختصار الوقت والجهد والمال لدى شركات النقل والشحن البحري، ويمنحها المرونة في نقل التجارة إلى الأسواق بصورة سريعة، إذ تبلغ نسبة واردات أوروبا التي تعبر المضيق نحو 25% من وارداتها من الطاقة والبضائع والسلع القادمة من شرق آسيا، ونحو 12% من احتياجاتها من موارد الطاقة قبل التوترات الإقليمية. في حين أن حجم التجارة الأمريكية التي تمر بالمضيق يقل إلى نحو 8 إلى 10% من تجارة الساحل الشرقي الأمريكي مع آسيا والخليج العربي. وانخفاض مستوى التجارة الأمريكية العابرة للمضيق ليس بسبب عدم رغبة الجانب الأمريكي في العبور، بل لوجود خيارات وبدائل أخرى، إذ تمر معظم تجارتها مع آسيا عبر المحيط الهادئ وقناة بنما، لكن ناقلات النفط الخليجي المتجهة للساحل الشرقي الأمريكي تعتمد في حركتها على عبور باب المندب.

إن هذه الخريطة التجارية الواضحة تعطي تصوراً عن مدى أهمية الحركة والنشاط التجاري في مضيق باب المندب، فأي عائق في حركة الملاحة فيه يمكن أن يؤثر في التجارة العالمية التي ستعاني من اضطراب حاد في سلاسل الإمداد والتوريد بين آسيا وأوروبا، كما أن التهديد سيؤثر - بصورة أو بأخرى - على تدفق إمدادات النفط والغاز، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة في آسيا وأوروبا، ويقود إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة والمشتقات المرتبطة بها على مستوى العالم. ولن يقتصر الأمر على ذلك، بل ستقود الاضطرابات البحرية في المضيق إلى هزة واسعة في حركة الشحن وارتفاع تكاليف التأمين على السفن، وهذا سينعكس سلباً على شبكات الإمداد العالمية، ويزيد المخاطر، ويهدد النمو الاقتصادي، ويضع العالم على حافة الركود وانعدام الثقة بالملاحة البحرية، مما سيكلف شبكات الشحن العالمي الكثير من الأموال، ويرفع كلفة الشحن البحري الذي ظل لعقود أرخص وسائل النقل في العالم حتى اليوم.

رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.