التطبيع الثقافي... حين يصبح الفن أداةً لتبييض الاستعمار
كلما أُعلن عن مهرجان ثقافي، أو جائزة أدبية، أو مؤتمر دولي يشارك فيه كاتب أو فنان عربي إلى جانب إسرائيلي، يعود السؤال نفسه ليتصدر النقاش: هل هذه المشاركة تطبيع أم لا؟ في الغالب، لا يقود هذا السؤال إلى نقاش هادئ، بل إلى موجة من التخوين والدفاع والانقسام، يتحول فيها الأشخاص إلى محور القضية بينما تغيب المعايير التي يفترض أن يُحتكم إليها.
وهكذا يصبح التطبيع الثقافي مفهومًا فضفاضًا، يعرّفه كل طرف وفق قناعاته أو انحيازاته، لا وفق المرجعية الفلسطينية التي صاغت هذا المفهوم وأعطته مضمونه السياسي.

والحال أن هذه المرجعية ليست غائبة، بل موجودة منذ سنوات، وتتمثل في حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، والحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI)، اللتين وضعتا أسسًا واضحة للتمييز بين ما يُعد تطبيعًا وما لا يُعد كذلك.
لكن هذا النقاش يُدار غالبًا بمنطق التخوين أو التبرئة لا بمنطق المعايير، فتتراجع تلك المرجعية أمام الانطباعات الشخصية والشائعات والاستقطابات الأيديولوجية، ويغدو تعريف التطبيع رهنًا بمن يتحدث لا بما تنص عليه المعايير المعلنة.
أول ما ينبغي تصحيحه هو الاعتقاد الشائع بأن المقاطعة تستهدف الأشخاص بسبب هويتهم. فهي لا تُبنى على الجنسية أو الدين، ولا تُقاطع الإسرائيلي لأنه إسرائيلي، أو اليهودي لأنه يهودي، وإنما تستهدف من يمثل أو يخدم أو يشرعن منظومة الاستعمار الاستيطاني، سواء كان مؤسسة رسمية، أو جهة أكاديمية، أو مشروعًا ثقافيًا يساهم في تبييض صورة الاحتلال. المشكلة إذن ليست في الشخص، بل في الموقع الذي يشغله والدور الذي يؤديه داخل هذه المنظومة.
متى يصبح اللقاء الثقافي تطبيعًا؟
توضح PACBI أن أي نشاط يجمع فلسطينيين أو عربًا وإسرائيليين على منصة واحدة يُعد، في الأصل، نشاطًا تطبيعيًا إذا استند إلى خطاب "الحوار" أو "التعايش" من دون الاعتراف بالحقوق الفلسطينية. غير أن هذا المبدأ ليس مطلقًا، إذ تضع الحملة استثناءً واضحًا يقوم على شرطين متلازمين: أن يعلن الطرف الإسرائيلي اعترافًا صريحًا بالحقوق الفلسطينية التي يكفلها القانون الدولي، بما يشمل إنهاء الاحتلال والمساواة الكاملة وحق اللاجئين في العودة؛ وأن يكون النشاط جزءًا من نضال مشترك ضد الاحتلال ونظام الفصل العنصري، لا مجرد مساحة للحوار أو التبادل الثقافي أو الترويج لخطاب "السلام" الذي يتجاهل البنية الاستعمارية للصراع.
وعليه، فالمسألة ليست وجود إسرائيلي في الفعالية بحد ذاته، بل الرسالة السياسية التي تنتجها المنصة. فعندما يُقدَّم المستعمِر والضحية بوصفهما طرفين متساويين يحتاجان فقط إلى "التفاهم"، تتحول الثقافة إلى أداة لإعادة إنتاج الرواية الاستعمارية.
ولا يتوقف التطبيع عند طبيعة المشاركين، بل يشمل أيضًا المؤسسات المنظمة والجهات الممولة: فعندما يأتي التمويل من وزارة الثقافة الإسرائيلية، أو من سفارة إسرائيلية، أو من مؤسسة منخرطة في مشروع "براند إسرائيل"، لا تعود المشاركة فعلًا ثقافيًا محضًا، بل تصبح جزءًا من الدبلوماسية الثقافية التي توظف الفن والأدب لتحسين صورة دولة الاحتلال والتغطية على انتهاكاتها.
ومن هنا جاءت دعوات مقاطعة المهرجانات والجوائز والفعاليات التي تستفيد من هذا النوع من الرعاية، ولا سيما بعد الإبادة الجماعية في غزة، حين اتسعت عالميًا حملات الانسحاب والمقاطعة التي قادها فنانون وكتّاب وموسيقيون من مختلف أنحاء العالم.
هل يسقط التطبيع بالتقادم؟
يطرح كثيرون سؤالًا مشروعًا: ماذا عن المشاركات القديمة؟ وهل تبقى وصمة التطبيع ملازمة لصاحبها إلى الأبد؟ تجيب حركة المقاطعة بأن الهدف ليس إنشاء محاكم أخلاقية، بل ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على الوضوح والمساءلة، ولهذا تميز بين الخطأ غير المقصود والتواطؤ الواعي.
فقد يشارك كاتب أو فنان في فعالية من دون إدراك لطبيعة الجهة المنظمة أو خلفياتها السياسية، أو قبل أن تتبلور لديه معرفة كافية بمعايير المقاطعة.
وفي هذه الحالة، يصبح الاعتراف بالخطأ وتوضيح الموقف والاعتذار عنه موقفًا أخلاقيًا يعزز المصداقية بدل أن ينتقص منها؛ فالشفافية ليست ضعفًا، بل جزء من المسؤولية.
الالتباس والثقافة الريعية
لا يعود الالتباس المحيط بمفهوم التطبيع الثقافي إلى غموض معاييره بقدر ما يرتبط بطبيعة الحقل الثقافي العربي نفسه. فمنذ عقود، تشكلت مؤسسات ثقافية كثيرة في ظل اقتصاد ريعي يعتمد على المنح والجوائز والرعايات الخارجية أكثر مما يعتمد على استقلالية الإنتاج الثقافي.
وفي مثل هذا الحقل، يصبح المثقف مرتبطًا بشبكات التمويل والعلاقات الدولية والمهرجانات والجوائز، وهي جميعها فضاءات لا تخلو من حسابات سياسية. ومن هنا، لا يكون الجدل حول التطبيع مجرد خلاف أخلاقي، بل تعبيرًا عن أزمة أعمق تتعلق باستقلالية الثقافة نفسها.

فحين تتحول المؤسسة الثقافية إلى وسيط بين الممول والمثقف، يصبح الحفاظ على شبكة العلاقات شرطًا للاستمرار، ويغدو الصمت أو الغموض في المواقف خيارًا عمليًا لا مجرد موقف فكري. كما أسهمت الثقافة الريعية في إنتاج ما يمكن تسميته بـ"الالتباس المقصود": فبدل أن تعلن بعض المؤسسات بوضوح طبيعة شراكاتها ومصادر تمويلها، تلجأ إلى شعارات فضفاضة من قبيل "الحوار الثقافي"، و"الجسور بين الشعوب"، و"الفن من أجل السلام"؛ وهي عبارات تبدو إنسانية ومحايدة، لكنها قد تُستخدم، في بعض السياقات، لفصل الثقافة عن السياسة، وإخفاء العلاقة غير المتكافئة بين المستعمِر والشعب الواقع تحت الاحتلال.
وفي المقابل، لا يخلو المشهد المناهض للتطبيع من إشكالية أخرى، تتمثل في اختزال النقاش أحيانًا في محاكمات أخلاقية للأفراد، بدل مساءلة المؤسسات والبنى التي تنتج هذا الالتباس. فليس كل من وقع في تجربة تطبيعية كان بالضرورة متواطئًا أو مدركًا لكل أبعادها، كما أن تحويل المقاطعة إلى أداة للتخوين الدائم يفقدها بعدها التربوي والسياسي، ويحولها إلى وسيلة للإقصاء بدل أن تكون أداة لتوسيع الوعي.
ولذلك، فإن أحد أهم دروس حركة المقاطعة الفلسطينية هو الانتقال من ثقافة الاتهام إلى ثقافة المعايير: فالمطلوب ليس إنتاج قوائم سوداء، وإنما بناء وعي نقدي يستطيع مساءلة المؤسسات والتمويل والشراكات وفق معايير معلنة، بعيدًا عن الشخصنة أو الانفعال. فكلما ازدادت الشفافية، تراجع الالتباس، وتحولت المقاطعة من رد فعل موسمي إلى ممارسة ثقافية وأخلاقية راسخة.
إن المعركة، في جوهرها، ليست حول صورة تجمع كاتبًا عربيًا إلى جانب كاتب إسرائيلي، بل حول المعنى الذي تنتجه تلك الصورة، والسردية التي تخدمها، والرسالة التي تصل إلى العالم من خلالها.
فالثقافة ليست مجرد إنتاج جمالي، بل هي أيضًا إنتاج للذاكرة، وللشرعية، وللرواية. ولعل أخطر ما ينجح فيه الاستعمار ليس احتلال الأرض وحدها، بل احتلال المخيلة أيضًا؛ أن يجعل وجوده يبدو طبيعيًا، وأن يحول الضحية إلى شريك في رواية تُخفي أصل العنف وتساوي بينها وبين جلادها.
ومن هنا، تصبح المقاطعة الثقافية فعلًا يتجاوز الامتناع عن المشاركة، ليغدو دفاعًا عن الرواية الفلسطينية، وعن حق الثقافة في أن تكون مساحة لمقاومة الهيمنة لا أداة لإعادة إنتاجها. في نهاية المطاف، لا تسعى المقاطعة الثقافية إلى إقصاء الفنانين أو محاكمة المثقفين، وإنما إلى حماية الثقافة من أن تتحول إلى واجهة تجميلية للاستعمار.
فالفن، كما ترى حركة المقاطعة، ليس مساحة محايدة، بل جزء من الصراع على الرواية والذاكرة والعدالة.
ويصبح السؤال الحقيقي ليس: هل جلس عربي إلى جانب إسرائيلي؟ بل: أي رواية أنتجها ذلك اللقاء؟ وهل ساهم في فضح بنية الاستعمار، أم في إخفائها خلف شعارات الحوار والسلام؟ ذلك هو المعيار الذي تقترحه حركة المقاطعة، وهو المعيار الذي يستحق أن يكون أساسًا لأي نقاش جاد حول التطبيع الثقافي، بعيدًا عن المزايدات والانفعالات والأحكام المسبقة.
*صحافية وكاتبة فلسطينية
