الأحد 13 سبتمبر 2026

لا صوت يعلو فوق صوت الشعب

لم يعد الشعب اليمني يقبل مزيدًا من الانتظار، ولا مزيدًا من جولات الحرب، ولا تسويات تُرحّل الأزمة من مرحلة إلى أخرى. لقد طال أمد المعاناة، وتراكمت الخسائر، وأصبح المطلوب اليوم حلٌّ عاجل وحاسم ينهي الحرب، ويقود إلى نتائج إيجابية يشعر بها المواطن في أمنه ومعيشته وكرامته ومستقبله.

فاليمن اليوم لا يعيش حياة سياسية طبيعية، ولا توجد فيه مشاركة سياسية حقيقية، ولا انتخابات تعبّر عن إرادة المواطنين، ولا دولة مؤسسات قادرة على أداء وظائفها بصورة طبيعية. وما هو قائم على الأرض واقع حرب وانقسام وتعدد في مراكز القوة والنفوذ، يدفع المواطن ثمنه من أمنه ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه.
وفي خضم هذا الواقع، يحق للشعب أن يتساءل: أين موقعه من المتصارعين؟ وهل أصبح المتصارعون فوق الشعب، أم أن الشعب هو صاحب الحق والمصلحة والقرار؟ وهل قوتهم أقوى من قوة شعب أنهكته الحرب لكنه لم يفقد حقه في تقرير مصيره؟ وهل يضعون للشعب أي حساب في قراراتهم وحساباتهم؟ وما أجندتهم الحقيقية تجاهه: هل هي إنهاء معاناته وبناء مستقبله، أم استمرار الصراع وتوسيع النفوذ وتنفيذ أجندات خارجية على حساب مصالحه الوطنية؟
هذه الأسئلة ليست مجرد اعتراض على واقع مؤلم، بل هي في صميم القضية؛ لأن الشعب لا ينبغي أن يكون وقودًا لصراعات الآخرين، ولا أداة لتنفيذ أجندات لا تخدم مصالحه، ولا طرفًا يُستدعى لتبرير قرارات تُتخذ بعيدًا عنه.
ومن هنا، لا بد من قول الحقيقة بوضوح: ليس كل من يرفع شعار السلام يريد السلام، وليس كل من يجلس إلى طاولة التفاوض يملك بالضرورة إرادة إنهاء الحرب. فكلما طال أمد الصراع، نشأت حوله مصالح وشبكات نفوذ ومستفيدون، وأصبح استمراره بالنسبة لبعض الأطراف مصدر قوة ومكاسب ونفوذ. لذلك، فإن إنهاء الحرب لا يتحقق بمجرد إعلان هدنة أو توقيع اتفاق، وإنما يتطلب معالجة أسباب الصراع، وتجفيف مصادر استمراره، وقطع الطريق أمام من جعلوا من الحرب وسيلة للبقاء والنفوذ.
والمواطنون لا يريدون سلامًا شكليًا يُبقي أسباب الحرب قائمة، ولا هدنة مؤقتة تتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب الصفوف والاستعداد لجولة جديدة. إنهم يريدون نهاية حقيقية للحرب، وحلًا عاجلًا وحاسمًا، ونتائج إيجابية تفتح الطريق أمام حياة جديدة ومستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.
ولكي يكون أي حل قابلًا للحياة، فلا بد أن يحمي القرار الوطني من الارتهان، وأن يمنع تحويل اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. فاليمن ليس ساحة مفتوحة لمصالح الآخرين، والمواطنون ليسوا أدوات في صراع لا يخدم مصالحهم. ومن هنا، فإن معيار أي قوة سياسية أو عسكرية لا ينبغي أن يكون مقدار ما تملكه من سلاح ونفوذ، وإنما مدى استقلال قرارها والتزامها بمصلحة اليمن وشعبه.
والشعب هو صاحب السلطة ومصدر شرعيتها، ومن حقه أن يقرر شكل الدولة التي يريدها، وأن يسهم في بناء دولة حديثة، دولة مؤسسات وقانون، يكون سياجها الديمقراطية والتعددية السياسية، وتصان فيها الحقوق والحريات، وتحترم فيها إرادة المواطنين.
ومن حق الشعب كذلك أن يكون الوصول إلى السلطة عن طريق صندوق الاقتراع والإرادة الشعبية، لا عن طريق القوة أو السلاح أو فرض الأمر الواقع، أيًّا كان مصدره أو الطرف الذي يمارسه، وأيًّا كانت المبررات التي تُقدَّم لتسويغه. فالسلطة ليست غنيمة تتنازعها القوى، وليست حقًا يُنتزع بالقوة، وإنما مسؤولية تستمد مشروعيتها من الشعب، وتظل خاضعة لإرادته ومساءلته.
فالقوة قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع شرعية دائمة، والسلاح قد ينتزع السلطة، لكنه لا يمنحها حقًا دائمًا في حكم المواطنين. الشرعية الحقيقية تبدأ من الشعب، وتُترجم عبر اختياره الحر، وتُصان بالديمقراطية والتعددية وسيادة القانون.
إن الدولة التي ينشدها الشعب اليمني ليست دولة القوة والغلبة، ولا دولة الأشخاص والجماعات، وإنما دولة المواطنة والمؤسسات؛ دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والسلطة مسؤولية لا غنيمة، والحكم خدمة للشعب لا تسلطًا عليه، والمشاركة السياسية حقًا أصيلًا لا منحةً من أحد.
لقد أنهكت الحرب المواطنين، وأثقل كاهلهم اقتصاد الحرب، وأرهقتهم الوعود المؤجلة والخطابات التي تتحدث باسمهم أكثر مما تستمع إليهم. ولم يعد مقبولًا أن يكونوا آخر من يُستشار وأول من يدفع الثمن، أو أن تستمر معاناتهم بينما تتصارع القوى على النفوذ والمواقع، وتتحول آلامهم إلى أوراق تفاوض ومساومات سياسية.
لذلك، فالمطلوب واضح: أن تنتهي الحرب، لا أن يعاد تدويرها تحت عناوين جديدة؛ وأن يتحقق سلام حقيقي، لا هدنة مؤقتة؛ وأن تُبنى دولة، لا تتعدد مراكز القوة؛ وأن يكون المواطن حرًا، لا رعية؛ وأن يسود القانون والمؤسسات، لا سلطة السلاح. كما يجب أن يكون القرار اليمني نابعًا من مصلحة اليمنيين، لا من حسابات الخارج وأجنداته.
الشعب يريد حلًا عاجلًا وحاسمًا، عادلًا وإيجابيًا؛ حلًا ينهي الحرب، ويمنع إعادة إنتاجها، ويفتح الطريق أمام بناء الدولة والحياة السياسية الطبيعية.
ومن حق الشعب أن يختار حكامه، وأن يحاسبهم، وأن يغيّرهم عبر الوسائل الديمقراطية، وأن يقرر مستقبل بلاده بحرية. ومن حقه كذلك أن يعيش في وطن آمن، وأن يرى ثمار السلام في حياته اليومية، لا أن يسمع عنه في البيانات والخطابات فقط.
لقد حان الوقت لأن تكون الأسئلة الحقيقية واضحة: من يريد إنهاء الحرب فعلًا؟ ومن يستفيد من استمرارها؟ ومن يملك قرار الحرب والسلام؟ ومن يضع مصلحة الشعب فوق مصلحته؟
هذه ليست أسئلة عابرة، بل أسئلة وطنية لا يمكن تجاوزها إذا كان المطلوب بناء مستقبل مختلف لليمن.
لا صوت يعلو فوق صوت الشعب؛ لأنه صاحب السلطة ومصدر شرعيتها، ولأنه هو الذي دفع ثمن الحرب، وهو الأحق بإنهائها، والأجدر بأن يقرر مستقبل بلاده.
والسلام الذي يستحقه اليمنيون ليس سلامًا بين أمراء الحرب، ولا تسوية تعيد توزيع النفوذ بينهم، وإنما سلام ينهي الحرب، ويجفف منابعها، ويحمي القرار الوطني، ويمهّد لبناء دولة حديثة ديمقراطية تعددية، يكون فيها الشعب مصدر السلطة وصاحب القرار.
أما ما دون ذلك، فليس حلًا حاسمًا، وإنما تأجيلٌ لأزمةٍ وحربٍ قد تعود من جديد.