ليس جديدًا أن تكون اليمن ساحةً لصراع المشاريع الإقليمية والدولية، فقد ظلت الساحة اليمنية مفتوحة لعقود عدة لتصفية الحسابات بين المشاريع والمصالح الدولية والإقليمية، وذلك لأهمية موقعها على الخارطة العالمية، وارتباطها التاريخي بنشاط وحيوية الجزيرة العربية ودول الخليج العربي، وممرات المياه الدولية، بوصفها بوابة عبور مهمة بين بحر العرب والبحر الأحمر.
وخلال فترة حكم الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح (رحمه الله)، شهدت اليمن العديد من جولات الصراع والحروب المختلفة، وكان اليمنيون هم وقودها، والدماء والأرواح اليمنية حصادها، فيما كانت ثمرتها تصب في مصلحة عدد من الدول الإقليمية والدول الكبرى. وقد كانت تحالفات الرئيس الأسبق علي صالح من أهم الأسباب التي فتحت أبواب اليمن أمام نفوذ ومشاريع تلك الدول، التي أصبحت اليوم تصفي حساباتها داخل الساحة اليمنية، مستخدمة القوى والأطراف اليمنية أدواتٍ فاعلة في صراع تصفية الحسابات وتحقيق المكاسب.
وإذا ما أشرنا إلى فترة الصراع التي شهدتها اليمن بين الدولة العثمانية (التركية) ومملكة بريطانيا، وكيف دفع اليمن واليمنيون ثمنًا باهظًا فيها، حيث كان التقسيم والتشطير أحد أضرارها، إضافة إلى الدماء والأرواح التي أُزهقت، والخراب والدمار الذي لحق بالأراضي والممتلكات العامة والخاصة، ثم تلتها فترة حكم الأئمة في الشمال والاستعمار في الجنوب، ثم جاءت ثورتا سبتمبر وأكتوبر كامتداد طبيعي للثورة العربية وفترة التحرر العربي.
وقد وقفت مصر وقيادتها وجيشها إلى جانب الثورتين، داعمةً ومقدمةً التضحيات في سبيل تحرير اليمن وتقدمه واستقراره. لكن ذلك لم يدم طويلًا، حيث دخلت السعودية، من خلال دعمها للقوى الملكية، كعامل سلبي في إعاقة تقدم اليمن وتحقيق استقراره، وبدأت تدفع بالمال والسلاح في سبيل استمرار الحرب والقتال بين اليمنيين.
وكان لنكسة حزيران أثر كبير في استهداف الثورة اليمنية ومجموعة الثوار الذين تصدروها، حيث توقف الدعم وانسحب الجيش المصري، وبقيت اليمن والأحرار اليمنيون تحت مرمى القوى الملكية المدعومة من المملكة العربية السعودية، إلى أن تمكنت القوات المسلحة اليمنية من فك الحصار وفرض السيطرة على العاصمة صنعاء.
ثم شهدت الساحة اليمنية جولات أخرى من الصراع الدموي بين قيادات الجيش، حيث تم الانقلاب على الرئيس المشير عبدالله السلال (رحمه الله)، ثم قُتل القائد الوطني عبدالرقيب عبدالوهاب (رحمه الله)، ثم فُرضت المصالحة بين القوى الجمهورية والقوى الملكية.
تلا ذلك فترة حكم الرئيس عبدالرحمن الإرياني (رحمه الله)، حيث شهدت اليمن جولة من الصراع بين مراكز نفوذ القوى القبلية والعسكرية، انتهت باستقالة الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني، حيث تولى قيادة الدولة الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي (رحمه الله)، كخيار وسط ومناسب لإنهاء الصراع بين القيادات القبلية والعسكرية.
وبرغم استقرار اليمن وتحقيق شيء بسيط من التقدم في البنية التحتية والاقتصاد الوطني خلال فترة السنتين والنصف التي تولى فيها الحمدي الحكم، فإن استمرار نفوذ المشاريع والمصالح الدولية والإقليمية تدخل بقوة لإيقاف عجلة التنمية والاستقرار، من خلال جريمة قتل الرئيس إبراهيم الحمدي وأخيه، حيث ذهبت الحياة السياسية والعامة في اليمن في مسار آخر، لتشهد سلسلة متتابعة من جولات الصراع بين المشاريع والمصالح الدولية والإقليمية، التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.
وقد شهدت اليمن خلال ما يقارب خمسة عقود ماضية صراعات وحروبًا كثيرة، وقضايا وملفات متعددة ذات صلة بالمصالح الدولية وصراع النفوذ الإقليمي، وجميعها نُفذت، ولا تزال تُنفذ، بأيادٍ يمنية، بعد أن تحولت الأطراف والمكونات اليمنية إلى وكلاء لتلك المشاريع والمصالح التي تتصارع على الساحة اليمنية، بين ما يمكن تسميتهم بالمشاريع الأمريكية والبريطانية والروسية والصينية، وعبر حلفائهم الإقليميين: إيران والسعودية وتركيا والإمارات وقطر وعُمان وغيرهم، وذلك تحت مبررات مختلفة، منها: مواجهة الشيوعية ومكافحة الإرهاب والتطرف، والفساد، والديمقراطية، وتحقيق الشراكة، وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، ودعم الشرعية الدستورية، واستعادة الدولة، والحفاظ على الوحدة اليمنية، وعدالة القضية الجنوبية واستعادة دولة الجنوب، وأيضًا الحفاظ على السيادة اليمنية، وتحقيق العزة والكرامة، ونصرة القضية الفلسطينية، ومواجهة العدوان الصهيوني، وتأمين الممرات الملاحية الدولية، وغير ذلك من المبررات التي لا تشير إلى مصلحة اليمن واليمنيين، ولا تلامس بطون الجائعين وجيوب الموظفين، ولا تصون كرامة الفرد وحقوقه وحريته وممتلكاته العامة والخاصة، ولا تهتم بخدمات الطرق والكهرباء والمياه، ولا بقضايا الاقتصاد والتنمية، ولا بجودة مستوى التعليم والخدمات الطبية والصحية، ولا بشؤون المغتربين واللاجئين والنازحين والجرحى، ولا بالدماء والأرواح اليمنية التي ذهبت نتيجة تلك الصراعات والحروب.