علاء الدين حسين البردوني: اللون بوصفه مقاومةً للظلام

تلفت السيرة اللونية والفنية للفنان اليمني علاء الدين حسين البردوني، المقيم في إيطاليا، النظر بوصفها تجربة استثنائية في تاريخ الفن التشكيلي اليمني المعاصر. فمنذ بداياته الأولى، كان يحمل موهبة فذة، أخاذة وملفتة، لم يكن من السهل أن تمر دون أن تستوقف عدداً من كبار الفنانين والمثقفين والمبدعين اليمنيين، ومن بينهم الدكتورة آمنة النصيري، ومظهر نزار، وهاشم علي، والكاتب خالد الرويشان، وغيرهم ممن تنبهوا مبكراً إلى ما كان يقدمه هذا الفنان الشاب من تجربة مختلفة في اللون والرؤية والتعبير.

لم تكن رحلة علاء الدين البردوني سهلة. فقد عاش طويلاً في مواجهة قسوة الحياة، وفي صدام مستمر مع كثير من التقاليد والعادات وأفكار المجتمع التقليدي، خصوصاً أنه نشأ في بيئة شديدة الانغلاق، يصعب عليها أن تتقبل الإنسان بوصفه إنساناً حراً، فكيف بالفن بوصفه مساحة مفتوحة للخيال والاختلاف والتمرد والجمال؟
غادر من ذمار إلى صنعاء، وهناك بدأت حياته الفنية تأخذ أفقاً أوسع وأكثر حضوراً. شارك في العديد من الفعاليات والأنشطة الفنية والثقافية، وعلى الرغم من حداثة سنه وبداياته الأولى، فإن أعماله كانت تثير الانتباه بموضوعاتها، وبما تنطوي عليه من أفكار، وبحساسية لونية دقيقة ومتميزة.

كان علاء الدين البردوني من أوائل الفنانين اليمنيين الذين طرحوا فكرة الرسم على الجدران بوصفه فناً متاحاً للناس، لا يظل حبيس صالات العرض. كان يلتقط صوراً لأطفال الشوارع المتجولين، ولشخصيات ومواقف من الحياة اليومية، ثم يحولها إلى لوحات على الجدران. كان يريد أن يذهب الفن إلى الناس، وأن يخرج من عزلته التقليدية إلى الفضاء العام.
لكن هذه التجربة لم تكن مقبولة في ذلك الوقت. فقد واجه رفضاً من السلطات والجهات الأمنية في صنعاء، وتعرض للتهديد والمراقبة، حتى اضطر إلى التوقف عن مواصلة هذا المشروع.
وفي عام 2004، أثناء احتفاء صنعاء بلقب عاصمة الثقافة العربية، برز علاء الدين البردوني بصورة أكثر وضوحاً في عدد كبير من الفعاليات والأنشطة الفنية والثقافية. وفي تلك المرحلة، طرح على الكاتب خالد الرويشان، الذي كان وزيراً للثقافة آنذاك، فكرة إنشاء «بيوت الفن» في الجمهورية اليمنية؛ وهي فكرة تقوم على إيجاد فضاءات ثقافية وفنية مفتوحة في المحافظات اليمنية. لاقت الفكرة قبولاً، وسرعان ما جرى تنفيذها، فأنشئت بيوت للفن في عدد من المحافظات، لتصبح تجربة مهمة في مسار الحركة الثقافية والفنية اليمنية.

غير أن المساحة المتاحة للفن في اليمن ظلت محدودة، في ظل الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية المعقدة. لذلك غادر علاء الدين البردوني إلى إيطاليا، حيث أمضى ما يقارب عقدين من حياته، مواصلاً مشروعه الفني والإنساني، ومطوراً تجربته في اللون والضوء والتعبير.
وفي إيطاليا، لم يتخلَّ عن انشغاله بالإنسان وقضاياه. ظل في مواجهة فنية وأخلاقية مع الظلم والفساد والحروب التي عصفت بالوطن العربي، من سوريا والعراق وليبيا إلى اليمن. وتحولت لوحاته إلى مساحة للاحتجاج الإنساني، وإلى رسائل مفتوحة إلى المجتمع الدولي والمنظمات الدولية، من أجل وقف الحروب، وحماية الإنسان، والدفاع عن كرامته وحريته وحقه في الحياة.
وخلال مسيرته الأوروبية، استطاع علاء الدين البردوني أن يبني علاقات واسعة مع عدد من الفنانين المعروفين في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، إلى جانب إعلاميين ومثقفين بارزين، الذين احتفوا بتجربته وفتحوا أمامها مساحات جديدة للحضور والانتشار.
واليوم، يواصل علاء الدين البردوني مشروعه الثقافي والفني من خلال تأسيسه أتيليه صنعاء ومكتبة عامة، في محاولة لاستعادة الصلة بين الفن والكتاب والذاكرة اليمنية. كما يعمل على ترجمة عدد من دواوين الشاعر الكبير عبد الله البردوني، في فعل ثقافي يتجاوز حدود الفن التشكيلي، ليضع تجربته في خدمة الأدب اليمني وإيصال صوته إلى فضاءات لغوية وثقافية أخرى.

إن تجربة علاء الدين حسين البردوني ليست مجرد تجربة فنان تشكيلي غادر اليمن إلى أوروبا. إنها رحلة إنسان ظل يبحث عن مساحة للحرية، وعن وطن يمكن أن يتسع للفن، وعن لون قادر على مواجهة العتمة. ومن ذمار إلى صنعاء، ومن الجدران اليمنية إلى فضاءات الفن الأوروبي، ظل يحمل معه سؤال الإنسان اليمني، وذاكرته، وأوجاعه، وأحلامه، ويحوّلها إلى لون وضوء وصورة.
وربما تكمن أهمية تجربته في أنه لم ينظر إلى الفن بوصفه ترفاً جمالياً، بل باعتباره موقفاً من الحياة؛ موقفاً في مواجهة القمع، والجهل، والحرب، والظلم، وكل ما يحاول أن ينتزع من الإنسان حقه في أن يكون حراً وكاملاً ومضيئاً.
