الجمعة 31 يوليو 2026

التصعيد: بين الممكن… والمقامرة

دعونا نقرأ المشهد بعين العقل لا بمنطق الانفعال أو التمنّي. لا جدال في أن صنعاء تمتلك قدرات عسكرية قادرة على إلحاق أضرار مؤلمة بالبنية التحتية السعودية، بل وقد تمتد آثارها إلى الاقتصاد الإقليمي وربما العالمي. غير أن هذه القدرات، رغم تأثيرها، تظل غير حاسمة لفرض نصر عسكري مطلق أو انتزاع مكاسب استراتيجية نهائية.

الإشكالية الأعمق تكمن في فجوة الأدوات. فهدف التصعيد المعلن وفي مقدمته "رفع الحصار" بشكل كامل وشامل لا يمكن تحقيقه بالقوة العسكرية وحدها فهذا الامر يتداخل فيه دول ومنظمات ومؤسسات اقليمية ودولية مختلفة، ويتطلب مسارًا موازيًا من العمل السياسي والدبلوماسي المؤسسي الفاعل لكل مؤسسات الدولة وليس أفرادًا فقط، إلى جانب ذلك هناك متطلبات اقتصادية ومالية قادرة على تحمّل تبعات صراع طويل، خاصة في ظل توقعات واقعية بتصاعد العقوبات وتوسّع نطاقها في ظل واقع استنزفته فترة الهدنة الطويلة.

على مستوى البيئة الجيوسياسية المحيطة، تبدو المنطقة في حالة هشة ومضطربة ومفتوحة على كل الاحتمالات، ما يعني أن أي تصعيد ان انزلق عن مستويات معينة لن يبقى محصورًا داخل الحدود، بل سيتحوّل إلى ملف إقليمي مفتوح بتداعيات معقّدة. أما داخليًا، فالجبهة الداخلية على المستويين السياسي والاجتماعي تعاني اختلالات واضحة تعززت وتكرست في فترة الهدنة، في ظل غياب معالجات جدية تعزّز التماسك وتدعم القدرة على صمود طويل الأمد دون تداعيات.

بناءً على ذلك، يظهر أن الرهان القائم يتمحور حول فرضية ان التصعيد والضغط المحدود وفق الإمكانات المتاحة سيدفع الرياض إلى تقديم تنازلات دون الانزلاق إلى حرب شاملة تاتي بمردود عكسي غير مرغوب فيه. غير أن هذا الرهان، في ظل المعطيات الحالية، يبدو أقرب إلى "مقامرة" سياسية منه إلى استراتيجية متكاملة الأركان ومثمرة، وقد يفضي (إن اخطاءت التقديرات) إلى كلفة أعلى من القدرة على الاحتمال، قد يتحول إلى خيار شمشون " الذي يهدم المعبد على رؤوس الجميع".