الأبعاد والمخاطر القانونية والسياسية للاختراق الإيراني للأجواء اليمنية
تحت وطأة حالة اللاحرب واللاسلم التي تعيشها اليمن، والتطورات الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة، تبرز بين الحين والآخر أحداث تبدو في ظاهرها تفاصيل لوجستية، لكنها في عمقها القانوني والجيوسياسي تمثل تحولات استراتيجية بالغة الخطورة.
إن إقدام النظام الإيراني على تسيير رحلات جوية مباشرة إلى مطار صنعاء الدولي الخاضع لسيطرة ميليشيات الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران دون تنسيق أو إذن مسبق من الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً، لا يقف عند حدود الانتهاك البروتوكولي العابر، بل يمثل ذروة تصعيد ممنهج يهدد ركائز النظام الدولي المعاصر. هذا السلوك لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق التاريخي للسياسة الخارجية الإيرانية؛ فهو ليس مجرد تدخل في الشأن اليمني، بل هو إعلان عن انتقال طهران إلى المرحلة الأخطر من استراتيجية نشر الفوضى (برّاً، وبحراً، وجوّاً) لتقويض سيادة الدول الوطنية واستبدالها بنظام الميليشيات الموازية.
ولم تكن خطوة اختراق الأجواء اليمنية وليدة الصدفة، بل جاءت كحلقة خطيرة في سلسلة متدرجة ومخطط لها بدقة من قبل النظام الإيراني في إطار خطته الاستراتيجية لنشر الفوضى في المنطقة وتقويض الدول من الداخل. بدأت هذه الاستراتيجية بالتركيز على اختراق المجالات البرية للدول الوطنية المستقرة في المنطقة كاليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، من خلال اعتماد طهران على بناء ميليشيات عقائدية مسلحة تعمل على زعزعة الاستقرار داخل الدولة، حيث كان الهدف من هذه المرحلة هو قضم الاحتكار الشرعي للدولة في استخدام القوة وصناعة القرار، وتحويل العواصم العربية إلى رهائن سياسية. ومع تمكين هذه الأدوات برّاً، انتقل السلوك الإيراني غير المشروع إلى الفضاء البحري والمياه الإقليمية، وتحديداً في المضائق الحاكمة كباب المندب ومضيق هرمز، ليتحول هذا البُعد إلى منصة لابتزاز المجتمع الدولي والاقتصاد العالمي عبر عمليات القرصنة، واستهداف سفن الشحن، وبناء شبكات تهريب الأسلحة والممنوعات، مما وضع عصب التجارة العالمية تحت رحمة التهديد الميليشياوي المستمر.
ونحن اليوم أمام تطور خطير؛ لأن واقعة تسيير الرحلات الجوية غير المشروعة تمثل تدشيناً رسمياً للمرحلة الأخطر في نشر الفوضى وهي الاختراق العمودي للسيادة. إن الانتقال إلى الفضاء الجوي يعكس رغبة إيرانية واضحة في كسر العزلة عن أدواتها برّاً عبر ممرات سيادية آمنة لا تخضع للرقابة الدولية أو المحلية، مما يؤسس لسابقة شرعنة الانقلابات عَبْر الأجواء المفتوحة. ومن الناحية القانونية الصرفة، يمثل هذا التجرؤ الإيراني انتهاكاً صارخاً لثوابت القانون الدولي المنظم للطيران المدني وسيادة الدول، حيث تُعد اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي لعام 1944م حجر الزاوية في تنظيم الأجواء العالمية، وتنص المادة الأولى منها صراحة على أن:
"لكل دولة سيادة كاملة ومطلقةعلى الفضاء الجوي الذي يعلو إقليمها"
وبناءً عليه، فإن تسيير أي رحلة جوية تجارية أو رسمية أجنبية إلى مطار يقع داخل الإقليم اليمني دون إذن السلطة الشرعية المعترف بها يُمثل اعتداءً صريحاً ومباشراً على السيادة الوطنية اليمنية، ويندرج تحت وصف الأفعال المادية غير المشروعة في القانون الدولي، فضلاً عما يشكله هذا السلوك من تحدٍّ سافر لقرارات مجلس الأمن الدولي، وعلى رأسها القرار رقم 2216 الذي يُلزم الدول الأعضاء باحترام سيادة اليمن ووحدة أراضيه، ويحظر أي إجراءات من شأنها تمكين الجماعات الانقلابية أو مدّها بالدعم اللوجستي والعسكري؛ ففتح خطوط جوية مباشرة خارج إطار الدولة يمثل دعماً صريحاً ومباشراً لجماعة مصنفة إرهابية في كثير من الأدبيات السياسية والقانونية الدولية.
إن خطورة هذا الانتهاك تتجاوز الحدود الجغرافية لليمن، فالأجواء الدولية ليست مساحات معزولة بل هي شبكة مترابطة تقوم على مبدأ وحدة القيادة والسيطرة، وعندما يتم تسيير رحلات جوية خارج أطر التنسيق مع سلطات الطيران المدني الشرعية، فإننا نكون أمام خلق بؤر جوية رمادية خارجة عن المنظومة الرقابية الدولية، وهو سلوك يعرض سلامة الملاحة الجوية العالمية لمخاطر كارثية، ويفتح الباب لتهريب التقنيات العسكرية المتقدمة، والمستشارين، والأموال تحت غطاء الطيران المدني، مما يحول مطاري صنعاء والحديدة إلى قواعد انطلاق لوجستية إقليمية مهددة للأمن والسلم الدوليين. وأمام هذا التطور الخطير، لم يعد كافياً الاكتفاء ببيانات الإدانة والقلق الدبلوماسي التقليدي، بل إن حماية قواعد النظام الدولي تستدعي تحركاً عاجلاً عبر عدة مسارات تبدأ بتحرك عاجل للحكومة اليمنية الشرعية على المستوى الدبلوماسي والقانوني من خلال الرفع بملف متكامل وشكوى رسمية إلى منظمة الطيران المدني الدولي ومجلس الأمن الدولي، لتوثيق هذا الانتهاك كونه يهدد سلامة الطيران المدني العالمي ويسهم في تهريب المواد المحظورة بموجب القرارات الأممية.
كما يتوجب على المجتمع الدولي تصنيف هذا السلوك باعتباره **عدواناً غير مباشر** بموجب أحكام القانون الدولي، وفرض عقوبات مشددة على شركات الطيران والجهات الإيرانية المتورطة في القيام بمثل هذه الأعمال غير المشروعة التي تنتهك سيادة الدول وتتدخل في شؤونها الداخلية، إذ إن تغاضي المجتمع الدولي والإقليمي عن قرصنة الأجواء وانتهاك قواعد الطيران المدني في اليمن سيؤسس لسابقة دولية خطيرة، تتيح للدول المارقة والكيانات المسلحة في مناطق صراع أخرى حول العالم العبث بأمن الطيران وتجاوز سيادة الدول دون رادع. إن اليمن اليوم يخوض معركة ضد الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني، وهي معركة ذات أبعاد متعددة؛ فليست مجرد نزاع محلي على السلطة، بل هي جبهة متقدمة للدفاع عن قواعد النظام الدولي والأمن والسلام العالمي، ولحماية واستقرار النظام العام الدولي وقواعده القانونية المنظمة للملاحة البحرية والجوية واستقرار الاقتصاد العالمي، وإن سماح العالم لإيران بفرض سياسة الأمر الواقع عبر الأجواء وانتهاك القواعد القانونية المنظمة للملاحة الجوية بعد أن انتهكت قواعد أمن الملاحة البحرية، يعني الدخول في حقبة جديدة من الفوضى العالمية وتقويض سيادة الدول حيث تسود شريعة الميليشيات وتسقط هيبة القانون الدولي؛ ولذا على المجتمع الدولي أن يدرك، قبل فوات الأوان، أن صون الأجواء اليمنية ومنع أي انتهاك للسيادة الجوية هو صون حقيقي لأمن الملاحة الجوية في العالم بأسره.
امين عام نقابة المحامين اليمنيين- تعز
