السابع من يوليو... بداية الأزمة الوطنية الممتدة
يمثل السابع من يوليو محطة مفصلية في التاريخ اليمني، إذ ارتبط بنهاية حرب صيف 1994م التي اندلعت بعد تعثر الشريكين في الوحدة اليمنية في إدارة خلافاتهما عبر الوسائل السياسية والدستورية، رغم نجاحهما في تحقيق وحدة الثاني والعشرين من مايو 1990م بالحوار والتوافق بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية. ومنذ ذلك الحين، ظل هذا التاريخ يُستحضر بوصفه ذكرى للحسم العسكري لدى طرف، بينما يراه قطاع واسع من اليمنيين بداية أزمة وطنية ما تزال تداعياتها ممتدة حتى اليوم.
قامت الوحدة على اتفاق سياسي بين الحزب الاشتراكي اليمني والمؤتمر الشعبي العام، واستندت إلى دستور كرس مبادىء التعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، وسيادة القانون والمواطنة المتساوية، باعتبارها الضمانة الأساسية لاستمرار الوحدة والشراكة الوطنية. وفي رؤية الحزب الاشتراكي اليمني، لم تكن الديمقراطية خيارًا سياسيًا فحسب، بل شرطًا لبقاء الوحدة ومنع احتكار السلطة.
غير أن المرحلة الانتقالية شهدت تعثرًا في تنفيذ اتفاقية الوحدة، وتصاعدًا في الاستقطاب السياسي والاغتيالات التي استهدفت عددًا من قيادات وكوادر الحزب الاشتراكي اليمني، بالتزامن مع تعطل الحلول السياسية. كما برز تحالف سياسي واجتماعي لقوى تقليدية رأت في المشروع المدني الذي مثله الحزب الاشتراكي اليمني تهديدًا لبنية النفوذ القائمة، واقترن ذلك بخطاب تعبوي، وصدرت فتاوى دينية أسهمت في تهيئة المناخ للحسم العسكري، قبل أن تتحول المحافظات الجنوبية إلى المسرح الرئيس للحرب.
وانتهت الحرب في السابع من يوليو 1994م بحسم عسكري، لكنه لم يؤسس لاستقرار سياسي دائم، بل أفضى إلى تراجع الشراكة الوطنية، وإقصاء الحزب الاشتراكي اليمني من مركز القرار، وتفكيك أو تراجع جانب من المؤسسات والتجارب الإدارية والتنموية التي كانت قائمة في الجنوب قبل الوحدة، إلى جانب قضايا تسريح الموظفين، والإحالة القسرية إلى التقاعد، والأراضي والممتلكات، وهي ملفات عمقت الشعور بالظلم، ووسعت فجوة الثقة، وأسهمت في إعادة تشكيل المشهد السياسي خلال العقود اللاحقة.
ولو أُعيدت قراءة المشهد اليمني اليوم، لتبيّن أن جانبًا مهمًا من تعقيدات الأزمة الراهنة يرتبط بتداعيات حرب 1994م وما أعقبها من سياسات أضعفت الثقة الوطنية وأبقت قضايا جوهرية دون معالجة. فقد أثبتت التجربة أن الحسم العسكري قد ينهي المعركة، لكنه لا ينهي الصراع إذا بقيت أسبابه قائمة، وأن الدولة المستقرة تُبنى بالتوافق والعدالة والشراكة وسيادة القانون، لا بمنطق الغلبة والإقصاء.
ومن هنا، ينبغي أن يُنظر إلى السابع من يوليو باعتباره مناسبة للمراجعة الوطنية واستخلاص الدروس، لا للاحتفاء بنتائج الحرب. فتكريم الوطن لا يكون بتمجيد الانتصارات العسكرية، وإنما ببناء دولة عادلة تقوم على المواطنة المتساوية، والاعتراف بالأخطاء، وإنصاف المتضررين، وترسيخ الديمقراطية، واحترام الحقوق والحريات.
ولهذا، فإننا نجدد الدعوة التي سبق أن طرحناها في العديد من مقالاتنا إلى إنهاء التعامل مع السابع من يوليو بوصفه رمزًا للغلبة، والنظر إليه باعتباره محطة للتأمل في أخطاء الماضي واستخلاص العبر منها. فاليمن بحاجة إلى ذاكرة وطنية تُعلي قيم المصالحة، لا إلى استدعاء رموز الانقسام، وإلى مناسبات تجمع أبناء الوطن حول المستقبل، لا حول نتائج حرب تركت جراحًا لم تلتئم بعد.
إن مستقبل اليمن لن يُصنع بإحياء ذاكرة الغلبة، بل بإرادة سياسية تؤمن بأن الوحدة لا تستقر إلا على أساس الشراكة الحقيقية والعدالة وسيادة القانون، وأن الدولة لا تترسخ إلا عندما يشعر جميع مواطنيها بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات. فذلك وحده هو الطريق إلى سلام مستدام، ودولة مستقرة، يتساوى فيها الجميع أمام القانون، ويكون القانون فيها المرجعية العليا والمنتصر الوحيد.
